ألنبي والمفكر والحلاق المثقف

أحمد حسين

يستطيع من يشاء أن يضع العالم في سردابه الذاتي ويبني معه علاقات مكيفة ذاتيا. هكذا فعل المعرفيون منذ عصور السحر والجلا….جلا، يوم كان العقل الخاص يستعين بتكنولوجيا العصر الحجري الساذجة، لإدهاش الناس واستعمالهم في حاجاته، مرورا بعصر النبوة والبحث عن الحقيقة في التجربة الإبداعية، وحتى عبور العقل من خلال شرارات الإنتباه العارضة إلى عصر البحث عن المعرفة والنظام معا. في هذا الفضاء الملحمي للتطور طارت نسور وعصافير وجراد وفراشات وبعوض…. وكلها أدت عروضها المحتومة وذهبت، ولكن المشهد ما يزال يقدم عروضه بزخم متصاعد وبدون توقف ولو متخيل.

أفلس مشروع السحرة، ورُفع من سوق التداول. وانتهى عصر النبوة بميراث من الفجائع الكهنوتية ما زالت قائمة بقوة إلى اليوم. وبدأ عقل التجربة يضغط بقوة وينتج العلماء والمفكرين والمكتشفين والمخترعين. ولكن النظام بوصفه المستهلك الرئيسي لكل خامات المعرفة هذه، بل والمؤسس والموجه لها أحيانا، فإنه استطاع السيطرة شبه التامة على استخدامانها، وأحيانا نتائجها، وفرض عنصر الدجل العلمي على المعرفة، وحولها إلى ملكية سلعية خاصة. كان لديه دائما وفرة فائضة من مثقفي البيعة للتلاعب والتحويل وحصر كل التفاعلات المعرفية داخل بوتقته الإجتماعية الهادفة.

وليس المفكر هو النقيض الجدلي – كما يعتقد البعض سهوا – للنبي، لأنه في هذه الحالة سيكون نبيا، من نوع مختلف. المفكر نوع معرفي، يعيش في عالم مختلف للأشياء والظواهر، عن عالم النبي. فهو رجل عالم الشهادة الملىء بالكمون المعرفي المرتهن في الإكتشاف، ولا علاقة له بعالم الغيب النبوي.المنهج والغاية مختلفتان تماما عنها لدى غيره من اصحاب المشاريع. يؤمن بوجود المعرفة كلية في الطبيعة، وأن مهمته أن يتحدى الغموض ويكتشف ما يستطيع من دخائل الحركة التي هو جزء منها. فإذا كان هناك إمكان لوجود عوالم مفترضة غير هذا العالم، فالتفكير فيها غير منطقي، لأنها موجودة خارج وجود التجربة، وليس هناك طرق معرفية يمكن أن تؤدي إليها. لذلك فهو منقطع تماما في وجوده الفكري عن النبوة، لأنها ليست تكليفا من عالم الطبيعة المكتفية بذاتها. لذلك فظاهرة المفكر ومقابله النبي تشكلان تعددا معرفيا خارج علاقة النوع. الأول يفكر في معرفة النظام، والثاني يعرف بدون أن يفكر، لأنه مكلف من النظام مباشرة، ومكتف به. وبين هاتين الظاهرتين تكونت ثقافات الوعي ألإجتماعي بتدرجاتها المختلفة، ومن بينها وأهمها حالة الحلاق الواسع الثقافة، والتي حولتها حاجات النظام إلى ظاهرة مستقلة تمثله داخل السياق.

وهذا الأخير لا يشبه أيضا سوى نفسه. فهو إذن ظاهرة تعدد معرفي بحد ذاته. إنه لا ينتج المعرفة ولكنه يستهلكها بالضرورة، ويعتقد أنه توصل إلى الحقيقة قبل المفكر والنبي، ولكن لا أحد في الدنيا يريد الحقيقة لسوء الحظ. كيف يقول لزبائنه بأن الناس مجرد كائنات أميبية، وأن الحقيقة هي كم المتعة الحيوية، تتكون من حركة مفردة تبدأ بالفم وتتوزع في الأعضاء وتنتهي بزراعة الذات والموت؟

كل همه حين يلتقي الزمان والمكان والزبون على كرسيه، أن يقدم للزبون نتائج المعرفة الرسمية على شكل مثيرات ومحفزات حيوية وذهنية، كالنكات والشائعات والملح الفنية وأخبار النساء والرجال، وبعض السياسة والأدب والفكر. لكل زبون حسب ميوله السيكيولوجية التي أسفرت عنها دراساته المسبقة للزبون. وعند نهاية ” الحلقة ” يقف عند الباب مودعا، وهو يهتف لنفسه راضيا: إلى اللقاء أيها المغفل. ثم يبتسم للزبون القادم بدماثة فنية وهو يدخل نقود المغفل السابق إلى جيبه.

