اي سلاح؟.. لاي جيش؟..ولأي مهمة؟

العميد الدكتور امين محمد حطيط

اما وقد بات موضوع تسليح الجيش من أكثر المواضيع تداولاً الآن في لبنان، بعد البطولة التي أبداها في مواجهة العديسة، ورغم القرار السياسي الذي خفض مردود تضحيات الجيش هناك، فاننا نرى من المفيد أن نعرض لأصول التسليح، والتحذير من مخاطر الانحراف عن الاهداف الحقيقية التي يؤمّل من جيش دولة مستقلة أن يسعى الى تحقيقها أوتأمينها، كما لا بد من تجنب هدر الوقت والالهاء بعمليات استعراضية يتآكل معها زخم التأييد الشعبي للجيش، فيهمل واجب تسليحه. من أجل ذلك كله فاننا نذكر بان تسليح الجيش لا يكون الا وفق ضوابط وقواعد تتطلب في اعمالها قرارات سياسية – وان كانت الساحة اللبنانية غير جاهزة اليوم لاتخاذها – لكنها تبقى المدخل الرئيسي لعملية التسليح. لان هذه العملية حتى تكتمل، يجب ان تجيب على اسئلة ثلاثة لا بد منها: الأول، اي جيش ولأي مهمة، فإن عرفت المهمة نسأل الثاني أي سلاح يناسب لتنفيذها، والقيام باعبائها، وبعد تحديد السلاح، نسأل الثالث عن السوق الملائم والمال اللازم.

من المضحك – ان نظرنا بحسن نية لما يجري – ان نبدأ بالمال، اما مع سوء الظن، فقد يكون البدء بجمع المال امراً فيه من الخطورة ما لا يمكن تصوره، فقد نجمع مالاً من مواطنين مقيمين ومغتربين، أو أبعد من ذلك، ثم نجهّز به جيشاً كالجيش الذي أراد بناءه امين الجميل على اليد الاميركية، وانتهى امره الى ما يعرف الجميع في العام 1984، بعد تدمير هنا وتهجير هناك في اكثر من منطقة لبنانية. لذلك يكون تحذيرنا الأول من توفير المال قبل بت الامور السابقة عليه، وهنا وانطلاقاً من السؤال الاول، اي نوع الجيش ومهمته، فانه من غير الصعب أن نقول ان في لبنان تيارين:

ـ التيار الاول يرى للجيش مهمة دفاعية في وجه عدولبنان “اسرائيل”، كما حدد ذلك اتفاق الطائف، واستثناءً وبشكل احتياطي، له مهمة أمنية في مؤازرة قوى الامن الداخلي، ومن أجل هذا، على الجيش ان يمتلك ما يحمي لبنان. وهنا ومباشرة ومن خلال خبرتنا العسكرية نقول، ان اعتماد هذا الرأي يقود الى تحديد حاجة الجيش لمنظومة من الدفاع الجوي، تشكّل مظلة حامية للسماء اللبنانية المنتهكة على مدار الساعة من “اسرائيل”، ثم منظومة دفاع بحري لحماية الشواطئ اللبنانية، وخطوط نقل بحرية، اقله في المياه الاقليمية، وبعدها منظومة دفاع ضد الدروع، وأخيراً وقد يكون الأهم في واقعنا الحاضر، منظومة صواريخ بر- بر بامكانها الوصول الى عمق الجبهة الداخلية “الاسرائيلية”، تم اللجوء اليها للرد على العمليات “الاسرائيلية” التدميرية، عندما تستهدف المدنيين اللبنانيين. هذه هي العناوين الرئيسية للسلاح المطلوب، ويبقى ان نضيف اليها ما نسمية السلاح المساند، اوالمساعد وهي أسلحة الخدمات اللوجستية ومستلزمات منظومة القيادة والسيطرة. اما الكلفة التقديرية لحاجات لبنان هذه، فهي في حدود 7 مليارات دولار، يمكن برمجتها على فترة من 4 الى 5 سنوات. ويبقى سوق السلاح، ويكون من البديهي ان نقول، إن “اسرائيل” وتالياً أميركا لن تسمحا لاحد في العالم ان يبيع سلاحاً للبنان، يمكن ان تطلق منه طلقة واحدة على “اسرائيل”، ما يلزم بالتوجه الى مصادر سلاح تكون تحت سيطرة سلطات عصية على القرار الأميركي، مثل ايران وكوريا الشمالية والصين والى حد ما روسيا. وهنا نصل الى الكلمة المفتاح في كل الخطة: هل ان الدولة اللبنانية الراهنة وبحكومتها القائمة، ومع فرقاء سياسيين يعرف القاصي والداني انصياعهم لأميركا، جاهزة لمثل هذا القرار السياسي؟ من غير عناء وطول تفكير اقول لا، مع كل تمنياتي بان أكون مخطئاً في هذا الامر.

