بضعة أسطر: خطاب التطبيع الناعم واحتلال الجامعات

عادل سمارة

حينما كتبت نقدأً لمجيء شاعر فلسطيني الى الأرض المحتلة بما هو تطبيعي، وصفوني باني “قنَّاص الجسر”. بمعنى أنني أراقب كل من يأتي إلى هنا وأغتاله “بالكلمة” على ما اعتقد انه كان المقصود بكلمة قنّاص.

في العجالة أدناه، أزعم انني أنتقد واشتبك مع الخلفية المموهة للتطبيع في الخطاب والنص لدى فلسطينيين. والتطبيع عبر المصطلح والخطاب هو عمل حذر ودقيق وفني ولكنه موجه وشديد التأثير وإن كان ذلك تدريجياً. ما اقصده أن هذا اللون من التطبيع هو تأسيسي للمستقبل وللأمد الطويل لتصبح إسرائيل “كياناً” عاديا وشرعيا وطبيعياً. ولفرط طبيعيته سيأتي أولادنا ليحاججونا بأن كُتُبنا ومناهجنا تؤكد هذه “الشرعية”.! أما المناهج فلن أخوض فلست اكاديمياً، واتركها لذمَّة من الَّفوها ودرَّسوها.

إغواء البنك الدولي

في مؤتمر باسم “الاقتصاد الفلسطيني:”نظرة مستقبلية” الذي عقد في جامعة بير زيت من 9-12 حزيران 1996 والمؤتمر بإشراف البنك الدولي ونفقات الوكالة الألمانية للتعاون الفني بمشاركة جمعية الاقتصاديين العرب في الضفة الغربية وقطاع غزة”. قُدمت عدة أوراق من عدد من الفلسطينيين. ويبدو أن بعضها قد راعى رؤية الممولين للصراع العربي الصهيوني فاستخدم مفردات، تشكل مع بعضها بما فيها من أفكار خطاباً يهيىء بأن “إسرائيل” دولة جارة ولم تكن قد اغتصبت من أحد وطناً!

كتب د. مصطفى دباغ في مقالة بعنوان: ملامح التجارة لفلسطين:

” إنتهت حرب 1948 الى فصل الروابط الاقتصادية لهاتين المنطقتين (الضفة والقطاع) عن القسم الأكبر من فلسطين الذي أصبح إسرائيل” (ص 121 من كتاب البنك الدولي: المانحون والمادحون، عادل سمارة منشورات المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنموية رام الله 1997).

هكذا ببساطة دون ذكر أن “اسرائيل” لم تكن موجودة وأنها تجمع مستوطنين، اي كأن حربا جرت بين جارين!!!

وكتب د. عبد الفتاح ابو شكر في مقالة: ألموارد البشرية الفلسطينية: الواقع والمستقبل:

” صحيح بأن هناك اكتظاظاً سكانياً في قطاع غزة، إلا أن هذه الظاهرة تعود بصورة اساسية إلى النزوح الكبير والهجرة القسرية للفلسطينيين عام 1948، بسبب الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، إلى قطاع غزة” (ص 131 من نفس الكتاب).

معنى الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، أن هناك كيانين موجودين سلفاً واحترابا.لا يذكر الكاتب ما يشير إلى الاغتصاب؟

في المدخل الذي كتبه سليم تماري بعنوان: تحول المجتمع الفلسطيني:التشرذم والاحتلال، لكتاب اصدرته منظمة (فافو) النرويجية بعنوان: المجتمع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس: بحث في الأوضاع الحياتية، والصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1994، كتب تماري:

“… نتيجة لحروب متوالية (اشهرها حرب 1948 وحرب حزيران/يونيو 1967 مع الإسرائيليين ص 15)

وكتب:

“…كانت إحدى النتائج الرئيسية لحرب 1948 هي أن جزءاً بأكمله من المرتفعات…” (ص 18).

في المقتطفين لا يشير تماري قط إلى أن “إسرائيل” كيان استيطاني غاصب؟ فهو يبدأ من الحرب وكأن ما سبقها وجوداً متساويا وطبيعيا لطرفي الحرب. طبعاً فكيف يتحدث عن دور الامبريالية في خلق الكيان الصهيوني.

طبعاً لا تحتوي الكتب الصادرة عن (فافو)أية تفاصيل عن تاريخها، لكن ما نعرفه أن هذه الدراسة هي التي مهدت لاتفاق أوسلو. ماذا تقول النرويج اليوم عن الاتفاق؟ وهل توقف دورها؟ هذا متروك لمن لهم بها وصالاً!

وبدورها كتبت ليزا تراكي في مقدمة كتاب: الحياة تحت الاحتلال في الضفة والقطاع الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2008 :

” فقد بدأ يتضح في السنوات الأخيرة أن أحداث 1948 لم تكن خاتمة فصل في تاريخ الفلسطينيين” (ص 14)

وفي حين وصف بعض من ذكرناهم أن ما حصل كانت حرباً دون أن يذكروا الوجود الاستعماري الاستيطاني للكيان، فإن تراكي قد بسطت الأمر إلى مجرد أحداث. وبمضمون الكتاب المذكور بما هو اقرب إلى الأنثروبولوجيا، يمكن القول أن الأحداث تحصل بين عائلتين!

يلاحظ المتتبع للأكاديميا في الأرض المحتلة وتحديداً الممولة والمقودة من الدول الأجنبية المعادية لشعبنا والمناصرة “لإسرائيل” أن هناك هجمة أنثروبولوجية تقوم على شراء دوائر بأكملها في جامعات محلية عبر صفقات تشمل المكان والمحاضِر والطالب.

هل تستحق هذه المخاطر انتباهاً ودراسة؟ أم هي حقبة: “وهل الوطن لي وحدي…إقبض سعد أثرى سعيداً”.