إعادة بناء البلد حلقة 12: إستثمر الغرب الرأسمالي الانتفاضة

فانتقلت “راية” التمويل إليه

عادل سمارة

بعد تجربة عقدين من الزمن على مشروع “مدريد ـ أوسلو” لم يعد هناك من شك، أن خروج المقاومة من لبنان كان بهدف اعتقالها في الأرض المحتلة لإنهاء الظاهرة وتمرير التسوية كتصفية. وهو الأمر الذي تم إخراجه على يد النخبتين السياسية والثقافية الفلسطينيتين على أنه “نقل النضال إلى الداخل”! وهو في حقيقته نقل التفاوض إلى الداخل، اي التفاوض في بطن العدو، في الأسْر! لذا، كان الذين كتبوا وصرحوا وتحدثوا ومارسوا وجوب عدم خروج المقاومة من لبنان، كانوا على حق. لقد بقوا هناك كحلفاء للحركة الوطنية ومن ثم الإسلامية اللبنانية. وها قد اثبتت المقاومة اللبنانية وخاصة الإسلامية أكثر من حقيقة:

· أن المقاومة قادرة إذا كانت جذرية على طرد الاحتلال

· وأن الدولة القُطرية إذا تفككت وتراخت قبضتها، وغابت سلطتها فهي تفتح الطريق للقوى الشعبية كي تنتصر.

إثر خروج معظم المقاومة من لبنان، كان لوزير الخارجية الأميركي جورج شولتس تصريحه الشهير والخطير والذي صار شعاراً: “تحسين شروط المعيشة للفلسطينيين”. هذا الشعار الذي يؤكد الموقف الأميركي المتصهين بأن القضية الفلسطينية قضية لاجئين لا قضية سياسية وطنية/قومية، وبأن التعامل معها هو في إطار الإغاثة وبعض النفقات.

إن قراءة متمعنة لهذه العبارة تفتح بما لا يقبل الشك على مجمل سياسة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من القضية وهي السياسة التي تتلخص في موقف الليكود الذي يتردد على لسان نتنياهو بشكل دائم: “سلام اقتصادي مع الفلسطينيين” . لا أكثر. أي مواصلة الاحتلال ومواصلة إلحاق وتتبيع الاقتصاد الفلسطيني لاقتصاد الاحتلال، وعزل الفلسطينيين عن دخول الأرض المحتلة 1948 والضغط عليهم كي يُزاحوا وينزاحوا إلى الخارج.

هذه السياسة وهي مفهومة تماماً من النخب السياسية والثقافية الفلسطينية المؤيدة لأوسلو تكشف عن أمر أخطر هو قبول هؤلاء بهذا المصير مما يؤكد ما ذهبنا إليه باكراً بأن هذا “السلام” سلام اوسلو هو: “سلام راس المال”. وبالطبع راس المال من درجتين العليا هي الراسمالية الصهيونية والدنيا هي الراسمالية الكمبرادورية الفلسطينية.

ألانتفاضة في مزاد الاستثمار

بقدر ما تكمن الأهمية والدرس التاريخي للانتفاضة الأولى في مجرد حصولها كمبادرة شعبية نقلت نضال النخبة ووسعته إلى نضال الجماهير، تكمن مأساتها في سهولة اختراقها واستثمارها وبالتالي في مصيرها. لقد كان كعب أخيل الانتفاضة في قابليتها للاستثمار من قبل مختلف الأطراف.

كان الاستثمار الأول من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي اعتادت وعودت مجمل بنية هذه المنظمة على تلقي الأموال المسمومة بمعنى أن حصول المنظمة على أموال سهلة كان مقصود به تجذير الرشى والفساد والارتزاق في بنية منظمة التحرير الفلسطينية أي اختراقها بالمال لتكون النتيجة انتفاخات بيروقراطية وأعلامية على حساب النضال الحقيقي مجتمعيا وقتالياً.

قد لا تحتوي نصوص ولا ديباجة أوسلو على السبب الحقيقي لقبول قيادة منظمة التحرير بها، بما هي أي أوسلو اقتسام الوطن مع العدو من طراز اقتصاد التساقط Trickle-down Economy. وليست عادة الارتزاق هي وحدها المقبِّل الرئيسي لإلتهام اتفاق أوسلو بقدر ما هو أساساً وصول القيادة إلى قناعتها بأنها أعجز من حمل مشروع التحرير. وإذا ناقشنا هذا الشعور، بل القناعة، على ضوء انحصار المنظمة في تونس بعد عام 1982، واشتعال الانتفاضة فقد شعرت القيادة أنها على شفير الإفلاس المزدوج:

· إفلاس سياسي بمعنى أن الانتفاضة، بما هي مبادرة شعبية، يمكن أن تخلق قيادتها الخاصة بما يُخرجها من قيادة المنظمة ويقود إلى خروجها على هذه القيادة.

· والإفلاس المالي للمنظمة ايضاً .