ـ التيار الثاني: يرى ان مهمة الجيش هي حفظ الأمن والنظام اللبناني بوجه من يحاول “وضع اليد عليهما ” من منظمات ودول اقليمية، لا تأتمر بالقرار الاميركي، اما مسألة “اسرائيل”، فان امرها في موقع آخر، حيث لا يمكن برأيهم اقتناء السلاح الذي يردع عدوانها، ويكون الحل بعدم التحرش بها حتى لا تعتدي، وبالركون الى الضمانات والقرارات الدولية، لرفع العدوان ان حصل، وهنا تكون مهمة الجيش هي في منع التحرش، وتاليا تكون مهمته حراسة الحدود مع “اسرائيل” حتى وحراسة مناطق احتلالها (كما جاء في قرار للمجلس الاعلى للدفاع في آب 1993، الذي قرّر ارسال الجيش الى الجنوب، لمنع المقاومة من الوصول الى المناطق المحتلة يومها – طبعا لم ينفذ العماد لحود الأمر بصفته قائداً للجيش). مع مثل هذه المهمة لا تكون للجيش حاجة الى منظومة دفاع جوي، ولا دفاع بحري ولا دفاع ضد الدروع ولا صواريخ متوسطة اوبعيدة المدى، إذ يكفيه السلاح الخفيف والمتوسط مع الآليات المدرعة الخفيفة، والمدفعية المتوسطة والثقيلة مع اسطول من مروحيات القتال، أسلحة يقاتل بها في الداخل كل من يريد قتال “اسرائيل” اومواجهة “اسرائيل”، ويقمع بها كل صوت يقول لا للنظام الاميركي الذي يراد ارساؤه في لبنان. ومع هذا الحل، الذي لا يكلف من الدولارات اكثر من مليارين الى ثلاثة، تكون المساعدات الاميركية وغير الاميركية سخية، ومن غير طلب، طالما أنها ستسلح جيشاً يقوم مقام “اسرائيل” بمواجهة المقاومة، وما يسمى بالمصطلح الاميركي، الارهاب ايضاً. ومرة جديدة نعود الى االسؤال المفتاح: هل لبنان في واقعه اليوم، جاهز لاتخاذ قرار بتسليح مثل هذا الجيش؟

