الاقتصاد السياسي للجاسوسية في وطننا الرخو

ليست البطالة عبئاً على اقتصاد الكيان!

عادل سمارة

تمر بنا في أدبيات الاقتصاد السياسي التقليدي “المبتذل” معلومات وحتى استنتاجات لا نلتفت إليها كثيراً فتمضي دون معالجة أو تحليل، وهذا خلل لا شك في جبهة الاقتصاد السياسي الماركسي في مواجهة هؤلاء.

أثار هذه الملاحظة لدي حديث السيد حسن نصر الله مساء أمس عن العملاء في لبنان، وهو إن لم يتطرق إلى تقديرات عددية لهم، ولا إلى تاريخ بناء شبكات التجسس في لبنان حيث بدأ حديثة ما بعد 1993، فإن أي تفكير أوَّلي في الأمر يوصل إلى الاستنتاج بأن هناك أعداداً هائلة من العملاء المجندين للكيان في لبنان كنموذج على الوطن العربي. إن لبنان والوطن العربي مثال على الدولة الرخوة، ليس بالفساد والمحسوبية وحسب، بل كذلك برخاوة السيادة والأمن، رخاوة الوطن. وإلا كيف يتدفق العملاء والجواسيس إليه جيئة وذهاباً.

وورد في حديث السيد عن قيام العملاء اللبنانيين بتسهيل دخول وخروج مجموعات كبيرة من الإسرائيليين إلى لبنان على طول الشاطىء اللبناني الذي حسبناه للاستجمام والتجارة فإذا به كذلك للسياحة الجاسوسية!

يصل العملاء اليهود إلى القطريات العربية بالطبع من مداخل عديدة، أي إلى أراضي ومن أراضي القطريات العربية المعترفة بالكيان حيث يجولون هناك بحرية تفوق حرية أهل البلد، كما يقيمون قواعد في قطريات عربية لا تحتاج لإعلان اعترافها كما هو في العراق وخاصة في كردستان العراق . فكيف لا ينشئون هناك شبكات تجسس من المحليين؟ وكيف لا يذهبون معاً إلى القطريات العربية التي لا تقيم علاقات مع الكيان؟

هذا ناهيك عن ذهابهم عبر الدول التي حملت بالكيان ووضعته أي بلدان المركز الرأسمالي الأبيض، وتكفي عملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح لإثبات الشغل المشترك بين مخابرات ودبلوماسية هذه البلدان وبين الكيان كما يكفي أكثر أن نلاحظ كيف تم طوي الموضوع!

والدور التسهيلي العربي ينطبق اساساً على الأراضي المحتلة حيث التطبيع على قدم وساق وحيث جند الاحتلال أعداداً يعلمها الله (وليس حسن نصر الله) كم هي ولا شك أن الاحتلال لا يشبع من تجنيد الجواسيس في الإخباريات والثقافة معاً، حتى لو لكسرهم نفسياً.

مرة أخرى، يحتاج الكيان إلى يهود عرب وهم أفضل له من يهود درسوا العربية للتغلغل في المجتمع العربي. فمن اين يأتي بهم؟

كنا نعتقد في الماضي أن شغل العمال الفلسطينيين داخل الكيان يخدم الكيان في أكثر من مستوى:

· يحل العامل الفلسطيني محل عامل اسرائيلي يذهب إلى الجندية لا سيما إبان الحرب أو التعبئة العامة أو التدريب أو الانتفاضات بالطبع.

· يحل العامل الفلسطيني في الدرجات الدنيا من الاقتصاد الصهيوني وهذا يسمح للعامل الإسرائيلي أن يعمل في قطاعات أعلى وأكثر تقدماً[1].

· وتشغيل العامل الفلسطيني يعني بالنسبة للاحتلال امتصاص طاقته على المقاومة سواء بإشغال زمن فراغه وبطالته أو بتحسين شروط حياته بأجر أعلى[2].

· من مخاطر هذا التشغيل أنه أسس لمستوى  خطير من التطبيع بمعنى تقبُّل الشغل لدى العدو[3]، ومن هذا المستوى في الشغل لدى العدو الإسرائيلي أصبح الشغل لدى مختلف الأعداء الآخرين (مؤسسات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية مثلاً)  أمراً عادياً، وهذا شمل إلى جانب العمال كثرة من شريحة المثقفين الذين يقودون التطبيع ويروجون له ويدافعون عنه.