هذه الظواهر الثلاث، هي السياقات الوحيدة الممثلة لأنماط النشاط الثقافي والفكري في الحياة العملية، أي التاريخ.

لقد اختفت ظاهرة النبوة بشكلها التقليدي المتشبث بعلاقة فردية ذاتية مع دوائر الغيب، وظهرت مكانها النبؤات الأجتماعية العلمية والعولمية السياسية، التي تتحرك في منطقة الطيف الليبرالي مع حركة النظام الرأسمالي، والنبوءات العولمية الجديدة ذات النكهة الكهنوتية التي تتحرك في دائرة التفوق والحداثة والجنون الفلسفي، ولكن داخل منطقة الطيف ذاتها.

يخفي النبي مشروعا ذاتيا تسيطر عليه فكرة تنظيم المعرفة من خلال التأثير على الآخر مباشرة. ويخفي الحلاق المثقف مشروعا أساسه استغلال المعرفة في مشروعه الوجودي لاستغلال الزبائن. يمكن له أن يصبح نبيا في بعض الأحيان، إذا دعت الحاجة. وهو مصلح اجتماعي في أحيان أخرى. وفنان أو مهرج أو مفكر عندما تدعو المصلحة الوجودية. ولكنه يبقى دجالا في جميع الأحوال. بينما المفكر ابعد ما يكون عن المهنتين، لأنه، افتراضيا، لا يفكر في قضيتي النجاح والتأثير المباشر إلا لصالح مشروع المعرفة. أي أنه ملتزم اجتماعيا. وبينما ينشغل أصحاب المشاريع بحساب أرباحهم وخسائرهم، يقف هو أو يمشي أو يجلس وهو يراقب يراعات الإنتباه على شواطيء السؤال، ليعرف منها شيئا يقدمه للناس ولنفسه. يحب الناس في غالب الأحيان، ويتبادل الكراهية مع النظام دائما. وهو ملزم بفارق المعاناة وربما بفارق الموت والحياة، أن يواصل طريق المفكر أو أن يتحول بالخوف أو الجشع إلى حلاق مثقف.

ولا يخفى على القلة النبيهة من القراء، أن الحلاق المثقف هنا هو رمز لتنابلة النظام من المثقفين. رمز للذين يعتبرون أن ابتذال المعرفة بالكسب هو حقهم الثقافي. وهم في الأكثر نوعان، مثقفون ” بالمايوه ” ومثقفون بدون ” مايوه “. القسم الأول يستغل الأخلاق في المهنة، فيعتبر المايوه لباسا شرعيا كافيا للإلتزام الإجتماعي، يجعل منه تنبلا فاضلا، والقسم الثاني يكره الأخلاق حداثيا ويستنكف عن استغلالها، كظاهرة تخلف. وهو يقبل على التعري بشغف ليبرالي يجمع بين المتعة والكسب معا. ألنوع الأول لا يعمل إلا بعقد عمل، أي بمايوه – وظيفة. والثاني بالدفع مباشرة. وأشهر تنابلة الفئة الأولى هم من ذوي السمعة العريضة في مجالات الفكر والثقافة ويقدمون واجبات وظيفية على شكل مفكرين وكتاب وأدباء وصحفيين وفنانين وأساتذة جامعات ومستشارين أو كهنة… وهلم عدا. والفئة الثانية تقدم الخدمات على أي شكل كان لا عد له ولا حصر. وهي تشمل كل الفاشلين من ذوي وذوات المواهب السيئة الحظ، والثقافات البينية غير الواضحة الهوية، والمرضى النفسيين، والمدمنين، والسقط من عديمي المصطلح الذاتي.

