الدولة القطرية أسست لخصي المقاومة بالتمويل وسلمت “الراية” للغرب!

إعادة بناء البلد حلقة 11

عادل سمارة

بقدر ما لا تملك حركة المقاومة الفلسطينية وطناً بمعنى أن الوطن بأجمعه تحت الاحتلال، وبقدر ما يتم التخلي من قبل كثيرين فيها عن الوطن، وحتى التأشير بعين الاستغراب والاستهجان ضد من يصر على حق العودة، التأشير إليه كمتخشِّب وحالم و (مطليٌّ به القارُ أجربُ- طرفة بن العبد)، بقدر ما تلعب هذه الحركة والطبقة الوسطى والبرجوازية والمثقفون التطبيعيون مثقفي خدمة الآخر، يلعبون بالمال كما لو كان نفط الدين والدنيا هنا؟ ثراء بلا وطن وبلا إنتاج؟ كيف هذا كله ولماذا؟

أليس هذا الحال عجيباً؟ إنما، إذا كانت العجائب صدفة، فهذه الأعجوبة خطة، مؤامرة شَرَكاً! فالأموال تأتي إما من خصب زراعي أو تطور صناعي او موهوبية ثرواتية أو أماكن مقدسة أو نفط بالطبع وبالأخص، تأتي على رأي مدرسة “الفيزيزقراط” من الأرض، والأرض ليست بيدنا، وبقاياها التي بيدنا مجرد شرشوحة، يدعوها البعض فلسطين!! لا سيادة لفلسطيني على هذه الشرشوحة ، ومع ذلك لا نزرع البقع الصغيرة التي يمكننا التصرف بها! كيف نعيش إذن؟ وتوخياً للدقة هناك مغتربون يتواصلوا ماليا مع أسرهم، ولكن ليس للأكثرية الساحقة أبناء في المهاجر.

يستدعي هذا سؤالاً: كيف يمكن لشعب ان يُقاوم وهو لا ينتج قوت يومه؟ أم أن في هذا السؤال خبث الإجابة بأنه بعد أوسلو، أو بسبب، لا مقاومة في الضفة الغربية؟ ليس هذا وحسب، بل هناك هجمة على كل من يقاوم: القتل لمن يحمل السلاح، وكأن المقاتل هو كمن أَخذ بالسيف وبالتالي بالسيف يُؤخذْ! وهناك هجمة على من يُقاتل بالكلمة. فما ان تكتب كلمة ضد المطبعين، لا ضد التطبيع، لأن أكثر من يزعم أنه ضد التطبيع ويثرثر ضد التطبيع هو من يُطبِّع بالمليان! ما أن تكتب حتى يرد عليك الف من المطبعين وأنصاف المطبعين، ويطبِّعون فيك (هذه كلمة فلاحية حينما تتكاثف الدبابير على شخص يقولوا طبَّعت عليه أو طبَّع فيه شوك الصبر) وعليك كالمدبرة. ولأن الجميع يعلم مدى خطورة التطبيع، فيكفي مجرد التلميح على مطبِّع أو مطبِّعة حتى يأخذك بالعداء المطلق والصلوات لله بأن يأخذك عاجلا!.

اغتيال المقاومة بالتمويل العربي الرسمي

يختلف معنا كثيرون ويزدادون عدداً في علاقة المقاومة بالأنظمة العربية والشعب العربي. ففي حين قررت القيادات التحالف مع الأنظمة كانت قد طلَّقت العلاقة بالشعب وكان ذلك باكراً. لم يُرغم القيادة على ذلك أحد، بل كانت هناك عوامل تحتية دفعتها لهذا الزواج السفاحي، أكبر هذه العومل كان لقناعة القيادة أنها لن تحرر الوطن ولن تتنازل عن مواقعها الطبقية والوظيفية، اي لن تدَعْ القيادة لمن لديه الاستعداد للموت أو الاستمرار في اقسى المناخات. فهي سلطة بكل المعاني ولديها وعيها الطبقي وبالتالي السياسي وتعرف اين تصطف وحصل أن إصطفَّت، أما ما ليس لديها فهي السيادة على الأرض.

