قراءة في كتاب: ليليت داخل الأسطورة.. خارج الجنة ..

مراجعة نادين باخص*

نجح الذكر المهيمن في تشويه سمعة ليليت الأنثى، فألصق بها صفة خاطفة الأطفال، وهي (العين التي لا تنام). لكنها ما زالت حاضرة في الذاكرة الشعبية، برمزها الأشهر (كفّ اليد الذي تتوسطه عين)، والذي كثيراً ما يُرى معلّقاً في السيارات والمنازل.

يضيء كتاب (ليليت والحركة النسوية الحديثة) للناقد حنا عبود، جوانب عدةً من المتداول اليومي، ويقدّم تأصيلاً له، كلماتٍ وأغنياتٍ وتعويذاتٍ شاع استخدامها في اللغة الدارجة، دون معرفة مصدرها.

ويقدّم المعلومة الطريفة مصحوبة باستطرادات تتعلّق بها، فمثلاً في حديثه عن معنى اسم (ليليت)، يقدّم الباحث عبوّد أكثر من معلومة تجعل القارئ يُحسّ بأنه وقع على شيء مفيد وطريف في آن، فـ ليليت السومرية تعني الريح أو الهواء، والفارسية هي الزنبق بنوعيه الأبيض (الليلي)، والمائل للسواد (الليلك)، واسم (الليل) في العربية مستمدّ من ليليت، التي كانت ترعى الأطفال في الليل، أو تحضر لتحرسَهم بناءً على أدعية الأمهات لها. ورمز كفّ اليد الذي تتوسطه عين، ليس إلا رمزاً لهذه الربة التي كانت ترعى الأطفال بيديها، وتراقبهم بعينيها. أما تركيب (يا ليل يا عين) الذي ما زال إلى هذا اليوم يوظَّف في الأغنيات، ما هو إلا نداء الأمهات لربّة المهد ليلاً في أثناء هدهدتهنّ للأطفال، حتى أنّ أسماء مثل (ليلى، وليال، ولولا)، كلها ترجع إلى اسم ليليت.

يفيد قارئ هذا الكتاب من الطريقة التي اعتمدها مؤلفه في قراءته للأسطورة، حيث يجتهد في التنقيب للعثور على إسقاطات واقعية، تفيد في فهم أحداث ووقائع وعادات وتفاصيل يومية، سيما ما يتعلق بواقع المرأة، كما تكمن الإفادة في كونه يقدّم آليةً مُجدية في استنباط المعنى الدفين للأسطورة عبر تحريرها(edit)، الأمر الذي صرّح المؤلف في بداية الكتاب بأن سيعمل عليه لجلاء الحقيقة الكامنة فيها.

هذه الآلية قد تساعد في إيجاد صيغة مقنعة لتفسير النصوص الأدبية في ضوء المنهج الأسطوري -غير المضبوط علمياً بعد- من تلك التي وظفّت الأسطورة، وهذا ما تؤكده الدكتورة (لمياء باعشن) في بحثها حول المنهج الأسطوري حيث ترى أنّ “حركة النقد الأسطوري لم تفلح في بلورة ملامحَ منهجيةً خاصة به”. وتكمن الفائدة في الإشارة الملحة التي بثّها المؤلّف إلى أهمية استنطاق الأسطورة، واستخراج المعنى الحياتي،لا الاكتفاء بالدهشة الجميلة التي بثّها النصّ الأسطوري، والمتعة التي يحدثها في النفس.

يقع قارئ الكتاب على موسوعية متميزة في عرض المؤلِّف لعشرات الأساطير، ويتجلى تميّز هذه الموسوعية في التقاطه للموتيفات المُشْتَرَكة بين أساطير من أراضٍ عدّة، وعرض الأساطير المُشترِكة بتلك الموتيفات بسلاسة، من ذلك، موتيف (البطن العاري)/ ص148، حيث يذكر غير أسطورة ورد فيها هذا الموتيف.

يريد حنا عبود أن يُحرِّر حقيقةً مهمة عبر سرده لأسطورة ليليت وتحليلها وفق معطيات الواقع الحالي، وهي أنه بالرغم من كلّ المحاولات التي قامت من أجل تشويه صورة المرأة وتهميشها، إلا أنها ظلّت أحد الأساسين اللذين يقوم الكون عليهما، يقول: “في كلّ آداب العالم لا توجد شخصية تشبه ليليت في نزوعها، وفي تمسكها بالنظام الذي يوفر الكرامة لها ولبنات جنسها. لم تهن ولم تفتر ولم تساوم. ظلت تطالب بنظام المساواة والحق والحرية، وما طرحته ليليت من شعارات، راحت البشرية طيلة تاريخها حتى هذه الساعة تحاول تحقيقه”/ ص41.