هذا هو ملخص حركة الثقافة داخل أي مجتمع قائم في عصرنا. والتفاصيل تستحيل الإحاطة بها كما ونوعا. واختلاف مجتمع عن آخر، متعلق بغلبة انتشار ظاهرة على غيرها في الحركة الإجتماعية، وبأرشيف تاريخ الجماعة التكويني.

من هذه الظواهر، وحركاتها، والعلاقات بينها، وغلبة بعضها على بعض، يمكن تتبع مواقع المجتمعات في حركة التاريخ بين التقدم والتخلف. ولكن لا يمنع هذا من وجود مجتمعات في حالة ثالثة غير التقدم والتخلف هي حالة الوقف، أي التشويه البنيوي. ويجب النظر إليها على أنها مجتمعات معوقة، تفتقر إلى السويّة التطورية. وهي مجتمعات تكون عادة سريعة الإندثار، يجرفها سير الحركة المعاصرة إلى المجهول. ولكن بعض مجتمعات الوقف، تكون أحيانا معجزة استثنائية في ثباتها حول نواة تكوينية نادرة في جاذبيتها المنتدبة مرضيا، تطيل أمد الإحتضار، بالحيوية الشكلية للمرض نفسه. والطراز الأسمى لهذه المجتمعات هو المجتمع الهجري، أطال الله احتضاره، أي عمره. وفي وصف حالة هذا المجتمع النادر يمكن القول أنه ثنائي الأبعاد والتكوين الثقافي. فهو موقوف في الظاهرتين الأولى والثانية ( النبي والحلاق المثقف ). أما ظاهرة المفكر فقد ولدت مع النحس في ذات الليلة. فقبل أن تصرح بوجودها كان النبي ( الكنيسة الهجرية ) قد انقض على أرسطو وأفلاطون وابتلعهما، ليصبحا من أخلص أتباعه. وأصبح المفكر الهجري فقيها وتوقف الأمر عند هذا الحد. هذا المفكر الفقيه، المسكون بالنبي والحلاق المثقف معا، كان هو صاحب الفضل، في توحيد ظاهرة النبي فقهيا،مع ظاهرة الحلاق المثقف. واستطاع بالفقه ومساعدة النظام حل كل التناقضات العقلية بين الظواهر المتعارضة، ووضع بدلها قائمة مقابلة بالتناقضات الشكلية، ليسهل تدميرها على سنة الله ورسوله عند الحاجة.

كان توحيد المفكر الهجري لظاهرة النبي بظاهرة الحلاق المثقف، إيذانا بمولد مجتمع الحل القائم على التناقضات المحلولة. كل شيء صار حراما قابلا للتحليل، أو حلالا قابلا للتحريم، والنظام هو الشريعة، والناس رعية الحاكم فقط لا غير. وبذلك قام ملكوت من الثقافة والعقل، لا هو داخل التاريخ ولا هو خارجه، حيث يراوح الناس في الوقف، داخل حافلة عظيمة متحركة فى انعدام الإتجاه، مليئة بالضجيج، والتلادم والترنحات، والطقوس العامودية، والإهتزازات الموضعية المسلية، والجوع والعطش وموت الحركة، مثل قطاع غزة. الصلة الوحيدة بينهم وبين الكون الخارجي، هي استيراد الوجبات وبعض الحاجات الأخرى، عبر نوافذ الحافلة. النظام ليس موجودا شخصيا، ولا يوجد عليه دلائل محققة. ولكنه قائم في سليقة العقل والحركة، مثل الديانات الوثنية المتعددة الآلهة. والحلاقون المثقفون في قلب الحضرة،على مقاعدهم أو وقوفا يراجعون جداولهم ومحفوظاتهم الثمينة، ويقدمون للركاب معجنات ثقافية خالية من الدسم ولكنها مليئة بالعلف، وأخبار النظام، والعالم الخارجي. ويتلقى الحلاقون المثقفون معارفهم مباشرة من والت ديزني عبر هواتفهم الخلوية. وهو حلاق أمريكي صهيوني واسع الثقافة، يقدم وجبات مغلفة عالية الدسم لأطفال العالم، بنكهة أطلسية، وللكبار مشروبات ساخنة وباردة بنسبة عالية من الكحول المرخصة دوليا. وباختصار يعيش في الحافلة الهجرية قارة كاملة من البشر، ليس لهم علاقة مباشرة بملابسهم أو ما في داخلها، فكل عضو له بنوده الدستورية، التي تضعها كاتدرائية التحالف بين النبي والحلاق المثقف. فكيف سيكون لهم علاقة بالوجود الخارجي، سوى بالقمح المستورد، المقسم شرعا بين الناس، أي بالتفاوت الفادح، وبين أبقار الأغنياء، وعجول الدير، وأتباع التحالف الماسوني بين النبي والحلاق؟

