هل أن أمريكا تخوض حروب “إسرائيل” نيابة عنها أم العكس؟

محمود جلبوط

نشرت الصحافة الأمريكية في الآونة الأخيرة مذكرة لموظفين سابقين في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA موجهة إلى الرئيس الأمريكي أوباما عبّروا له فيها عن خشيتهم من أن يجرّ أي هجوم عسكري “إسرائيلي ” مسبق على إيران، ربما الشهر الجاري، المنطقة إلى إشعال حرب شاملة لا تحمد عقباها، ومن بين هؤلاء : الموظفان السابقان Phil Giraldi (20 سنة خدمة في الوكالة) و Ray McGovern (30 سنة خدمة في الوكالة) المشهوران بمنشوراتهما الناقدة للإدارة الأمريكية.

قال هؤلاء في المذكرة بأنه من الممكن، أن يضع القادة “الإسرائيليون” إدارة الرئيس الأمريكي أوباما تحت الأمر الواقع، كما زعموا، من خلال شنّهم هجوما مباغتا على إيران من طرف واحد في ظلّ تململ هذه الإدارة، من وجهة نظر “إسرائيل”، بإتباعها “سياسة التريُث”، وبالتالي سيكون عندئذ من العسير سياسيا على إدارة أوباما، بعد أن تكون “الفاس قد وقعت بالراس”، أن تترك “إسرائيل” وحدها تواجه جزاء ما أوكتا يداها، غير عابئة بمخاطر اتساع هذه الحرب أو بشدة اشتعالها مادامت تملك القوة التدميرية الأكبر بالعالم، وبالتالي ستكون القوات الأمريكية في هذه الحال مجبرة للدخول في معركة لا مناص منها وتقديم كل أنواع الدعم العسكري اللازم “لإسرائيل”، أي أن أمريكا ستتورط في حرب أقحمتها فيها “إسرائيل” غصبا !!!

فهل يعقل هذا الكلام؟!

يقول المثل الشعبي : “مجنون يحكي وعاقل يسمع !!” ويقول مثل شعبي آخر : “جدي ما بيلعب بعقل تيس” أو أنّه من الممكن للجدي (إسرائيل ) هذه المرة أن يلعب بعقل التيس (أمريكا)؟.

من منطلق هذه الذهنية لا ينسى هؤلاء الموظفون السابقون في وكالة المخابرات المركزية أن يشيروا إلى موقف الأغلبية المؤيدة لإسرائيل في مجلسي النواب والشيوخ في كل ما تقوم به وخاصة أن هذا العام هو عام انتخابات برلمانية، ولا يغيب عن بال أحد في العالم حاجة هؤلاء النواب للمال الصهيوني وأصوات لوبيه لأنه ستجرى في تشرين الثاني المقبل انتخاب لكامل أعضاء مجلس النواب ولثلث أعضاء مجلس الشيوخ، هل من الممكن إذا أن يتنازل قادة “إسرائيل”، وحسب خبرتهم المتوارثة، عن استثمار حاجة النواب للمال الصهيوني وبالتالي تبعيتهم لخدمة مصالحه في دعم “إسرائيل” دون حدود؟

ثم أردف هؤلاء الموظفون السابقون بأنه “لا يمكن وقف خطر الحرب القادمة التي تنوي إسرائيل شنها على إيران إلاّ من خلال تحذير واضح وسريع وحاد اللهجة من قبل أوباما لإسرائيل بالإقلاع عن فكرتها بتنفيذ ضربة وقائية”، وأوصوا الرئيس ” بتحميل رئيس هيئة الأركان العسكرية الأمريكية مايكل مولين رسالة شفوية لإسرائيل بهذا المعنى نظرا لأن التوترات المتراكمة في الخليج العربي تحتم التصرف السريع لاتخاذ الاحتياطات اللازمة ضد حوادث من هذا النوع ناتجة عن سوء تقدير أو استفزازات تحت ذرائع مزورة تؤدي إلى مواجهات عسكرية غير مرغوب بها “، وينبغي بدلا من قرع طبول الحرب العزيزة على قلوب الصهاينة ” التوجه لإنشاء اتصالات مباشرة ذات جدوى بين واشنطن وطهران تزيل التوتر وتعيد إحياء المبادرات الدبلوماسية “.