من هنا نعتقد أن الاتفاق الحقيقي لأوسلو هو أن يُؤتى بالقيادة ومعها جزء من بنيتها الهرمية إلى الأرض المحتلة على أن تلتزم بما أتى، بعد ذلك، في اتفاقات أوسلو بمعنى أن هذا الاتفاق لم ينص على حق العودة والسيادة والدولة والاستقلال والتنمية. ورغم أن أحداً لم يكتب ولم يقل أن هذا الإتيان هو تقزيم حق العودة إلى عودة القيادة وكوادرها، إلا أن هذه حقيقة الأمر. فقد اشتمل أوسلو على الاعتراف بالكيان ولم يشتمل على حق العودة ولا حتى على دولة فلسطينية. وعليه تصاغر مشروع الوطن إلى أجزاء من الضفة والقطاع، والعودة إلى عودة بضعة عشرات من الآلاف، والسيادة إلى حكم ذاتي…الخ. وبدأ الشغل الحقيقي على اختصار القضية في هذه الصورة دون إعلان ذلك ولكن العمل على تطبيقه كان على قدم وساق ولا يزال.

ولذا ما أن أتت قيادة وكوادر هذه المنظمة إلى الضفة والقطاع في أعقاب أوسلو حتى كانوا معتادين على مال الفساد والإفساد والمال السياسي بمعنى الحصول على تمويل تعييشي كبديل للعمل والإنتاج، الحصول إذن على ريع مالي مقابل تنازلات سياسية تاريخية، وهو المال الذي اصبح متوفراً بقصد وبغزارة من قبل ما تسمى الدول المانحة.

كان تلمُّس هذه الظاهرة سهلا وممكناً منذ بداية الانتفاضة حيث تدفقت أموال المانحين وبشكل خاص عبر منظمات الأنجزة التابعة لكل دولة منها ( دوائر وكالات التنمية لما وراء البحار ODA )، ولاحقاً عبر مؤسسات ثقافية مرتبطة مباشرة بالقنصليات والسفارات الأجنبية. ولم يكن هذا معزولاً قط عن القاعدة التي أرساها وزير الخارجية الأميركي جورج شولتس: “تحسين شروط معيشة الفلسطينيين” والتي جوهرها التعاطي مع القضية الفلسطينية كقضية إحسان وقضية إنسانية لا سياسية وقومية.

كانت، كما اشرنا في غير موقع وموضع، الناقلة الضرورية لهذا المشروع التصفوي جاهزة منذ عقود خارج الوطن لتأتي مع اوسلو وتنفذه داخل الوطن المحتل. وهي بالطبع مكونة بشكل خاص من النخبتين/القشرتين السياسية القيادية والثقافية ومتقاطعة مع النخبة/القشرة الكمبرادورية المحلية.

كان الغرب الرأسمالي قد أنشأ الشبكة المالية الإدارية لتسييل الريع المالي في بنية الضفة والقطاع المحتلين وذلك عبر شبكة منظمات غير حكومية أجنبية تعمل مباشرة بنفسها أو تفرخ منظمات غير حكومية محلية وكذلك عبر الملحقيات الثقافية في القنصليات الغربية في الأرض المحتلة. وهذا يذكرنا بدرجة أو أخرى بدور القنصليات في فلسطين في العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر التي كانت تحاول التأسيس لدولة مسيحية رسمية في الأرض المقدسة، أما هذه المرة فالهدف هو العمل على تصفية القضية الفلسطينية وابتلاع ما يتبقى من الأرض لصالح الكيان الصهيوني مع إبقاء بقايا الفلسطينيين في منعزلات اجتماعية وثقافية وشبه سياسية إلى أن يرحلوا أو يتسنى مناخ ترحيلهم.

إتخذ التمويل حالة تقسيم عمل بين أطراف التمويل، فقد ركَّزت منظمات الأنجزة على تمويل القوى السياسية اليسارية، واستهدفت هذه الأموال الممهنين والمرأة والمثقفين عامة بالطبع. وبدورها كانت حكومات هذه المنظمات وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الوروبي قد احتوت قيادة منظمة التحرير بالمال لنجد أن هناك بنية محلية جاهزة لاستقبال وتنفيذ مخطط تسووي تصفوي خطير وإنما ناعماً بل يبدو حتى بثوب إنساني، وهو تمويل “حياة” وليس تمويل تنمية مجتمع المناطق المحتلة الفلسطيني!!

أما وقد تم غمر الجميع بالتمويل على اساس ريعي فقد انتهت الحالة في الأرض المحتلة إلى انسداد كفاحي وحتى متخيَّل لدى الجمهور. لذا هيمنت قيم الاعتقاد بأن هذا البلد لا رزق فيه وأن الخيار إما الرحيل أو الاعتماد على التمويل الأجنبي وهو الأمر الذي برر للكثيرين التموُّل العلني.

لقد تفككت القيم المألوفة في مختلف المجتمعات الطبيعية بدءاً من مقولة ماركس “كل مجتمع لديه من الثروة ما يكفيه”، انتهاء إلى المحاججة بأنه من المستحيل العيش بدو المساعدات، وذلك بمباعدة مقصودة أو حتى غير واعية عن حقيقة أن المال الريعي والعائدات غير المنظورة توفر مستوى عالٍ من الدخل مما يدفع إلى مستوىً أعلى من الاستهلاك وهذا ما يخلق الشعور ومن ثم القناعة بأن لم يعد بوسع المرء العودة للوضع المعيشي الذي كان عليه سابقاً. هذا مع ان ما تغير ليس ثقافة ولا كفاءة ولا قدرات الإنسان، وإنما الذي تغير هو الكم النقودي الذي تدفق غلى جيبهم فأصبح مُقاداً بالمال وليس بالقيم والواجبات الكفاحية.