مجافاة المنطق والعدل تعني الحرب!

نصر شمالي

تعيش البشرية حالة حرب عالمية مفتوحة تشنّها ضدّها المركزية الاحتكارية الأميركية/الأوروبية. لكنّ هذه الحرب تنفّذ وتدار فصلاً فصلاً، وموقعة موقعة، منتقلة من هذه القارة إلى تلك، ومن هذا البلد إلى ذاك، فهم لا يطفئون حرباً إلاّ ليشعلوا أخرى. وهم، بالطبع، يتعمّدون تجزئتها، وطمس حقيقتها، وتجنّب أيّة إشارة رسمية إلى دوافعها وأهدافها الحقيقية، التي لا علاقة لها بتاتاً بما هو معلن رسمياً، وفي جملته بعدها العالمي. لماذا؟ لأنّهم لا يستطيعون إعلان الحقائق لأسباب عملية يفترض أنّها مفهومة لا تخفى على المتتبع العادي للسياسة الدولية.

على سبيل المثال، هل يستطيع المحتلون والمستوطنون الإعلان رسمياً أنّهم يخوضون الحرب المفتوحة ضدّ شعب فلسطين، ويستوطنون فلسطين، من أجل استمرار سيطرتهم على نفط الخليج، واستمرار احتكارهم له ولمشتقاته وعائداته الخرافية، وبالتالي التحكّم بالعالم أجمع من خلال تحكّمهم به؟

وهل يستطيعون الاعتراف دون مواربة أنهم احتلوا العراق لوضع اليدّ على نفطه الذي يتجاوز احتياطيه 400 مليار برميل، ناهيكم عن أسبابهم وأهدافهم العدوانية الدولية الأخرى؟

وهل من السهل عليهم القول صراحة أنّهم يحاربون الشعب الأفغاني من أجل الاستيلاء على ثرواته المنجمية، التي تفوق قيمتها تريليون دولار حسب التقديرات الأولية المسبقة، وأنّهم يريدون الاستئثار بها دون غيرهم وبإقصاء غيرهم؟ علماً أنّهم وضعوا اليدّ على بعض حقول المناجم الأفغانية خلسة، وباشروا باستثمارها في قندهار وغيرها من المناطق التي يجتاحونها، حيث يزعمون أنهم يطاردون الإرهابيين!

إنّ هذا النظام العالمي، الأوروبي/الأميركي، الاحتكاري الربوي، المجافي للمنطق والعدل، يعيش ويستمرّ بالحرب العالمية المفتوحة. وقد حدث أنّه خاض مضطراً حروباً عالمية شاملة، ودفعة واحدة، فكان ذلك خطراً عظيماً على البشرية كلّها، وعلى كوكب الأرض بمجمله، بحيث كان ممكناً أن لا يخرج منها أحد رابحاً! ولذلك فإنه لمن الطبيعي، بعد تلك التجارب، أن يبذل الاحتكاريون جهودهم لتجنّب خوض حرب شاملة، دفعة واحدة، وأن يعملوا على خوضها مجزّأة، فصلاً فصلاً. ثمّ إنّ ذلك يضمن لهم تضليل الشعوب وتفتيت قواها وتشتيتها. كما أنّه خداع يمكّنهم بالحيل والألاعيب والرشاوى من تجنيد جيوش بعض البلدان المنكوبة، تحارب إلى جانبهم ضدّ بعضها الآخر!

في الأفق المنظور يبدو صعباً جدّاً التوجّه نحو إيقاف هذه الحرب العالمية المفتوحة، اللئيمة المخادعة، واستبدالها بالعلاقات السلمية المنطقية العادلة، فمثل هذا التوجّه غير وارد ما دامت الاحتكارات الصهيونية الربوية، الجشعة وغير المنطقية، تتحكّم بهذا العالم وقد أعمتها أنانيتها، وتحجّرت قلوبها، فهي تواصل حربها استناداً إلى الذرائع الملفّقة، أو المضخّمة، كذريعة ما يسمّى بالإرهاب مثلاً. أمّا أن لا يقتنع الرأي العام بذرائعها فهي لا تهتمّ لذلك طالما أنّ شرائح عريضة من النخب الحاكمة وغير الحاكمة في البلدان المنكوبة تتواطؤ معها. وهكذا تصبح المقاومة المشروعة إرهاباً، ويسهل التغاضي رسمياً عن الأسباب الحقيقية للمقاومة، التي منها، مثلاً، الاستئثار الاحتكاري بثمانين بالمائة من المنتجات الحيوانية في العالم أجمع!

لقد تحدّثت تقارير الأمم المتحدة عن اتساع الهوّة وتعمّقها بين خمسة أسداس البشرية الفقيرة وبين سدسها الثريّ. وأعطت التقارير مثالاً عن ذلك بالمنتجات الحيوانية، الألبان والأجبان واللحوم، التي يستحوذ السدس الثري على 80% منها إنتاجاً واستهلاكاً! إنّ هذا الاستحواذ يشمل جميع منتجات قطاعات الحياة الأخرى بنسب تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً. أمّا حصة الولايات المتحدة لوحدها من الثمانين بالمائة التي تحتكرها البلدان الثرية فهي الخمس، أي 20%!