على هذه الأمور تترتب ملاحظتان:

الأولى: تؤشر إلى استمرار غياب مشروع تنموي فلسطيني لتشغيل هؤلاء العمال بعيداً عن اقتصاد الاحتلال إلى أن استغنى الاحتلال عنهم باستجلاب عمالة أجنبية تسد الفراغ، حتى لو بكلفة أعلى (لا يهتم الاحتلال بالكلفة كما سنرى لاحقاً)، ولم يوجد حتى اللحظة مشروع حتى للعدد القليل منهم الذي ما زال يعمل في مواقع عمل الاحتلال. أما قيام سلطة الحكم الذاتي بمنع هؤلاء العمال من العمل داخل اقتصاد المستوطنات فليس سوى مناورة غير ذات جدوى، فلم توجد لهم السلطة عملاً من جهة، كما أن مقاطعة منتجات المستوطنات يعني أن الأرض المحتلة عام 1948 ليست خاضعة لاغتصاب العدو وأن الكيان السياسي هناك ليس دولة عدوة ولا مغتصِبة!

والثانية: هناك فائدة أخرى للاحتلال من تشغيل عمالنا لديه (قبل استجلاب أجانب محلهم[4]) حيث يسمح له هذا بتشغيل اليهود العرب في قطاع التجسس وهو كما يبدو قطاع واسع/يتوسع ولا يعرف حجمه أحداً وإن كان من السهل إدراك خطورته ودوره التدميري.

وكي لا نبتعد عن المدخل الاقتصادي يطرأ السؤال: من هُم هؤلاء الإسرائيليون الذين يدخلون البلدان العربية ولبنان خاصة أي الذين يوفرون للعدو هذا المتطلَّب؟ هل هم من اليهود الروس أو البولنديين؟ ربما بينهم من هؤلاء، ولكن من يدخل ويتحرك ويشتري ويذهب إلى الحانات والسينما لا بد أن يتقن العربية. لذا، دعنا نفترض أن معظم هؤلاء هم من اليهود العرب/الشرقيين مسلحين باللغة والسحنة ومعرفة العادات والثقافة العربية، لا بل الأمر أخطر، فهناك يهود عرب من مختلف القطريات العربية وبالتالي ربما ما زالوا يعرفون الأماكن الرئيسية في المدن العربية التي عاشوا فيها. لقد رفدت القطريات العربية هذا الكيان بأكثر من نصف يهوده[5]!. وإذا فهمنا جيداً حديث السيد نصر الله أو حاولنا دفعه للأمام قليلاً بل كثيراً، فإن الكيان بحاجة إلى أعداد هائلة للتجسس في مختلف القطريات العربية. قد يحتاج مليون عميل للاندساس بين 300 مليون عربي، ناهيك عمن يُجنَّدون من العرب. لا غرابة، واحد للتجسس على 300، ربما هذا غير كافٍ لتبرير صناعة الأمن الصهيوني.

قد نجد الإجابة على هذا السؤال في نسبة البطالة في الكيان الصهيوني. وليس هذا وحسب، بل في عدم قيامه بعمل جاد على تقليص هذه النسبة إلى درجة تسمح لنا بالحكم أنها لم تشكل أزمة له او مشكلة، وكأنها مسألة ناتجة عن تقسيم عمل وليست مشكلة ناتجة عن تأزُّم إقتصادي، وما يفسر هذا غياب التشكي الاقتصادي/الاجتماعي من البطالة لدى الكيان بل تحقيق اقتصاد الكيان لنمو حتى في وقت الحرب مع حزب الله ( 2006 ) حيث بلغ ذلك النمو أكثر من 4%.

قد يبدو هذا الحديث غريباً من منظور الاقتصاد التقليدي أو المبتذل، ولكنه ليس غريباً من منظور الاقتصاد السياسي بما هو مقترب علمي فلسفي لدراسة التحولات.