قد يكون هذا صحيحاً، إلا أنه لا يمكن إنكار أنّ ليليت (الأسطورة) كانت متطرفة في نزوعها هذا، إذا ما تمّ قياسه على النزوع الطبيعي للمرأة، ذلك أنها رفضت البقاء في الجنة نفوراً من آدم ومن مطالبته إياها بالاضطجاع، في حين أنه ليس ظلماً لها كامرأة أن تفعل هذا، بالعكس إنه من الطبيعة الخاصة بها كأنثى، إلا أنه لا يمكن معاملة ليليت (الشخصية الأسطورية) على أنها متطرفة، لكنّ التطرّف لابدّ أنه ثابت على المرأة الواقعية التي تُسقَط عليها ليليت الأسطورية.

ولا يخفى حرص حنا عبود على تأكيد فكرة أنّ هنالك صراعاً حقيقياً قائماً بين الذكورة والأنوثة منذ غابر الأزمان، حيث يتبادر إلى الذهن في أثناء القراءة السؤال الآتي: هل انحاز حنا عبود إلى ليليت المرأة، أو ليليت الأسطورة؟.

في الحقيقة ليس من السهل الفصل في هذا الموضوع، لأنه من الواضح أنه منحاز للمرأة ولقضيتها، يظهر ذلك في ولعه بـ (ليليت الأسطورة)، التي يحاول باستمرار أن يستخرج منها ما هو واقعي. يقول رابطاً بين ليليت الأسطورة والحركة النسوية بكاملها: “وحين ذكرت ليليت اسم الله، فإنّ ذلك يعني أنها استعادت القداسة، وصارت مقتدرة، حرة لا تخضع لأوامر الإذلال. وبذلك يكون المقدّس قائماً في قلب [الحرية]، وهذا هو أساس كل حركة نسوية في العالم، سواء في التاريخ القديم أو في التاريخ الحديث والمعاصر. إنه استعادة المقدس. إنه الإمساك بالألوهية… أي الحرية”./ ص54.

إنه يلهج بها، فهو يراها في كل شيء حوله، حتى أنه يجعل حضورها مقحماً في قصة بشارة الملاك للسيدة العذراء بأنها ستحبل وتلد ابناً تسميه يسوع، حيث رأى أنّ الجدوى من هذه المعجزة هو “خلق سلالة نظيفة، وبما أنّ البشر غارقون في الدنس والفساد _على حد قوله_ فلابد من استبدال هذا النسل بنسل ليليتي طاهر”/ ص63.

في الواقع إن رؤية حنا عبود لمعجزة البشارة لا تخلو من طرافة المُبدِع، القادر على ارتجال تأويلات يجتلبها من جذوره الفكرية الضاربة عمقاً في تربة الأسطورة، والنص الكتابي بعهديه القديم والجديد. إلا أنّ سائلاً قد يسأل: تُرى، إلى أيّ حد يمكن المزج بين الأسطورة والنص الكتابي، حيث يتمّ استحضار الأسطورة في استجلاء الحدَث الكتابي (التوراتي أو الإنجيلي) وتفسيره؟.

وفي مسار حديثه عن الأصولية التي ترفض أن يكون للمرأة إرادتها المستقلة عن الرجل وحريتها الشخصية في اتخاذ القرارات /ص112، يستشهد بقول الرسول بولس: “أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما تخضع الكنيسة للمسيح”/أفسس5: 22، فهو هنا بالإضافة إلى تهمة الأصولية التي يرمي بولس الرسول بها، كذلك يفسّر النص بشكل جائر. فإذا كان الاعتراض على الدين الذكوري الذي مارس سلطته القمعية على المرأة، فمن الضروري إذن التذكير أنّ هذا الدين الذي نُسِبَ إلى المسيحية، ليس إلا من صنع الطقس البعيد عن جوهر المسيحية، لأنّ المسيحية في أساسها ليست دين، وإنما بشارة استناداً إلى قول السيد المسيح لتلاميذه: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” / متى28: 19.