هنا ولنكن صريحين، ان اميركا ومنذ العام 2005 بدأت بتنفيذ خطتها لقيام جيش وفقاً للوجهة الثانية، ولكن متغيرات شتى منعتها من النجاح السريع في هذا المضمار، ورغم ذلك، لم تيأس، فانتدبت الى الجيش حاليا لجاناً عسكرية اميركية تحت عنوان المساعدة في تطوير مناهج التعليم والنظم اللوجستية، ووعدت بمساعدات قد تصل الى 700 مليون دولار ( منذ العام 2005 وحتى آخر العام 2011) وهي مستمرة في سعيها، الذي لن يوقفه الا قرار سياسي باعتماد الوجهة الاولى، وبالفعل هددت بقطع المساعدات، ووقف التعاون بعد معركة العديسة، وتقصّت عما اذا كان تصرف الجيش في العديسة هوالنهج الحقيقي المتبع، وهو القرار السياسي المعتمد. ثم وعدت بعدم تنفيذ التهديد، وأنها مستمرة في برنامجها، وهنا السؤال الكبير والأخطر: هل ان اميركا سمعت قراراً سياسياً مخالفاً لروح العديسة ويعيدنا الى سلوك ثكنة مرجعيون 2006؟ وهل ان اقتلاع الاشجار من العديسة كما طلبت “اسرائيل”، ثم اقتلاع النصوب على بوابة فاطمة في كفركلا داخل الارض اللبنانية، كما فرضت “اسرائيل”، هل ان هذا هوالترجمة الفعلية للقرار السياسي الذي أبلغ بالقنوات الدبلوماسية البعيدة عن التنصت الى الاميركيين؟ وان كان الأمر كذلك، فاننا نسأل هل سيكون التبرع اوتخصيص أموال للجيش لشراء السلاح من أجل جيش تراهن عليه أميركا، أو تحدد مهمته؟

وهنا تفيد المقارنة، حيث أنه بعد اتفاق الطائف، بني الجيش اللبناني على عقيدة تجعل منه جيشاً دفاعياً بوجه “اسرائيل”، أي حسب الوجهة الاولى، وهو رغم شح الاموال، والنقص في السلاح والعتاد والتجهيزات، تمكّن بالتنسيق مع المقاومة، من ان ينفذ ما أوكل اليه من مهام، أمناً ومشاركة بالتحرير وحماية لخطة اعادة البناء، والأهم من ذلك أنه استمر وطنياً موحداً بعد العام 2005، رغم الزلازل والاهتزازات الارتدادية التي ضربت النظام والبنية السياسية اللبنانية، اثرها. بخلاف الحال مع جيش بنته أميركا في العام 1982، حسب الوجهة الثانية ليكون جيشاً للداخل وجيش اتفاقية 17 ايار 1982، لكن الأمر لم يستقم له، حيث انتهى الوضع به الى الانقسام، بعد ما حل بالوطن من دمار ومآس نتيجة المواجهات بينه وبين المواطنين.

والآن يوضع اللبنانيون امام الاختيار، اي جيش تريدون هذا اوذاك؟……..

وقبل الاجابة على هذا السؤال الأساس، لا نرى فائدة من جمع الاموال، لا بل نرى فيها خطراً وشبهة مع استمرار سعي أميركا الحالي، والممالأة والارتهان لها، كما نراهما لدى قسم كبير من السياسيين اللبنانيين، وهم في مركز السلطة الآن، يصغون الى القرار الاميركي، ثم يصوغونه بأوامر تنفيذية شتى…

اذن احسموا مهمة الجيش قبل كل شيء – طبعا نحن لا نرى الا مهمته الدفاعية بوجه “اسرائيل”-، فان رفضتها اميركا – وسترفضها حتما – تكونون قد وفقتم الى الطريق الصحيحة وعندها لا بأس من ان يقسم اللبناني لقمته نصفين، يأكل نصفاً ويتبرع بالنصف الثاني لشراء سلاح للجيش، لانه به يشتري عزته وكرامته وسيادته الحقيقية.

ونحن نرى مؤشراً أخيراً في العودة إلى المجلس الأعلى للدفاع لتقرير قضية التسليح دون إثارة العقيدة القتالية، ما يعني استمرار الحال على حاله، مع مقولة ثلاثية الدفاع شعب وجيش ومقاومة على اعتبار أن رئيس المجلس الأعلى ومعظم أعضاء المجلس هم في ظاهر الأمر من مؤيدي الاتجاه الأول.

:::::

جريدة “البناء”، 2082010

الرابط

http://www.al-binaa.com/newversion/article.php?articleId=8949