ومع ذلك فهؤلاء الطينة من البشر راضون، وكثير منهم سعداء، وخاصة الشحاذون، والعائلات المستورة وبائعات الهوى الرخيصات. لقد تشربتهم جدران الحافلة وتشربوها إلى درجة الإلتحام البنيوي، ولم يعد يهمهم وجود عالم خارجي، أو نظام مختلف، أو نساء أجمل من نسائهم. من لم يجد خبزا جاع أو سرق أو أكل من خبز التيمم الذي تقدمه الكنيسة من فائض العلف المقدم للعجول. ومن لم يجد مهنة أمتهن الكدية أو الدياثة أو القوادة أو الكهانة الشعبية أو التحق بخدمة محلات الحلاقة كمخبر سريح. ومن لم يجد امرأة تعفف أو استمنى أو جلد. هناك استسلام مقرون بالرضى بمصير الحافلة. ولا يوجد الآن في مجمل العالم نظام أكثر استقرارا وثباتا وهدوءا من نظامها. هدوء واستقرار وأمن تام. من لم يحتك بالنظام لم يحتك به النظام، ومن فعل، انفتح جدار الحافلة أو سقفها وابتلعه سمتيا أو عاموديا بدون ضجة زائدة. لقد ثبت لكل من يريد أن يفهم، أن لعبة السرداب الذاتي المكيف، أفضل من الإحتجاج أو الإعتراض أو المقاومة. وثبت أن أفضل التحالفات في التاريخ هو تحالف النبي مع الحلاقين. إنه تحالف الأبد ما لم يمت النبي أو الحلاق أو كليهما ويظهر المفكر الحقيقي.

أما في المجتعات الخلوية، أي التي تعيش في فضاء الكينونة الواسع، فالأمر مختلف. فهناك الناس حركتهم أكثر من جلبتهم، وسعيهم أكثر من تسكعهم. حُرموا نعمة الشريعة، فحلت بهم محنة الدستور والعمل الخلاق. وفي هذه المجتمعات تتوفر الظواهر الثلاث ولكن بصلاحيات منفصلة. لديهم مفكرون وأنبياء وحلاقون واسعو الثقافة. ولديهم أنظمة ديموقراطية، يعيش فيها كل على مقاس لا يحق له تجاوزه إلا عن طريق المحاسب. فهناك طبقات اقتصادية، ذات مغزى دستوري واجتماعي خاص، يحدد التسعيرة الإجتماعية لكل فرد أو جماعة. وهم على عكس سكان الحافلة بعيدون عن الرضى، يعيشون حياة قلقة معلقين على سلالم الطبقات في حالة صعود أو نزول أو سقوط أحيانا. أصحاب النوافذ العالية يمدون أيديهم من النوافذ يساعدون المتسلقين على الصعود،أو يضربون رؤوسهم بالهراوات، حسب الحاجة الإحتماعية. ومن حيث المبدأ الدستوري للديموقراطية، هم جميعا في حالة صعود افتراضي، أو نزول أو سقوط فعلي، بحيث أن عدد سكان الطبقة الواحدة لا يزيد ولا ينقص، لأن الثروة المتداولة اجتماعيا لا تتعدى نسبة محددة، من الثروة الفعلية المركزة في الطابق الأعلى. فإمكانيات الصعود والسقوط موجودة في حدود التعويض التبادلى الملزم عفويا.

