افغانستان عقدة المنشار الامريكي!

جمال محمد تقي

حرب افغانستان واحدة من اعقد الحروب الطويلة التي خاضتها وتخوضها امريكا عبر تاريخها المليء بالحروب، انها وببساطة حرب سهلة كسهولة رؤية السراب، وممتنعة كامتناع الماء عنه!

منذ تسع سنوات والحال يشير الى تضائل الامال بتحقيق اي تقدم يذكر، بل هناك تقدم معاكس تحققه حركة المقاومة الوطنية الافغانية المتمثلة بطالبان والحزب الاسلامي، تتزايد معدلاته بتزايد المراهنة الامريكية على الحسم المستحيل، معالم الهزيمة الامريكية مجسمة لا محال والتدارك الاوبامي قد جاء متأخرا وليس له اثر حاسم، بالرغم من حالة الاستنفار الامريكي لحشد الحشود هناك، وتوسل حكومة الدمى بقيادة كرزاي لحلول وسط ترفضها طالبان، اوباما يريد الهروب الى الامام في تاكيده على ضرورة جدولة الانسحاب الامريكي ليكون اطارا عاما للتفاصيل الميدانية وباي اتجاه كانت.

حروب امريكا الطويلة، هي تلك الحروب الاحتلالية التي تخوضها لتحقيق اهداف حيوية تتعلق باستراتيجيتها لزعامة العالم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، تمييزا لها عن الحروب الامريكية الخاطفة والتي عادة ما تحصل في شعاب حديقتها الخلفية، كما حصل مع جمهوريات الموز، و دويلات الجزر في الباهاما وجامايكا وهايتي وجرينادا، اوكما حصل مع بعض دول امريكا الوسطى الصغيرة مثل بنما وايضا مع بعض جزر المحيط الاطلسي المحيطة بالكاريبي نفسه.

حرب فيتنام كانت نموذج بكل الابعاد لهذا الصنف من الحروب الامريكية في زمن صراع القطبين، وحربي افغانستان والعراق نموذجين ماثلين لتلك الحروب في زمن القطب الواحد!

تسع سنوات وحرب افغانستان متواصلة والى اجل غير مسمى، وهي حرب اتفقت على ضرورتها ادارتا بوش واوباما، بعكس حرب العراق التي اختلفت الادارتان على تقييم ضرورتها وحجم المردودات العكسية لها، فخلال الخمس سنوات الاولى لحرب العراق داخت امريكا في بحثها عن المخارج الامنة، حتى اهتدت الى برمجة مفردات نهايتها باطار زمني منظور لتلافي الهزيمة المحققة من جهة، وايضا للخروج بماء الوجه وبأقل الخسائر الممكنة، الى جانب التركيز على المراوغة في تحقيق مكاسب بعيدة ومتوسطة المدى، وذلك بالاستفادة من تجاذبات الجوار العراقي الصابة بمصلحتها، وايضا من ذاتيات حلفائهم المحليين المناهضين للوطنية العراقية الداعية لاستعادة العراق المفقود، من بين الاغبرة المشعة المثارة بهوجة الاستباق الامريكي الكبيرة، وبما حملته من حروب صغيرة مفتعلة اشعلها تجارالطوائف والاعراق من حلفاء الامريكان فيه.

افغانستان بالنسبة للحروب الاحتلالية الطويلة تشبه مثلث برمودا، فالداخل اليه لا يخرج منه حيا، وان خرج فلن يكون كما دخل، هكذا كان الامر بالنسبة للاسكندر المقدوني ـ ذي القرنين ـ كما كان بالنسبة للبريطانيين فيما بعد، وكذلك بالنسبة للروس، وكما هو واقع الحال بالنسبة للامريكان والناتو، ولان الشيء بالشيء يذكر، فسنذكر هنا، واقعة تاريخية مازالت العسكرية الانكليزية تتلمس رقبتها عندما يأتي قراء تاريخ الحملات البريطانية عليها، عام 1879 وعلى ضفاف نهر هلمند ذبح جحفل بريطاني مكون من 1000 جندي ولم ينجو منه الا جندي وحيد اسره المقاومون الافغان وتركوه ليخبر القيادة العسكرية بمصير جحفلهم مع تفاصيل المذبحة الرهيبة، كجزء من الحرب النفسية التي اتقنها الافغان مبكرا، وبالمناسبة فان توني بلير قد ذهب الى نفس مكان تلك الواقعة ـ على ضفاف نهر هلمند ـ بعد عام 2001 وخطب بالجحافل البريطانية التي تشارك الامريكان احتلالهم لافغانستان قائلا : مصير العالم يقرر على هذه الارض، وكانه يربط بين احتلال الامس واحتلال اليوم مستبشرا بان الحرب لم تنتهي منذ 1879 وحتى وقفته تلك.