“كانت نسبةالبطالة لدى الاحتلال 10,7% عام 2004 وهبطت عام 2006 إلى 8,8% لتصل إلى 7,4% عام 2007. وكان عدد العاطلين عن العمل عام 2006 قد وصل إلى 240 ألفا وهو رقم أقل من عدد العمال الأجانب المستخدمين في الاقتصاد الصهيوني هذا دون أن نأخذ بالاعتبار ان العمال المستجلبين او نسبة عالية منهم هم من اجل الشغل في القطاعات المتقدمة تقنيا بمعنى ان القيمة الزائدة المسحوبة من شغلهم اعلى بكثير من تشغيل عمال اسرائيليين عاديين غير مهرة او انصاف مهرة وهم غالبية العاطلين عن العمل”[6]

وكثيراً ما برَّر الإعلام والأكاديميا الصهيونية او فسَّر هذه الظاهرة الواسعة من حيث العدد والنسبة بأنها نتيجة لعولمة الكيان وتزايد الترف والرفاهية لدى الشباب، وعدم رغبتهم في الحرب، وتطلعهم بل ولعهم في الحياة الناعمة والحداثية الاستهلاكية…الخ. أي تحول اسبرطة إن جاز التعبير إلى الريفيرا و/أو لاس فيجاس[7].

ولا شك ان في هذا درجة من الصحة، ولكنه لا يجيب على السؤال بأن هناك ربع مليون عاطل عن العمل. ماذا يشتغلون؟ وكيف يعيشون؟ لا سيما وأن ظاهرة الترف هي التي حملت التفسير! هذا إذا تقيدنا بالنسبة الرسمية  للبطالة والتي هي دائماً أقل من النسبة الحقيقية.

هنا يبرز  تقسيم العمل في الكيان، فلا شك أن أبناء البرجوازية المدنية والعسكرية هم المترفون من أبناء العائلات ، أو تحالف العائلات الحاكمة/المالكة في الكيان، ولكن هناك فقر في الكيان ولا سيما بين اليهود الشرقيين وهناك بطالة أعلى وهناك مستوى تعليم أقل، وهذا لا يؤهل هؤلاء الشرقيين لا للرفاهية ولا للعمل في الصناعات المتقدمة، إذن أين يذهبون؟

يذهبون، او يذهب الكثير منهم إلى الجندية والجاسوسية. وهناك وخاصة في الجاسوسية يحصلون لا شك على عوائد عالية ربما أعلى من التي يحصل عليها مهندسوا الإلكترونيات (في وادي السليكون الصهيوني) الذين يمثلون العمل غير المُمدَّى Immaterial labor[8] (الذي لا ينتج سلعاً مادية) كما يزعم هاردت ونيجري. فهم يخدمون في القطاع الأكثر أهمية وحساسية للكيان ما يسمى الأمن  صناعة الأمن، وهو في حقيقته العدوان بما أن هذا هو دور الكيان قبل ومنذ وجوده وحتى غدٍ.

قد يُثير هذا سؤالا اقتصاديا آخراً هو: كيف لدولة أن تحمل عبىء هذه النسبة من البطالة من جهة، وأن تدفع لهؤلاء أجوراً تفوق أجور الاختصاصات العليا تقنياً دون ان يقوم هؤلاء بعملٍ منتجٍ بالمفهوم المادي السلعي اي لا يحقق عملهم قيمة زائدة من جهة ثانية؟ وهل يندرج عملهم هذا في نطاق العمل غير المُمدَّى المشار إليه قبل اسطر. هذا ناهيك عن انهم يستفيدون من مختلف الخدمات التي تقدمها الدولة.

سنحصر الإجابة في جوهر وجود الكيان نفسه بما هو جزء من مركز النظام الراسمالي العالمي يقوم بدور مرسوم وقابل للتوسيع وإعادة الدراسة. فالكيان الصهيوني استثمار استراتيجي للإمبريالية. ليس مشروعاً مجدٍ اقتصادياً إذا ما قورنت كلفته بنفقاته لا سيما بحساب الاقتصاد التقليدي واقتصاد الموديلات الرياضية. إلا أن مردوده هو غير مباشر وعلى المدى الطويل. فالاستثمار في وجود الكيان ودعمه هو من أجل إبقاء الوطن العربي مفككاً وضعيفاً ومهدور الثروات لصالح المركز الراسمالي المعولم. ولذا أنفقت عليه أميركا وألمانيا وحدهما حتى عام 2008 ما قيمته 135 مليار دولار. فالعائد من دور هذا الكيان على درجة عالية من التعاظم، ولكن ليس مباشرة.