في مقابلة هكذا سذاجة نطرح سؤالا ساذجا أيضا هو التالي : هل كان وراء دعوة نابليون بونابرت أثناء حملته على مصر وفلسطين عام 1798 في حينه لوبي يهودي أو صهيوني عندما دعا يهود أوربا أثناء حصاره لعكا لمؤازرته والقدوم إلى فلسطين ليقيم لهم دولة بين عكا والإسكندرية قبل أن يختنق مشروعه عند أسوار عكا و فشل حملته لأسباب لا يتسع صدر المقالة لذكرها لتلتقطه بريطانيا فيما بعد وتنفذه على أرض فلسطين أثناء استعمارها لها مطلع القرن العشرين؟ وحتى هذه هل كانت لسواد عيون اليهود أم نظرا لأهمية موقع فلسطين الجغرافي المميز في قلب الوطن العربي والذي يربط بين القارة الآسيوية والأفريقية، وإطلالتها على البحر الأبيض المتوسط وموانئها الكبيرة كميناء حيفا مثلا الذي كانت تخطط لتصدير النفط العراقي منه؟

ينبغي أن لا يغيب عن ذهن هؤلاء وأمثالهم مروّجي المعادلة العكسية في منطقتنا العربية (أي أن أمريكا تخوض حروبها لمصلحة “إسرائيل” وليس العكس) بأن النواب الأمريكيين ممثلي المحافظية الجديدة هم الذين دعوا بلادهم ولخدمة مصالحهم الأمريكية لحض إسرائيل على توجيه ضربة عسكرية لإيران (إشارة إلى مسودة مشروع القرار 1553 الذي قدمه 47 نائب من الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي) وإلى استخدام كل الوسائل المتاحة بما في ذلك القوة النووية ليس ضد إيران وحسب بل ضد لبنان وسوريا، وقد أكّد هؤلاء المحافظون في مشروع قرارهم هذا بأنّ على الولايات المتحدة الأمريكية تقديم ما يلزم من دعم مالي وعسكري وتأمين الغطاء السياسي الذي تحتاجه إسرائيل في المحافل الدولية قبل قيامها بشن هذا الهجوم. بل أن جميع أوساط السياسيين باتت تعلم بما لا ينازع الشك بأن حرب تموز الماضية عام 2006 التي خاضتها ” إسرائيل ” ضد المقاومة اللبنانية ومن ثم حرب غزة عام 2008 ضد المقاومة الفلسطينية جاءت تحت طلب وإلحاح الولايات المتحدة الأمريكية لرغبتها بإنجاب ” شرق أوسط كبير أو جديد “.

لقد تزامن تقديم مسودة المشروع من قبل ممثلي المحافظية الجديدة مع ارتفاع جوقة من الأصوات الصهيونية الأمريكية، تدعو إلى التحضير وبجدية لتوجيه ضربة عسكرية في السنة المقبلة ضد المنشآت النووية الإيرانية، لأن العقوبات من وجهة نظر هؤلاء، حتى ولو نفذت بحذافيرها، لن تؤدي إلى وقف البرنامج النووي الإيراني مستشهدة بتصريحات سابقة لمدير وكالة المخابرات المركزية «CIA» ليون بانيتا الذي أقرّ في حينه بأن العقوبات وحدها لن توقف البرنامج النووي الإيراني.

إن المسئولين السياسيين والعسكريين الصهاينة في أمريكا وفي إسرائيل على حد سواء، ومنذ اندلاع ما سمي ” الأزمة النووية الإيرانية ” يتشدقون وبشكل دائم بالتهديد والوعيد لتنفيذ غارات جوية على إيران وينتقدون التمهل الذي تبديه الإدارة الأمريكية الحالية، وهم على ما يبدو متعجلون لضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية لإدراكهم اقتراب جهوزية محطة بوشهر لانطلاق عملها مع المواد المشعة وذلك وفقا لبيانات روسية إيرانية مؤكدة حول تسليم المحطة للإيرانيين وبنجاح في منتصف شهر أيلول المقبل.

وفي هذا الصدد فإن أكثر المتحمسين لتوجيه الضربة العسكرية الماحقة ضد إيران هو أحد رموز المحافظين الجدد جون بولتون، مندوب أمريكا السابق في الأمم المتحدة. فقد نشر دراسة حول الخطوات المتعين إتباعها لتوسيع دائرة التأييد لتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران والقضاء على أي معارضة أمريكية لذلك، من خلال شرح وإبراز التهديد الذي تمثله إيران على أمريكا تماما كما فعل أثناء التحضير لغزو العراق، ويجري هذا جريا على العادة التي اتبعها المحافظون الجدد منذ هيمنتهم على مقاليد الإدارات في دول المركز الامبريالي في عصر العولمة ألا وهو مبدأ ” الحرب الاستباقية “.

