جزائرية متلبِّسة بعلاقة مع كارل ماركس!

بادية ربيع

في ميدان واسع نسبياً من هايبري إزلنجتون إحدى ضواحي لندن أو أجزائها، ينتصب تمثال كارل ماركس ليبصره كل من يمر من هناك وربما يفكر بعد ذلك في قراءة شيىء ما عن هذا الرجل بلحيته الكثّة وطوق القميص الذي أُخذ عن دوق الكمباز العربي وهو مما دفعهم لتسميته ب “العربي” آنذاك. وكنت أمر من هناك في الماشي وصولا إلى بيتي في ضاحية في غربي لندن Chingford-E4 ولم يلفت نظري ما لفته قبل عشرة ايام وأنا أزور المنطقة.

هناك خط ماركس كتابه “رأس المالDas Kapital ” وبالألمانية . والكتاب خُصِّص بمجلداته الثلاثة لنقد الاقتصاد السياسي، للراسمالية بالطبع. وأين؟ في بريطانيا أول دولة هيمن فيها نمط الإنتاج الراسمالي. ونقد الاقتصاد السياسي ليس بحثا في الاقتصاد بقدر ما هو بحث في فلسفة الاقتصاد السياسي وفي الفلسفة عامة وفي الجدل المادي التاريخي من منظور فلسفة تغيير العالم بإصرار.

ليس هذا الحديث عن الرجل ولكن عن خصومه. الحديث عن اللبرالية الراسمالية التي صرف الرجل عمره، واختار فقره على الثراء والثروة كي يقاتل اسس نمط الإنتاج الذي ترتكز عليه. وهناك كان يراسل الهيرالد تربيون لتدبير بعض عيشه.

وبقي تمثال ماركس مكانه حتى اليوم. لم يناقش مجلس اللوردات البريطاني لا اعتقال ماركس حينها، ولا طرده من بريطانيا ولا حرق كتبه (رحم الله ابن رشد)، لم يحصل هذا لا خلال حياته والتي امتدت لأكثر من ثلثي القرن التاسع عشر ولا حتى اللحظة. باختصار: لم يُنعت ماركس ولا غيره بأنه من “الفكر البائد” وهذه ترجمة لما يُطلق في الوطن العربي من كل نظام عن النظام الذي سحقه : “العهد البائد”.

من الذي يعتني بتمثال كارل ماركس اليوم في هايبري إزانجتون؟ رئيسة البلدية هناك:

وهي الجزائرية منى حبيتوش. أليست هذه مفارقة تُحرج العرب؟ فهي امرأة أولاً وعربية ثانياً. هذا ما لفت نظري مجدداً إلى التمثال.

لو كانت منى في الجزائر، ماذا سيكون حالها اليوم؟ هل كان لها أن تسير بأمن في الشارع إذا لم ترتد لباساً يفيض عنها بكثير؟

هل كانت ستحتفظ بأية وظيفة إذا لم تنضم إلى النظام بكل ما فيه من فساد، اي أن تقايض حريتها في المظهر بالانغماس في الفساد والركوع للتيار السائد.

ربما كانت ستُقتل كالكثيرات والكثيرين الذين تحدث عنهم واسيني الأعرج، ولكن هي ربما رحلت كما رحل الطاهر وطار عن الجزائر فكان ان وصلت إلى رئاسة بلدية المكان الذي يتربع فيه الخصم الأول للفكر اللبرالي.

قد تكون السيدة يمينية، لبرالية، متغربنة، لا عروبية…الخ كل هذا لا يهم. فالمهم هو الدرس المزدوج على الأقل:

· سيدة عربية حسب، تصبح رئيسة بلدية هناك.

ولكي لا يبدو هذا الحديث انبهاراً باللبرالية البريطانية و/أو تجاهلاً لتاريخها الاستعماري البشع الذي كاد وحده (اي الاستعمار البريطاني) أن يقسم العالم باسره إلى مستعمِر ومستعمَر، ولكي لا يضيع الدرس المقصود من رفض كل ما يسمى ب “البائد”، لننظر في الشرق غير العربي، اي أوروبا الشرقية وروسيا، ماذا حل بتمثال لينين؟ ولننظر إلى الشرق العربي ماذا حل بكل نظام حل محله آخر!

هنا لا يُدار الحديث عن القبول بهذا أو ذاك، وإنما يُدار الحديث عن العجز عن تحمُّل مجرد رؤية تمثال أو صورة. وفي هذا الصدد، إذا كان من درس يُستفاد من كتاب ويتفوجل “الطفيان الشرقي” هو هذا الدرس اي عدم القدرة على تحمل مرحلة ما من تاريخ الذات؟ فكيف يكون هذا التاريخ تاريخا يمكن الاستفادة منه؟

كثيراً ما شعرت بالأسى اثناء القراءة وبعدها لأن كثيراً من نتاج إخوان الصفا والمعتزلة فما بالك بالقرامطة وغيرهم قد “أُبيدت” وهي لو بقيت لرفعت من شأن الفلسفة الإنسانية، لكن الأسى يتحول إلى فاجعة حين نرى أن السلطة الحاكمة في الوطن العربي اليوم، تمارس نفس الفعل الإبادي لكل من ليس نسخة عن ما تريد، وليس حتى نسخة عنها.

تُرى، هل بقيت مساحة لاتهامي بالانبهار باللبرالية الغربية؟ أم أن الحقيقة هي الفجيعة بما نحن فيه!