التحقيق في اغتيال الحريري: بين الظن الوهمي وبناء اتجاه تحقيق جدي

العميد د. أمين محمد حطيط

في المعتمد من السلوك للبحث عن الجاني لدى جريمة تقع، ان يعمل المحقق باحثاً في كل الاتجاهات دون ان يهمل أحدها ويكون سعيه البحثي اشبه بالدوائر التي ترتسم على سطح ماء راكد ألقي فيه حجر، أي بمعنى آخر اجراء مسح لكل السطح من غير تركيز او تفضيل لوجهة على اخرى، هذا في البداية. وبعدها يعمد الى بناء الاتجاهات المهمة في التحقيق وتمييزها عن سواها فيركز على الجدي ويهمل الآخر. فيكون جديا في الاتجاه الذي تتوفر فيه الاجابات الايجابية على اسئلة اهمها:
– المصلحة واحتمال تشكل النية الجرمية،
– الامكانات والقدرات التنفيذية اللازمة لارتكاب الجريمة،
– خيوط الأعمال التحضيرية،
– عناصر في الاعمال التنفيذية .

كل هذه الامور يجب أن تقود الى بناء اتجاه جدي للتحقيق، لكن توفرها، لا يعني الوصول الحتمي الى الجاني، بل يبقى الامر رهنا بما يكشفه التحقيق اثناء السير به، تعزيزا لهذه النقطة او تلك ثم تكاملاً لنتائج البحث في كل النقاط، وعلى هذا كان التمييز الكبير في العمل الامني – القضائي بين قرار اتهامي او ظني (بحسب توصيف الجريمة جناية اوجنحة)، وبين بناء اتجاه جدي للتحقيق فيها، حيث ان الاول لا يكون الا بعد السير في الثاني بجدية وموضوعية ومهنية، توصل الى معرفة الحقيقة .

وفي التحقيق في جريمة اغتيال رفيق الحريري، لوحظت مهنية في البدء، اظهرها من تولى التحقيق من اللبنانيين، فاكتشف عبرها اكثر من معطى يفيد بناء اتجاهات جدية في التحقيق، لكن الأمر تغيّر بعد ان انتقلت الصلاحية في الامر الى اليد الدولية . حيث سجل في السلوك العام خرق للقواعد التي تعتمد في المألوف، وسجل هذا من خلال بدعة “الاتهام السياسي” التي قادت الى اعتبار سورية هي المرتكب للجريمة، وبدل ان يبحث عن الجاني من خلال ما يتوفر له من ادلة وقرائن، انقلب الحال الى بحث عن ادلة تدين من عُيّن من قبل المحقق انه جاني، هذا السلوك قاد الى اهمال كل الاتجاهات الاخرى وحمل صاحبه في ظل غياب الادلة لاختراع وتصنيع ادلة مزورة، ما انتج منظومة شهود الزور وملقنيهم ومموليهم، في المنظومة التي لم تستطع ان تصل الى نتيجة، فسقطت وسقط معها “الجاني المعين زورا” من قبل المحقق، وكان الأخير مضطراً للسير في اتجاه آخر .

هنا، وبدل ان يستفيد المحقق الدولي من تجربة فاشلة ومكلفة، على كل الصعد، ليس اقلها الاطاحة بصدقية التحقيق، وتاليا المحكمة الخاصة بلبنان، عاد فارتكب الخطأ نفسه، فعين جانياً جديداً، وراح يبحث عن ادلة لادانته، لكن وضعه هنا كان واهناً اكثر من المرة الاولى، حيث انه لم يستطع اعادة بناء منظومة شهود زور جديدة تخدم اهدافه، واكتفى من الامر بواحد فقط يستعمل اعلامياً دون ان تكون هناك قدرة على الركون اليه قضائياً، بعد ان أعلن من قبل المحقق نفسه كذبه، وسقطت مصداقيته بشكل مطلق . ولان الجهة الجديدة المتهمة استفادت من تجربة الماضي، ولأنها تملك الحرص التام على أمن البلد والحقيقة، فقد حاولت ان تلفت اكثر من مرة الى خطورة العمل بشكل سياسي في التحقيق، بعيداً عن الاحتراف المهني، لان في ذلك طمساً للحقيقة، وتبرئة للجاني الحقيقي. وفي المقابل، استمر المحقق الدولي على سلوكه، وتنفيذ ما يطلب منه من الجهات الدولية الراعية للمحكمة، والتي جاءت بها في الأصل لتحقيق غايات سياسية، بعد عجزها عن تنفيذ القرار 1559 بالوسائل السلمية والسياسية . ومع هذا الاصرار، كان على العاقل ان يظن اوحتى يعتقد، بان تلك الجهات مع محققها يعرفون الجاني الحقيقي، ويرفضون القيام بتحقيق جدي حتى لا يكتشف، وهنا كان السؤال الكبير، من هي الجهة التي تملك هذه القدرة على التحكم بكل شيء – قرار بعض الداخل اللبناني، فضلاً عن قرار المحكمة الدولية، سوى اميركا وتابعتها “إسرائيل”؟ امتلاك ما كان ليحصل لولا قتل الحريري؟ الاجابة على هذا السؤال حددت بوضوح “إسرائيل” كمستفيد مباشر من الجريمة وطبعاً أميركا .

