مواطنون ناقصون: وكلاء للدفاع عن اسرائيل؟

ليلى نقولا الرحباني

أدى تهاوي شبكة العملاء الاسرائيليين الى كشف العديد من الحقائق المفجعة عن حجم الاختراق الاسرائيلي للبنان، فظهر أن في لبنان طائفة جديدة يمكن أن يطلق عليها اسم طائفة العملاء. وتبدو التسمية طبيعية، إذ اعتاد اللبنانيون منح ولائهم لطائفتهم بدل منحها للدولة والوطن، ومن هنا نشأت جذور استسهال الخيانة وازدواجية الولاء، فتحولت مع الوقت ومع تراخي سلطة الدولة، ومع التصريحات السياسية التي انطلقت بشدة بعد اغتيال رفيق الحريري، والتي أطلقت على اسرائيل صفة “الجار”، وأعلنت أنها لم تعد عدوًا بل سوريا هي العدو…تحولت الى خيانة موصوفة وعمالة للعدو.

المؤسف أنه خلال عمر لبنان منذ الاستقلال الى اليوم، لم تتشكل ظروف مؤاتية تسمح ببناء المواطنية الصحيحة التامة التي تسهل بناء دولة الحق، وتوفر على الدولة والشعب الكثير من الصراعات، وتؤدي الى تفكيك وعزل الجماعات القادرة على الصدام مع الدولة من أجل تقويضها وتهديد سيادتها ووحدتها، أو الساعية الى التصادم فيما بينها وخرق الأمن والسلام الوطني والاجتماعي.

والاهم من ذلك كله هو تشكل شعور لدى الفرد-المواطن بالانتماء المباشر والولاء للدولة، مما يحفزه على الدفاع والتضحية في سبيل أي شأن يعينها في أي مكان وزمان، فيصبح الاهتمام مزودجاً وعلى خطين: الدولة تقوم بواجباتها تجاه مواطنيها وتحفظ حقوقهم، والمواطن بالتالي يسهم في حماية الدولة واستمراريتها ومنحها حقوقها بكل طواعية.

إنها المواطنية الناقصة لدى بعض اللبنانيين، التي شكّلت لهم بيئة مؤاتية للتعامل او الغدر بالوطن والدولة، فالمواطن التام- بعكس الناقص- يشعر أن مصيره مرتبط بدولته، وعزتها ووحدتها، ويجعله يؤمن أن التباين السياسي الداخلي، هو مجرد خلاف على وجهات نظر سياسية لا تبيح الدفاع عن العدو او منحه حصانة تجاه اتهام باغتيال أو تدبير فتنة أو سواها.

المناسبة لهذا الطرح يرتبط بحدث هام لبنانيًا وعربيًا هو المؤتمر الصحفي للسيد نصرالله أمس الاثنين، الذي خرج بمعطيات جديدة تخص قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وبلا شك لا يمكن ان يفصل المؤتمر الصحفي الأخير عن سلسلة الخطابات والمؤتمرات التي عقدها السيد نصرالله خلال الآونة الأخيرة، والتي تدرّج فيها للوصول الى عرض المعطيات الجديدة – القديمة التي تكشف لأول مرة.

وعلى ما يبدو، ومن خلال التلميحات وعدم الاجابة على بعض الاسئلة التي طرحها الصحفيون، يظهر ان السيد نصرالله لم يكشف كل ما في جعبة المقاومة من معلومات ومعطيات، والتي لو كشفها لحصل زلزال آخر في لبنان بسبب الاسماء التي كان يمكن أن يكشفها والتورط الذي يمكن أن تكون بعض الجهات اللبنانية قد غرقت فيه. فلم يكشف السيد مثلاً لماذا بقي ملف العميل غسان الجد بيد الاجهزة الامنية مدة ثلاث سنوات ولم تلقٍ القبض عليه، بل إنه فرّ من لبنان ولم يلق القبض عليه حتى في المطار.

وبالرغم من احترام السيد نصرالله للتهدئة الداخلية، خرج الموالون للرد العنيف بحملة مبرمجة ومنهجية، تتلخص في ادعاء الغباء وعدم الاقتناع بما افاض سماحة السيد نصرالله في تقديمه من معطيات فرضت نفسها على الجميع.

ولكن اللافت أن السيد حسن نصرالله اتهم اسرائيل بالاغتيال، ولم يتهم أي طرف ممن استبسلوا في الدفاع اليوم، فهل من موجب لهؤلاء لهذه الحملة الشرسة، ولماذا عينوا أنفسهم وكلاء للدفاع عن العدو؟

والغريب أن الحملة المواجهة للسيد تتركز على “عدم الاقتناع” بالدلائل المنطقية على امكانية تورط اسرائيلي، وكأن هؤلاء – من حيث يدرون أو لا يدرون- يريدون أن نصدق أنه لا وجود لإمكانية ولو ضئيلة بأن تكون اسرائيل متهمة باغتيال الحريري. هم يرفضون حتى مجرد الشك في هذا العدو واجرامه.

المسيء في الخصام السياسي الداخلي، أن اسرائيل تجد في الداخل اللبناني بعضًا من الساسة الذين أعماهم حقدهم على شريكهم الداخلي يتبرعون بالدفاع حتى ليبدو دفاعهم تنزيهًا لاسرائيل عن ارتكاب الاغتيالات.

إنها بالفعل المواطنية الناقصة، حيث يتحول خصام سياسي مشروع داخليًا – بشكل قد يكون مقصودًا أو غير مقصود، الى دفاع عن العدو وتنزيه له من أجل اتهام طرف داخلي ظلمًا وعدوانًا.

:::::

مدونة الكاتبة:

http://leilanrahbany.blogspot.com