ولا يوجد لديهم حكام عظماء كما في الحافلة، لآن الذي يحكم هو الطبقة وليس الأشخاص. لذلك فالنظام لديهم أسروي كالسعودية ودول الخليج، ولكن على أساس الإنتماء الطبقي وليس البيولوجي. فالبيولجيا لديهم قطاع سلعي رائج ومنتج أكثر من صناعة الأسلحة. لذلك فالفرد البيولوجي، وليس الجماعة البيولوجية، أي الأسرة، هو وحدة التداول المعتمدة في العرض والطلب. وعليه، فإن ظاهرة الحجاب لديهم تخص الرجال فقط، أما بين النساء فإن السفور المفرط هو القاعدة. وينتج القطاع النسوي حصته من الشهرة والنبوغ السياسي. ولكن ما لفت نظري أن الجميلات فقط هن اللواتي يصلن مناصب سياسية عالية. وفيما عدا ميركل الألمانية،وفولبرايت التي تشبهها بغرابة، لم أشاهد في السلك السياسي امرأة بشعة واحدة، لا تتمتع بالجمال أو الأنوثة أو الجاذبية.

ومزايا مجتمع الحافلة موحدة في ظاهرة عامة واحدة، هي النفاق والتظاهر. فلا تكاد تعثر هناك علنا على كذاب أو غشاش أو فاجر. فالقافية معدومة عدا في الشعر. هناك ديمومة خفية لكل الأنواع الإجتماعية الساقطة، يسترها النفاق والتظاهر والستر. أما مزايا المجتمعات الخلوية فهي كل ما يمكن تصوره من مزايا للإنحلال الذي يعتبرونه نهائية حداثية للحرية. فالغاية عندهم تبرر الوسيلة. وأية صفة اجتماعية هي وسيلة، لها تقييم نقدي أو عقاري فقط. وهم يختصرون معني الحياة البشرية في أضيق حدوده العملية. فهم همج معرفيون لا يهمهم المعنى الإنساني إلا بمدى ما هو وسيلة لبلوغ الغاية. وهم يبدون للوعي كظاهرة ترنح حضاري لا بد أن يؤدي إلى كارثة محققة. بشر يقلدون القرود الفاخرة، جميلة ومهندمة تقفز فوق الموائد الليلية وتحتها وتصرخ بأعلى صوتها، وتضرب أجسادها بالأرض، وتؤدي حركات بهلوانية، ثم تتسافد، وتمضي من الملهى رأسا، للإلتحاق بخدمة العلم في العراق وأفغانستان. هذه القرود البشرية الجميلة المغرمة بالبيرة والرقص هي التي تذبح أطفال سكان الحافلة بدون سبب. وهذا على كل حال شيء يشبه الصراخ بدون سبب من الناحية السيكيولجية. والمرعب ليس القردة التي تذبح أطفال العالم من أجل أن تستطيع الرقص في نهاية الأسبوع. ألمرعب هو مجتمع الحافلة الذي يزودهم بالأطفال مجانا. قولوا معي!

لا تقولوا شيئا!

ملخص ما مضى أن الثقافة هي ثقافة معرفة أو ثقافة نظام. الأولى هي مزاعم العقل والتجربة التي يقول بها المفكر. أما ثقافة النظام فهي أن كل معرفة هي غاية وهوى في النفس، وليست ناموسا طبيعيا كما يقول المفكر. وتعتمد ثقافة الغاية على قول النبي، أن مطلق المعرفة هو مطلق النظام، ومطلق النظام هو مطلق الحرية، وأن النظام ثابت في الإيمان، الذي هو هوى في النفس. لذلك فلا يوجد النظام والأيمان إلا معا. ولا يوجد الأنبياء والحلاقون المثقفون، إلا متحالفين مع النظام.

والثقافة السائدة في العالم هي ثقافة النظام لامتلاكها كل آليات القوة الفاعلة، وعلى رأسها الثروة، التي تشكل حركتها ثقافة المجتمع الغائي السائدة. ولم تنجح ثقافة المعرفة الطبيعية في التوسع، لأن تنابلة النظام يقومون بإحالتها غائيا أولا بأول. لذلك لا يمكن اعتبارها ثقافة مجتمعية مؤثرة.

مجتمع الحافلة ليس تاريخا يمكن بحثه عقليا، ولا ظاهرة عقلية يمكن بحثها تاريخيا. هو حالة احتضار جماعي مطول، قائم في سلبية العلاقة، يتناوله الخلويون بما يريدون، دون أن يحس بهم أو بذاته. يشكل خانة مؤجلة للموت. فاعتبر يا ذا اللب. ولا تقل شيئا، فلم يعد هناك ما يقال.