فلسطينيو لبنان: الخوف من التوطين؟

سلامة كيلة*


ليست المشكلة في أن تطرح الدولة الصهيونية أو الولايات المتحدة فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين، فمن الطبيعي أن يسعى هؤلاء للتخلص من «الجثة» لكي لا تكون هناك جريمة. واللاجئون هم الشاهد على الجريمة التي حدثت في فلسطين، وهم الشاهد على أن الأرض لهم أكثر من الفلسطينيين الذين بقوا في الأرض. وذلك ببساطة لأن وجودهم يطرح مسألة «المعيق» لعودتهم، وهنا تنفتح كل أبعاد القضية، رغم أن ما تعمل عليه الدولة الصهيونية هو الترانسفير «الكامل» لكل الفلسطينيين، سواء هؤلاء اللاجئون أو الذين ما زالوا في وطنهم. وهو الأمر الذي يفرض علينا مراجعة فكرة التوطين ذاتها كما يجري تداولها.

لكنّ غير الطبيعي هو أن يجري التعامل مع هؤلاء اللاجئين انطلاقاً من أنهم هم الذين يريدون التوطين. ما يجري في لبنان من نقاش هو من هذا القبيل. فتحت شعار رفض التوطين، تسعى «القوى المسيحية» لأن يبقى اللاجئون هناك في أقسى الظروف وأسوأ الأحوال، حيث لا عمل ولا تعليم ولا سكن، طبعاً مع رفض مطلق للتملك. كأن الحرمان من هذه المسائل هو الذي يهزم مشروع التوطين ويثبت هؤلاء على مبدأ العودة.

فاللاجئون في سوريا لهم كامل الحقوق غير السياسية، ورغم ذلك ما زالوا لاجئين يهدفون إلى العودة. وهم في الأردن كاملو الحقوق، بما فيها الحقوق السياسية لأنهم يمتلكون الجنسية، ورغم ذلك لم يسقط حق العودة، ولم يُتناسَ أنهم لاجئون. إذاً، لماذا هذا الوضع في لبنان؟

في الغالب يشار إلى «الوضع الديموغرافي» في بلد تكوّن على أساس المحاصصة الطائفية. ولهذا يظهر التخوّف من تغيير الوضع لمصلحة «المسلمين» (مع إشارة معبرة إلى أن القوى المسيحية اللبنانية هي التي جنّست مسيحيي فلسطين اللاجئين). لكن لا بد من ملاحظة أن الوضع الديموغرافي قد اختلّ منذ زمن، حيث بات يمثّل المسلمون أغلبية (الثلثان ربما) دون الحاجة إلى تجنيس الفلسطينيين. وبالتالي، فإن المسألة لا تتعلق هنا بالوضع الديموغرافي، وربما يجب البحث في الدوافع التي تفرض هذا الموقف من مسائل هي أقل من الجنسية بكثير، دون الحاجة إلى التمسك برفض التوطين، وإظهار كأن هناك من هو أكثر من اللاجئين حرصاً على العودة. والمستغرب هنا هو تلاقي مجمل القوى «المسيحية» المتناقضة على هذه المسألة (من القوات والكتائب إلى ميشال عون العلماني سابقاً). فما يبدو هو أن هذه القوى لا تريد فلسطينيين في لبنان، لأن الوضع الذي هم فيه يفرض التهجير «الطبيعي» من أجل العيش. إن بقاء وضع اللاجئين الفلسطينيين على ما هو عليه، حيث لا مقدرة على العمل، ولا مقدرة على بناء بيت، أو الدراسة أو التملك، لا يقود سوى إلى البحث عن بلاد أخرى. وبهذا، فإن موقف تلك القوى يعني القول لهؤلاء إن عليهم الرحيل أكثر مما يقول إنهم ضد التوطين. وإن كل التخويف من التوطين يهدف إلى استمرار هذا الوضع المأسوي أكثر من أي شيء آخر، وبالتالي توفير كل الظروف التي تقود إلى الهجرة. فإذا كانت نغمة التوطين قد انتشرت منذ زمن، بات من الضروري إعادة التفكير في ذلك. فهل تريد الدولة الصهيونية توطين اللاجئين؟ وفي البلدان المحيطة بفلسطين؟

في الأردن، باتت نغمة الوطن البديل تتردد، على أساس أن الحل هو في دولة فلسطينية في الأردن، أي تكون بديلاً من الدولة الأردنية. وهناك من اندفع مصدّقاً أن هذا هو الحل الحقيقي. وفي لبنان يشار إلى التوطين، وأيضاً هناك من يصدق ذلك. المشكلة التي أشرنا إليها منذ البدء هي التعامل مع هذه الأفكار كأنها أفكار الفلسطينيين، الأمر الذي يجعلهم في صراع لا يعرفون أسبابه. فهل فكرة تطرحها الدولة الصهيونية هي فكرة فلسطينية؟ وأنها أصبحت «البرنامج السياسي» للفلسطينيين؟ يمكن القوى «المسيحية» اللبنانية أن تواجه المشروع الصهيوني الذي يطرح هذه الأفكار، وأن تعتبر أن الدولة الصهيونية هي عدو، لا أن تعاقب اللاجئين على فكرة صهيونية. وأن تعتقد أن بقاءهم في ظروف مزرية يخدم حق العودة. لكن، من قال إن أميركا أو إسرائيل تريدان التوطين؟ إنهما تريدان بالضبط الوضع الذي يفرض على اللاجئين الرحيل إلى أبعد، كندا أو أستراليا أو أميركا اللاتينية أو أوروبا الشمالية. والوضع الذي يحكم فلسطينيي لبنان يجعل رحيلهم هذا ممكناً، لأن العجز عن العيش يفرض الرحيل، كما تفعل الدولة الصهيونية في الضفة الغربية وقطاع غزة تماماً.

إن منطق الدولة الصهيونية يقوم على وجوب تشتيت اللاجئين وسكان فلسطين في أبعد مناطق العالم، لا توطينهم في لبنان أو سوريا أو الأردن. ومثال فلسطينيي العراق واضح هنا، حيث فرضت «القرارات الأميركية» رفض قبولهم في أي من دول الطوق، وحتى أبعد من ذلك، الأمر الذي فرض تهجيرهم إلى أميركا اللاتينية، واليمن وشتات أبعد. وبالتالي، فإن افتعال ظروف صعبة لهؤلاء في أي من بلدان الطوق، يعني الدفع بهم إلى الهجرة، أو إغراقهم في صراعات تفرض تهجيرهم، تماماً كما تفعل الدولة الصهيونية لفلسطينيي الأرض المحتلة سنة 1948، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة. ذلك أنّ التضييق والخنق الاقتصادي وسلب الأرض، والحصار، وفقدان العمل، والتحكم بالآليات الاقتصادية، كلها خطوات دفع نحو الهجرة، فكيف يعيش الفرد إذا لم يستطع العمل والحصول على بيت، والدراسة… إلخ؟

أيها الحريصون على حق العودة، لا تجعلوا الفلسطيني يهاجر، بل اعملوا على أن يبقى هنا. وهذا يفرض توفير المقدرة على العيش والتعليم والسكن، وهي المطالب البسيطة التي يريدها فلسطينيو لبنان. ولا تخافوا من التوطين لأن الدولة الصهيونية أكثر حرصاً على ألا يتحقق. وهي تدفعكم لافتعال مشاكل معهم لكي يرحلوا.

:::::

* كاتب عربي

المصدر: “الاخبار”، http://al-akhbar.com