اخر اخبار افغانستان اتت من عاصمة الاقليم ذاته ـ هلمند ـ جندي افغاني يقتل ثلاثة جنود بريطانيين ويجرح اثنين، جدة الخبر تكمن في حقيقة ان طالبان ليست وحدها عدوة مقاتلة للتواجد الاحتلالي في البلاد، انما الخطر قد يأتي حتى من الجنود الحكوميين الافغان انفسهم، وهذا ما يزيد من المأزق البريطاني الذي يخاطر بحياة 9 الاف جندي في هلمند، ناهيك عن حياة اكثر من مئة الف جندي امريكي ينتشرون بحذر هنا وهناك ولا يعرفون متى تنتهي تلك المهمة المستحيلة.

اوباما يقيل الجنرال ستنالي ماكريستال قائد قوات الحلف الاطلسي في افغانستان، نتيجة لتصريحاته الصحفية التي انتقد فيها الخطط الحربية المنفذة في افغانستان، وسخر فيها من الاستراتيجية القائمة على زيادة عدد القوات والضربات الجوية العمياء من دون طائل، لانها تعني على فقدان زمام المبادرة وعلى انه لا حل عسكري ممكن مع عدو شبحي، وبمعنى اخر ان الحل الوحيد المتاح هو تنظيم عملية الانسحاب مع تقديم المساعدات للحكومة القائمة وتدريب الجيش الافغاني وتشجيع عملية المصالحة الوطنية!

ويبدو ان الامر اخطر من ذلك، فهذا القائد يشعر بفقدان المصداقية في تحديد اهداف تلك الحرب المؤيدة عمليا من اغلب بلدان الغرب والتي يشترك بها الناتو بفعالية وتلقى دعما من الامم المتحدة، اي العكس تماما من حالة حرب العراق، مما يعني ان الهزيمة قائمة فعليا في افغانستان لان 9 اعوام من الدك لم تفضي الا لتزايد قوة طالبان وفشل مساعي الدمى الافغانية لافغنة الحرب، وعندما تتغير اهداف المهاجمين نتيجة صلابة المدافعين فليس للامر معنى اخر غير الهزيمة غير المعلنة، وعليه فان القائد ماكريستال لم يرد لنفسه ان يكون قائدا ميدانيا ينطبق عليه وصف المهزوم فقال ماقال كي ينسحب من معركة هو اعرف من غيره بانها خاسرة لا محال.

الازمة الاقتصادية النوعية والمتزامنة مع ازمة سياسية عامة تخص مكانة امريكا امام نفسها وامام العالم وتداعيات الحرب الافغانية والعراقية ستجعل من العسير على امريكا مستقبلا القيام بحروب احتلالية طويلة، على الرغم من انها ما زالت تتزعم العالم عسكريا واقتصاديا، اي على الرغم من انها مازالت القطب الاوحد، وعلى اهمية القوى الصاعدة كالصين وروسيا والهند والبرازيل، فان زيادة اسهم هذه الدول وتشبيك نموها بنظام العولمة المالي الامريكي يكبح على المدى القريب والمتوسط من امكانية تحولات دراماتيكية في خرائط القوة والنفوذ العالميين ـ في مؤتمر تورنتو الاخير جرى الاتفاق على منح الدول الصاعدة 5 بالمئة من القوة التصويتية في مجالسي النقد والبنك الدوليين ـ لا تغيير جوهري في مكانة امريكا ما دامت هذه الدول تتعاشق مع منظومة العولمة الامريكية وتفاوت التطور بين هذه البلدان مازال عنصر قوة لامريكا نفسها في عملية التسيد، وعليه فان حرب افغانستان ستكون نهاية لهذا النوع امريكيا، لان امريكا ذاتها ستتكيف مع التداعيات وبالتالي ستعطي للناتو ما كانت هي تضطلع به ولكن تحت قيادتها ومن دون احتلال مباشر، وانما تعويضه بالتركيز على ضربات الترويع والصدمة ومن دون اهداف استباقية.

الباحث الامريكي ومؤلف كتاب ـ عالم مابعد امريكا وتغير القوى العالمية ـ فريد زكريا يتوقع ان تنحو امريكا الى منحى اخر يجعلها لا تدخل حروبا منفردة، وستعتمد على ثلاثي صندوق النقد وحلف الناتو ومجلس الامن كأذرع تساعد على تحقيق ما ترمي اليه، ومن دون حروب احتلالية، وان اجبرت فانها لن تدخل حربا الا بشراكة هذا المثلث، او بالاعتماد على حروب بالوكالة، تجند لها دول جاهزة لهكذا مهمات اقليمية كما في حالة اسرائيل بالنسبة للشرق الاوسط، واثيوبيا بالنسبة للصومال، وربما كوريا الجنوبية واليابان لمواجهة كوريا الشمالية!

كابوس افغانستان سيجعل الامريكان يحسبون الف حساب قبل الاقدام على اي عمل حربي احتلالي طويل الامد، ولم يعد من باب التكهن معرفة النتيجة المخزية لتلك الحرب التي ستكون متظافرة في نتائجها مع نتائج حرب العراق، لزيادة وتيرة الانحدار الامريكي الى حيث السقوط في الهاوية. الامبراطوريات تتقزم وتنهارعندما تدخل حيزا كالمتاهة ليس له مداخل ومخارج مألوفة!