وحين يفسّر حنا عبود قول بولس في خضوع النساء لرجالهنّ على أنه ذلك الخضوع السلبي وغير المسوّغ إنسانياً ولا طبيعياً، ينفي أنّ بولس تكلّم بحكمة إلهية. إلا أنّ قول بولس المذكور هو قول مجتزأ، تتمته هي التي توضح أنّه لم يكن أصولياً، ولا منحازاً للرجال، بقوله: “أيها الرجال أحبّوا نساءكم كما أحبّ المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها… من يحبّ امرأته يحبّ نفسه” / أفسس5:25، 28. هذه الكلمات كفيلة بإثبات أنّ الخضوع الذي طالب بولس الرسول النساءَ به، ليس إلا خضوع الحب الإرادي، والذي لا يمتّ للاستكانة أو انسحاق الإرادة بأية صلة، وما يؤكد إيجابية الخضوع الذي قال به بولس، هو قوله: “من يحبّ امرأته يحبّ نفسه”، فكيف لأحد أنْ يخضعَ لنفسه، وأن ينذلّ أمامها؟!.

حتى أنّ المرأة التي ترى في قول بولس هذا غبناً لها، تكون جاهلة لطبيعتها كأنثى، وهنا يتمّ استحضار نصّ من كتاب (خلف حجاب الأنوثة) للكاتبة كلاديس مطر تقول فيه: “إنني أشعر بالشفقة على الرجل العربي اليوم، فنادراً ما يتعثر [بامرأة] ذات أنوثة متحققة، فخورة بها. إنه مضطر لأنْ يُعجَب باستقلاليتها ونضالها وهي تكافح في مدن الدخان والمجاملات وأن يملّح إعجابه السطحي ببعض التصرفات التي تزيد من الفجوة بينهما، غير أنه في عمق ذاته لا يقوى على مخالفة ما أناطت به الطبيعة من وظائف خاصةً القيادة!” /ص40.

وقد يكون توظيف حنا عبود لقول بولس السابق منطقياً إذا ما قُرأ في سياق حديثه عن ظلم السلطة الدينية لامرأة العصور الوسطى في أوروبا، فكثيراً ما يفسَّر النصّ الديني بما يلائم سلطةً ما في فترة زمنية معيّنة، لذا كان من الضروري إيضاح أنّ قول بولس في أصله لم يأتِ ضد المرأة، وإنما فُسِّر فيما بعد على هذا الأساس من قِبَل المستفيدين.

والحديث عن الصراع بين الذكورة والأنوثة يؤدي بالضرورة إلى فكرة مطالبة المرأة بمساواتها مع الرجل، التي تعدّ مشروعة بل واجبة إذا ما كانت مستندة إلى وعيها بطبيعتها الإنسانية المماثلة لطبيعة الرجل، وإدراكها بأنّ لها كامل الحقّ في الدراسة والعمل والإدارة والسياسة… لا من باب الانتصار عليه، بل لتحقيق معادلة الكون التي لا تكون صحيحة إلا بتكامل الرجل والمرأة، وهنا تأتي الإشكالية التي تدور في حلقتها كثير من النساء، حيث تصبح مطالبتهن بالمساواة مع الرجل من منبر الكره والعداء له، النقيضَ لمطالبة طبيعة الوجود بتكاملهما، تلك الطبيعة التي تقترح الانسجام والسلام بينهما. هذه الثنائية الضدية (المساواة/التكامل)، هي التي تسوّغ عدم شرعية مطالبة المرأة بالمساواة، المقترنة بالضرورة بحملات هجومية عنيفة على الرجل. ويليق في هذا السياق أنْ يُذكر سفر نشيد الأنشاد الذي سُمّي بسفر الحبّ الإلهي، هذا النص الشعري الحواري الذي يدور فيه الكلام بين الملك سليمان وحبيبته شولَّميث، من ذلك قولها: “استيقظي يا ريح الشمال وتعالي يا ريح الجنوب، هبي على جنتي فتقطر أطيابها. ليأتِ حبيبي إلى جنته ويأكل ثمره النفيس” 4: 16، فيجيبها: “قد دخلتُ جنتي يا أختي العروس. قطفتُ مرّي مع طيبي. أكلتُ شهدي مع عسلي. شربتُ خمري مع لبني” 5: 1.

إنها لثنائية مذهلة محيّرة: (أختي العروس). ربما ناداها بالأخت من باب أنه سيصونها تماماً مثلما تُصان الأخت، وقد يكون القصد من هذه الكلمة هو المساواة بينهما من حيث كونهما روحاً إنسانية، أي من حيث كونها نظيراً له.