ولكن، وبينما الحال العالمي على ما أشرنا إليه، تصرّ حكومات واشنطن المتعاقبة أنّ العالم بأفضل حال، ولا يعكّر صفوه ويهدّد أمنه ورخاءه سوى خطر الإرهاب! أمّا عن موقفها من هذا “الإرهاب” فهي تتعامل معه كأنّما هو يظهر من فراغ! كأنّما الإرهابيين مجرّد كائنات عدمية، عبثية، تعبد الموت وتحضّ عليه، وتفعل ما تفعل من أجل الموت فقط! هذا ما قاله السيئ الذكر والصيت، المجرم والإرهابي الحقيقي بول وولفويتز، في وصف المقاومة العراقية وهو يحرّض ضدّها!

لنأخذ هذا المثال القديم الجديد، كي نحدّد الأسباب الحقيقية، وليس الذرائع الملفقة، لما يحدث اليوم في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها. فحسب إحصاءات الأمم المتحدة، الصادرة في العام 1971، كان متوسّط استهلاك الفرد الواحد من الطاقة في البلدان الصناعية الثرية في حدود ستة آلاف كغم! أمّا في بلدان الجنوب، حيث أربعة أخماس سكان العالم، فكان الاستهلاك الفردي في حدود ثلاثمائة كغم! أي أنّ النسبة هي واحد إلى عشرين! فكيف لا تنهض المقاومة، التي يصفونها بالإرهاب، بصورها الصحيحة وغير الصحيحة، في مواجهة هذا الحرمان المتعمّد للأكثرية البشرية من الطاقة، بما يترتّب على ذلك من نقص فادح في مختلف ميادين حياة الإنسان؟

ونبقى في ميدان استهلاك الطاقة، فنذكر أنّ الاستهلاك الإجمالي العالمي من الطاقة كان، في العام 1971 أيضاً، في حدود سبعة مليارات طنّ، موزّعة على النحو التالي:

أولاً، الولايات المتحدة وشعبها، لوحدها كدولة واحدة، كانت تستأثر بكمية 2500 مليون طنّ من الطاقة!

ثانياً، شعوب الاتحاد السوفييتي ودول حلف وارسو، والصين الشعبية، جميعهم كانوا يستهلكون 2000 مليون طنّ!

ثالثاً، دول أوروبا الغربية جميعها وشعوبها، ومعها اليابان أيضاً، كانت تستهلك 2000 مليون طنّ!

رابعاً، ما يسمّى بالعالم الثالث، أو بلدان الجنوب، بقضها وقضيضها، كانت تستهلك فقط 500 مليون طنّ!

فكيف يعقل، بناء على معيار استهلاك الطاقة وحده، أن لا تنهض المقاومة على أوسع نطاق أممي، بفصائلها الواعية المصيبة وفصائلها الأقلّ وعياً وصواباً؟ وهل يجوز أن تطلق عليها صفة الإرهاب لوجه الإرهاب، وأن يوصف نضالها المفهوم والمشروع بأنّه سعي إلى الموت حبّاً في الموت، مهما تمادى بعضها في الممارسات غير الصائبة أو غير المعقولة؟

لقد أتينا بأمثلة قديمة نسبياً عن أوضاع العالم المأسوية، التي تستدعي حرباً عالمية مفتوحة يشنّها الاحتكاريون المرابون على مدار الساعة، فتستنهض في المقابل، وكردّ فعل طبيعي، همم المقاومين دفاعاً عن حقوق شعوبهم. غير أنّ الوضع العالمي، عشية استعداد المحافظين الجدد (الليبراليون/الديمقراطيون/رعاة حقوق الإنسان!) لدخول البيت الأبيض في العام 1998، فاق كلّ التوقّعات السوداوية. حيث صار 350 مليارديراً دولاريّاً يستحوذون، لوحدهم فقط لا غير، على ما يعادل مداخيل نصف سكّان العالم تقريباً! ومن هؤلاء الثلاثمائة وخمسين شخصاً يمكن ذكر جورج بوش وديك تشيني ورونالد رامسفيلد، قادة عمليات الحرب التحريرية الديمقراطية ضدّ الاستبداد والإرهاب!

إنّ السؤال البسيط الذي يطرح نفسه هنا، هو : طالما أنّ وضع العالم كذلك واقعياً، كما تريده واشنطن، فكيف لا يكون بديهياً أن تقوده واشنطن قيادة ديكتاتورية، عن سابق وعي وتصميم؟ وكيف لا يسود منطق الإملاء وفرض الإذعان على الأمم المستضعفة؟ وكيف لا يعتمد الاحتكاريون سياسة الحرب النارية الشاملة المفتوحة، المجزّأة فصلاً فصلاً ، والقائمة على مجرّد الذرائع الملفّقة والمضخّمة؟ وفي المقابل كيف لا تنهض المقاومة كنضال مشروع ضدّ هذه الديكتاتورية العالمية، المتمادية والمخاتلة، التي قست قلوب أصحابها، فهي كالحجارة بل أشدّ قسوة؟

:::::

ns_shamali@yahoo.com