وقد نشرت مجلة التايمز منذ مدة قصيرة مقالا لمعلقها الصحفي الشهير جون كلاين تحت عنوان ” أعيد وضع قرار الهجوم على إيران على الطاولة ” تحدث فيه عن خطط عسكرية جديدة وضعتها القيادة الأمريكية المركزية تستهدف مواقع إيرانية في حال اتخذ قرار بهذا الشأن، كما أشار إلى أن العرب جيران إيران يحضونها على الخيار العسكري ويحثونها على استعجاله (كما فعلوا ضد جمال عبد الناصر وصدام حسين).

مع كل الاحترام للنوايا الصادقة لهؤلاء الموظفين وغيرهم بالغيرة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية كشعب، ومع كل الاحترام لمشاعرهم المعارضة للحرب ونتائجها المدمرة، إلاّ أنه لا يمكن نفي صيغة التضليل والوهم التي تكتنف هكذا آراء وهكذا تعابير احتوت مثيلاتها الكثير من المقالات والمقابلات الصحفية والتلفيزيونية وتصاريح لا تحصى لسياسيين ومسؤولين غربيين وعرب، عن علم أو عن جهالة، دأبت الرأسمالية على صناعتها وغيرها من الأوهام والأضاليل بآلاتها الإعلامية والأيديولوجية كما كنت قد ذكرت في مقالة سابقة ( غيلان رأس المال وصناعة الوهم والخوف والفزاعات ) لتسوّقها فيما بعد لدى هؤلاء وغيرهم من شرائح بيروقراطية لدى الإدارات الرأسمالية ولدى الأوساط الشعبية في دول العالم. فقد قرفنا من الأضلولة المعممة على شريحة واسعة من سياسيينا العرب وحتى ضمن الأوساط الشعبية التي تزعم بأن “إسرائيل هي التي تسيّر أمريكا ” أو خرافة اللوبي اليهودي في أمريكا الذي يرسم سياساتها، أو أن أمريكا تخدم مصالح إسرائيل وتخوض عنها حروبها وليس العكس، تصور يرعاك الله!!

إن الإقرار بدور رأس المال الصهيوني في قوى المحافظية الجديدة التي تهيمن هذه الأيام على الكرتلات المالية العالمية والاحتكارات لا ينبغي أن يتيح لكل ذي عقل الأخذ بالأوهام التي ينتجها الرأسمال العالمي ككل ومن ضمنه الصهيوني والكولونيالي العربي وغيره : من قبيل أوهام كهذه وقلب حقائق أو من قبيل مثيلاتها ك “صراع الأديان” أو ” صراع الحضارات” أو “انبعاث المسيح من جديد ” أو تلك التي يساندها الكثير الكثير من إنتاج العقل ألعرفاني في بنيتنا الفكرية والدينية ( من قبيل المهدي المنتظر والأعور الدجال ذو العين الواحدة، أو الدعوات التي تدعو العرب لأن ” يحطوا ايديهم ورجليهم بمي باردة ” لأنه سيجيء اليوم الذي سينادينا فيه الحجر والشجر أن تعالوا ورائي يهودي مختبئ فاقتلوه)، إن كل هذا ليس سوى خدمة للعدو دون مقابل، ببلاش، في سبيل سوقنا نحو المرعى أو المذبح لا فرق في سبيل مصالح الاحتكارات العالمية عامة ومن ضمنها طبعا المصالح الصهيونية والمصالح الكولونيالية العربية.

إن إنتاج أوهام كتلك ليس سوى نأي وعي المنتجين الحقيقيين والشعوب الفقيرة المضطهدة، ضحايا الاستغلال والحروب، عن الحقيقة الساطعة بأن الصراع الحقيقي الوحيد والموجود على مستوى عالمي ومحرك التاريخ : الصراع الطبقي، صراع بين رأسماليين، صهاينة وامبرياليين وكولونياليين، نهمين للربح، ليسوا سوى حفنة من أنانيين يسعون للاستحواذ على كل شيء في الكون أو تخريبه، وبين شغيلة منتجين لكل شيء، شعوب مضطهدة تسعى للتحرر لحماية إنتاجها وثرواتها وبلادها والكون من الخراب.

:::::

givara1954@yahoo.de