وإلى جانب كونه استثماراً استراتيجياً للإمبريالية فهو كذلك محط دعم وتبرعات من يهود العالم ولا سيما الذين في الولايات المتحدة حيث يقارب عددهم عدد يهود الكيان، بينما إمكاناتهم أو حصتهم المالية هائلة تتجاوز نسبتهم العددية في الولايات المتحدة.

بهذا المعنى، فإن لدى الكيان سيولة مالية هائلة تغطي كلفة دوره بما فيه مؤسسة الجاسوسية. صحيح أن هذه المعادلة غير علمية إقتصادياً ولكنها صحيحة سياسياً، وخاصة أن هذا الكيان يخدم بالمعنى الاستراتيجي. وكثيراً ما تدفع الإمبريالية أموالاً لتعميق الغزو الثقافي والعلمي والأكاديمي وهي اموال لا تؤتي أُكُلها سريعاً ولا بشكل علني.


[1] يتضح هذا في استخدام العمال الفلسطينين في أماكن الإسرائيليين اثناء وبموجب انتقالات الاقتصاد الصهيوني من الزراعة إلى الصناعة التقليدية إلى الصناعات البتروكيميائية والإلكترونية والعسكرية المتقدمة مما استوجب ملءى الشواغر الدنيا في  شواغر قطاع العمل الأسود

Adel Samara, The Political Economy of the West bank 1967-1987: From Peripheralization to Development, Khamsin Publications (London) , and al-Mashriq Publications for Economic and Development Studies, Jerusalem 1988, Chapter 5 pp 116-130.

[2] قد يتساءل البعض ولماذا لم يتم فتح مجالات عمل لهؤلاء داخل الqtة والقطاع؟ هذا كان شبه مستحيل ما قبل أوسلو لأن تراخيص الأعمال كانت بيد الاحتلال، أما بعد اوسلو، فلم تضع سلطة الحكم الذاتي خطة تشغيل ولا نقول تنمية بل فتحت ايواب التوظيف البيروقراطي غير المنتج ولكنه توظيف ممول من المانحين، ولهذا تساؤلات وإجابات في موضع آخر.  من جهة ثانية نص اتفاق باريس الاقتصادي على تشغيل 100 ألف عامل فلسطيني في اقتصاد الاحتلال، بمعنى أو جوهر الأمر بقي وارداً ولكن الاحتلال قلصهم إلى قرابة 30 الفاً كما أن سلطة الحكم الذاتي لم تقم بفتح مجالات تشغيل.

[3] Adel Samara, The Political Economy of the West bank 1967-1987: From Peripheralization to Development, Khamsin Publications (London) , and al-Mashriq Publications for Economic and Development Studies, Jerusalem 1988, Chapter 5 pp 116-130.

[4] لقد حذرت باكراً من أن الاحتلال سوف يطرد عمالنا في كتابي : من احتجاز التطور إلى الحماية الشعبية منشورات دار السوار عكا 1988 ودار كنعان في دمشق 1989.

[5] يفتح هذا الحديث على عنوان كتبت عنه مرات كثيرة متمنياً لو يقوم أحد بالعمل عليه وهو : دور القطريات العربية في بناء الكيان، وهذه المرة ديمغرافياً ناهيك عن مستويات اخرى.

[6] عادل سمارة، الاقتصاد السياسي للصهيونية: المعجزة والوظيفية 2008 ص 18.

[7] يمكن لمس هذه الظاهرة في الضفة الغربية كذلك حيث جرى طمس المشروع المقاوِم وتم اختلاق نمط حياة استهلاكي دون إنتاج، نمط حياة يعتاش على تحويلات المانحين مجسدة في ريع مالي لمواقف سياسية. أليست مفارقة نادرة أن يكون تشابه وتوازي “بطر” المستعمِر والمستعمَر؟

[8] نيزعم هاردت ونيجري في كتابيهما (الإمبراطورية) و (الخليط) بأن العمل الزراعي والصناعي كعمل منتج للمنتجات المادية قارب الأفول، وبأن العمل اليوم لا يقوم على تناقض قوى وعلاقات الإنتاج ولا يتم تسخيره استغلالا لقوة العمل أو بالقيمة التبادلية وبأن العالم اليوم على ابواب إدارة وتنظيم نفسه ذاتياً اي على ابواب الشيوعية! حديث ما بعد حداثي يثير التساؤل العلمي ويثير كذلك الاستغراب من علماء لم يروا حتى اليوم كيف يتم ذبح امم من أجل القيمة التبادلية.