مع هذه الاجابة، تشكّل عنصر جزئي من العناصر الأربعة للبدء ببناء اتجاه في التحقيق، وكان لا بد من طرح باقي الاسئلة: هل “لاسرائيل” مصلحة في قتل الحريري؟ وبصرف النظر عن حجم الرجل دوليا وسياسياً ومالياً الى الحد الذي قد يقال فيه، انه حتى ولو توفرت المصلحة، فان “اسرائيل” لن تجرؤ على التفكير بذلك، فاننا نجد ان السيد نصرالله في مؤتمره الصحافي قدم دليلا موثقاً على بذرة النية الاجرامية “لاسرائيل” في قتل الحريري وإلصاق تهمة القتل بحزب الله، لان مصلحتها تكمن في فتنة سنية شيعية تلهي المقاومة عن قتالها، وصولاً الى اغراقها في الوحول الداخلية وتصفيتها… إذن المصلحة والنية الجرمية متحققتان… نأتي الى العنصر الآخر المتعلق بالامكانات، وهنا لا نبذل الجهد الكبير للوصول الى اجابة ايجابية حول امتلاك “اسرائيل” القدرات المتنوعة لارتكاب االجريمة، ومع ذلك قدم السيد نصرالله من القرائن ما يقطع بذلك، وهولم يكن بحاجة الى الأمر، لكنه فعل من باب إلقاء الحجة .

أما عن خيوط الاعمال التحضيرية، فان تقديم الصور الجوية التي التقطتها الطائرات “الاسرائيلية” بدون طيار، والتي اعترضت موجات بثها أجهزة المقاومة في عمل تقني حرفي عالي المستوى. ان تقديم هذه الصور، أظهر بشكل قاطع المواظبة على استطلاع محاور تنقل رفيق الحريري، وأماكن سكنه واستجمامه، وهذا الامر يعتبر كافياً للقول بتوفر خيوط في المسألة التحضيرية.

وفي الموضوع الاخير، اي وجود خيوط في التنفيذ، نرى ان حضور العميل “الاسرائيلي” غسان الجد في مسرح الجريمة قبل يوم من وقوعها، وتعطيل البث في شبكات الخلوي، قبل واثناء وقوع الجريمة، ثم ظهور عملاء “لاسرائيل” داخل شبكات الخلوي في لبنان، مع اهمال القبض على غسان الجد، اثناء فترة الحكم الاميركي المباشر المطلق للبنان، ثم تسهيل هربه واخفائه، بعد تغيير الوضع السياسي، كلها تشكل خطوطاً هامة في المسألة التنفيذية وتخدم المسألة التحضيرية، لنصل الى الحسم ببناء اتجاه تحقيق جدي، قد يقود “لاسرائيل” وادانتها، بعد التحقيق بجريمة اغتيال الحريري .

وعلى هذا نقول، ان السيد حسن نصرالله، في مؤتمره الصحافي، قلب الطاولة على المحقق، وعلى من يشكل المظلة السياسية للتحقيق الذي يراد منه تلفيق اتهام لتحقيق غايات سياسية، لقد بنى السيد نصرالله اتجاه تحقيق جدي أهمله المحقق، الى درجة أوصلت معها الامور سابقاً الى السخرية من الشخص الذي كان يسأل لماذا تهمل فرضية “اسرائيل”. وفي كل الأحوال، لا يمكن للمحقق الآن، وبعد ان أعلنت مثل هذه المعطيات ان يتجاهلها، ففي اقل تقدير، عليه ان يأخذ بها ويعمل عليها حتى ولو بذهنية تبرئة “اسرائيل” التي يبدو انها لا زالت ملازمة للتحقيق، ولكن يجب العمل مهما استلزم ذلك من وقت، وعلى المكلف اللبناني ان يدفع المال ايضا وايضا بدل أتعاب في تحقيق يقوم القصد منه على تبرئة من يمكن ان يكون الجاني الحقيقي، وادانة البريء لاحداث فتنة في لبنان… انه الجنون والحماقة ان يدفع المرء بدل اتعاب من يعمل لقتله ..وهنا نسأل، الم يكفهم قتل الحريري، رغم ما كان عليه من شأن، ويريدون الآن قتل وطن بكامله؟؟؟

السؤال هو برسم اللبنانيين، رسميين وغير ذلك… اللبنايين من العقلاء العاملين لوطنهم، اما من سلم أمره للخارج واضحى اداة تنقيذية لديه، فاننا لا نراهن على سمعه ووعيه، فالامر ميؤوس منه مع هؤلاء، لانهم يعرفون أن استمرارهم في مواقعهم، رهن باستمرارهم في خدمة المشروع.

:::::

المصدر: “البناء”، http://www.al-binaa.com