إنّ نظرية اكتمال المرأة بالرجل ليست بالنظرية الذكورية كما سمّتها الكاتبة الأسترالية (جيرمين غرير)_كما يذكر كتاب (ليليت والحركة النسوية الحديثة)_ بل هي نظرية منبثقة عن الطبيعة، فمثلما تطرح اكتمال المرأة بالرجل، كذلك تطرح اكتمال الرجل بالمرأة، وهنا قد يتشعب الحديث في أكثر من جهة، إذ إنّ هذه النظرية تذكّر بأفكار وأقوال عدّة، ومما يمكن استحضاره، ما جاء في سفر أمثال:”من يجد زوجة يجد خيراً وينال رضى من الرب” 18: 22، فالملاحظ أنّ هذا المثل يقدّم وجود المرأة في حياة الرجل على أنه خير له، لا العكس. كذلك ينتهي سفر أمثال بأصحاح كامل عن المرأة الفاضلة، حيث جاء فيه: “امرأة فاضلة مَن يجدها لأنّ ثمنها يفوق اللآلئ. بها يثق قلب زوجها فلا يحتاج إلى غنيمة، تصنع له خيراً لا شرّاً كلّ أيام حياتها” 31: 10، 11، 12.

وإذا ما تمت العودة إلى فكر حنا عبود في ما يخصّ الصراع بين الذكر والأنثى، وجدنا أنّ جوهر فكره ذاك كامن في تساؤله: “ما موقف هذين الطرفين، ومن أجل أي شيء يدور الصراع بينهما؟ هل من أجل السمو أم السيطرة؟” /ص154. إلا أن تساؤله ذاك لا يعدو أن يكون تساؤل العارف الذي تقصّد صياغة ما يريد قوله عبر تساؤل كي يشد الانتباه إلى أهمية الإجابة التي ستأتي. وفعلاً تأتي الإجابة، حيث يقول: “إنه منافسة من أجل الترقي والسمو على الغرائز المدمرة. ولكن إذا كان يدور من أجل [حقوق] لهذا الطرف أو ذاك دون اعتبار للسمو الذي يجب أن ينتج عن الصراع، فإنه سيظلّ صراعاً بعيداً عن التكامل” /ص154، ولا يخفى ما في هذا الفكر من تنوّر وموضوعية، تقود معتنقَها إلى المساهمة بالنهوض بمجتمع إنساني منشود.

وبالرغم من أنّ ليليت ربة المهد، قد شوّهت سمعتها بعد خضوع المجتمع لسيطرة الذكر، حيث تناقلت الأرض قصصها الكثيرة حول وقوفها على مفارق الطرق وإغوائها الرجال، وخطفها الأطفال أو خنقهم في المهود، إلا أنها ظلت_كما يُفهم من كتاب (ليليت والحركة النسوية الحديثة)_ حارسة الأطفال، وظلّ لقبها (العين التي لا تنام) على غرار ما جاء في المزمور المئة والحادي والعشرين (لا ينعس حافظك)/121: 3.

وظلت أغنيتها_ كما يذكر حنا عبود_ حية “لا تزال تتردد على أسماعنا كل يوم”/ص72، من ذلك الأغنية التي صاغها الفلكلور مزيجاً من ليليت الربة الأصلية، الحنونة على الأطفال، وليليت المشوّهة الشيطانة التي تخطف الأطفال متخفية بهيئة طائر، حيث تقول كلماتها:

“أنا الشوحة الخطّافي، بخطف وبروح عل الغابي، أنا أمّن وبلمّن، بعطين لحم كتافي”.

والملاحظ أنّ هذه الكلمات صيغت بتناقض عجيب، فالشوحة هي نوع من الطيور، وهي مخيفة للأولاد لأنها تخطفهم، وعلى هذا يكون الشق الأول من الأغنية مخيف ويدلّ على كائنة شريرة تخطف الأولاد، وتذهب بهم إلى البراري تماماً كما قيل عن ليليت، لكن الشقّ الثاني سرعان ما يأتي ليناقض الأول وليظهر روح حنان طاغٍ حين تنب الخطّافة أولئك الأولاد لها بقولها: “أنا أمّن“، لذا فمن حقها أن تلمّهم، وتجعل لحمها قوتهم.

على هذه الأغنية، ما زالت الأمهات يهدهدن لأطفالهنّ عند النوم، وما زالت ليليت عبر حناجرهنّ تجهر بحقها في حضانة أطفالها.

:::::

* نادين باخص: كاتبة من الجيل السوري الشاب، و تحضر حالياً بحثاً في الماجستير باختصاص أدب حديث (جامعة البعث).

مراجع:

v ليليت والحركة النسوية الحديثة، حنا عبود، وزارة الثقافة، دمشق2007.

v خلف حجاب الأنوثة، كلاديس مطر، الطبعة الأولى 2006، دار ورد.

v المنهج الأسطوري، لمياء باعشن.

v الكتاب المقدس.

______