أما وأن الأكثرية الشعبية لم تتيقن من خطورة هذه الحقيقة، فهذه ليست مشكلة القيادة/الطبقية او الشريحة كي لا يُنظِّر علينا سوسيولوج ممن هجروا الماركسية واحتفظوا ببعض تعريفاتها ومصطلحاتها، بل هي مشكلة القوى السياسية والكوادر والشعب بشكل عام. لا غفران ولا تدليس. لذا قررت هذه القيادة وهي تعرف أنها كسيحة من حيث القدرة على حمل المشروع الوطني التحريري، قررت بأن عليها ومن مصلحتها تطويل عمرها بتقطيع الوقت وتحويل الكفاح المسلح إلى مجرد مشاغلة للعدو، إلى أن تحصل على تسوية ما. هذا التشاغل والإشغال يحتاج مالاً كي تستوعب التنظيمات جيوشاً من الفدائيين البسطاء ليتم الإنفاق عليهم وتدجينهم بالتوظيف وبالتالي خصي وعيهم الوطني والحيلولة دون ارتقائه إلى وعي سياسي طبقي فيظلوا اسرى حالة من العسكرية الرخوة التي تتكاثف وتتكوم في المعسكرات بانتظار وجبات الأكل والرواتب. وهذا ما جعل إعادة هؤلاء الناس إلى الأرض المحتلة أمراً سهلا لأنهم كانوا قد فقدوا كل ما يربطهم بالحياة سواء المهن أو التخصصات أو مشاريع العمل أو العمل المأجور، فصار ليس امامهم سوى القبول بالمجيء تحت مظلة أوسلو، فأتوا أو أُتي بهم!

وهكذا تأصَّل في ظاهرة المقاومة سلوك “واخلاقيات” القبض من الأنظمة العربية ألتي أغدقت كثيراً. ولم يبق نظام عربي وجميعها قطرية بالطبع إلا وشارك في الرشى والإفساد. وكان وراء هذا هدفان:

· هدف الظهور بمظهر دعم المقاومة والكفاح المسلح لكسب المشاعر القومية

· وتخريب المقاومة والكفاح المسلح بالمال.

هل كانت هذه الأنظمة تنسق مع المركز الإمبريالي ومع الصهيونية؟ أم كانت تخدمهما لطموحات محاورية في الوطن العربي أم هذا وذاك، هذا أمر يحتاج إلى بحث آخر ومن آخرين. المهم أنه جرى تخريب القيادات بالرشوة أو الاستجابة لرغبات قيادات خربة اصلاً، وجرت كلبشة الكوادر بقطع سبل العيش والإنتاج كي تستسلم للمرتبات التي تقدمها القيادة.

وهكذا تبلورت في المقاومة شريحة طبقية رأسمالية كمبرادورية من جهة وقاعدة طبقية من البروليتاريا الرثة التي تتعيش دون عمل وإنتاج وهذا ما جعل القيادة والقاعدة جاهزتين لقبول اوسلو والمجىء إلى الأرض المحتلة كما لو لم تكن محتلة!

إذن ظاهرة التموُّل بدأت عربية/فلسطينية فكانت فيروس تخريب المقاومة. فالمال عنصر تخريب بالعموم. ولكن لطبيعة المموِّل واهدافه وثقافته دورا في ذلك. فكلما كان المموِّل فاسداً لا بد أن يكون شرط التمويل هو الإفساد، وهكذا كان. ومع انه يمكن للمال الثوري ان يلعب دوراً ثورياً ولكن أي قبضٍ هو خطير.

كان ولا زال يحلو للكثيرين وصف المقاومة ب “غابة البنادق” وهو تأويل ممسوخ لمقولة ماو تسي تونج ” تنبع الثورة من فوهة البندقية”، فالثورة هناك كانت محمولة هي والبندقية على وعي طبقي سياسي قومي متين ومكين. أما لدينا، فقد طغى المال على البندقية حتى صدأت.

بقي هنا السؤال المحير التالي: لماذا تدفقت أموال أنظمة الكمبرادور والقطرية على المقاومة في فترة كان المال عامل تخريب ولم تكن هناك حاجة لذاك الإغداق، ولماذا لا تجرؤ هذه الأنظمة اليوم على مساعدة غزة لإعادة إعمار ما دمره الاحتلال مع أن مساعدة حاملي البندقية سابقا هو أخطر من توفير ثمن الحليب لأطفال غزة! ألا يعني هذا أن هناك قوة خفية ترسم الأمور؟ لماذا أغدقت دول النفط المال على المقاومة حين لم تكن هناك حاجة ولماذا تبخل اليوم؟ هل كان آنذاك سماحاً أميركيا واليوم منعاً؟ قد نجد الإجابة في العرض الأوروبي الأخير بأن يكون قطاع غزة كياناً منفصلاً يموله الاتحاد الأوروبي. لا نناقش هنا مسألة الكيانية بل لماذا لا تكون المساعدات عربية ومن العرب مباشرة؟ ألا يؤكد هذا وصاية الغرب على الأنظمة العربية؟ أليس هذا نمطاً فريداً من التبعية؟ كيف تقبل دول تزعم أنها مستقلة بأن لا تجرؤ على مساعدة بني جلدتها إلا من خلال المستعمِر!

لقد ولدت أموال الدولة القطرية في المقاومة حالة من النضال الوظيفي، نضال كالعمل المأجور، وهو ما خلق حالة من التراخي من جهة وسمح بتوسيع المؤسسات الإعلامية وشبه الحكومية على حساب قواعد المقاتلين وكانت النتيجة الخروج من لبنان.