على شرف المفاوضات: ادفنوا جثة المرحلة وابحثوا في خلق جديد

عادل سمارة

ليس هذا التقوُّل من جانبي في خانة العتاب واللوم وتعداد تمظهرات عجرفة الكيان وإدارة ظهره للمطالب الشكلية الناعمة المطواعة والمراوغة من الفلسطينيين وغيرهم، مطالب من طراز، وقف مؤقت للاستيطان، فتح طرق بين قرية وأخرى، زيادة بطاقات ال v.i.p تصريح دخول لمغنٍّ عربي يرتل التوراة على ارواح شهدائنا، أو منح جائزة لعضو كنيست يحمل اسماً عربياً.

ليس قولي هذا في نطاق تقديم النصائح الفنية في أصول التفاوض أو إتقان لسان غير عربي، ولا حشو رؤوس بثقافة التمنُّع لا الممانعة ولا حتى نقد للحكام العرب.

قد يكون جماع هذا المقال هو إن مجموعة من اللاعبين (العرب والأميركيين والأوروبيين والفلسطينيين) يدحرجون ما بينهم كرة التسوية حتى تصل إلى قدم نتنياهو الذهبية، فقدم السفاح تساوي ذهباً. هذا جوهر المفاوضات سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. وبهذا المعنى، لا قيمة تُذكر للإعلان عن بدء المفاوضات ولا عن درجة حرارتها لأن المهم أن المفاوضات:

· بين “الإسرائيليين” جميعا، وبين “فلسطينيين”

· وأن من يقررها هي الولايات المتحدة

· والولايات المتحدة توعز لإحدى أدواتها (الرباعية) بأن تعلن عن “بدءٍ” ما للمفاوضات بالنفخ في قرن الكبش العبري، فعند ربي فقط علم البدء الحقيقي بل اكثر من بدء وربما لا انقطاع. أما الحكام العرب فشغلهم قطع أنفاس الشعب وقد أضحى لا أنفاس له.

المسألة إذن: ما هو أوسلو

الدرس المستفاد من هذا الذهاب السهل والمطواع إلى المفاوضات هو كشف أوسع للمستور من أوسلو العاري والمعرَّى، وضوح أكثر لجوهر اتفاق أوسلو الذي مهما استطال لم ولن تتغير اسسه بل تترسخ. فاتفاق أوسلو لم يتوقف بل انتقل من مستوى إلى آخر وكل مستوى منفكاً عن أخيه لأن ما من مستوى يمكن البناء عليه. أوسلو بُنىً بنيوية متلاصقة إلى جانب بعضها لا علاقة بينها. وهذا يعني أن لا موقف ضد اوسلو من داخل مربع اوسلو بما هو مربع عقيم، فإما أن تقف خارجه وإما أن تكون ضمنه. لا مكان لأهل الأعراف في أوسلو، فكل من أُصيب بقبول أوسلو لا يُرجَّى، ومن يرى غير هذا فليختبر المستفيدين/ات من أوسلو واحداُ إثر الآخر، المستفيدين بأية درجة وفي اي مجال حتى لو كانوامثل عديد الحصى.

اتفاق أوسلو أميركي إسرائيلي في الأساس، وعليه بصمة بعض العرب وتوقيع فلسطيني. وعليه، فالمهم الجوهر، أي التأليف، هذا كتاب ألفته أميركا و”إسرائيل”. وعلى المقرئين الفلسطينين والعرب أن يقرأوا باسم سيدهم الذي علمهم: “التطبيع”

يعني اوسلو: الاعتراف بإسرائيل على المحتل 1948 وعلى أجزاء من المحتل 1967 دون أن يوضح هؤلاء…لماذا؟ وإلا كيف بقيت المستوطنات ولم يتم النص على خلعها، وكيف تم تضمين الاتفاق ضمان أمن المستوطنات وضمان توسعها “الطبيعي” نعم توسع طبيعي لشيىء وجوده ليس طبيعيا!. هذا لا يحصل إلا في أوسلو ـ ستان. وضمان امن “إسرائيل”، وهي التي تحتل كل الوطن. أليس الذين خلقوا “إسرائيل” هم الذين يحاصرون غزة كي لا يأتهيا السلاح حتى من الأنفاق. فالرصاصة في غزة تهدد البنتاغون، هكذا يقول العرب وليس العجم!

واتفاق اوسلو هو التطبيع بكل المستويات بدءا من الدخول من نقاط التفتيش الصهيوني على الجسور واحدا واحدا، وواحدة واحدة، من القائد السياسي او العسكري الكبير إلى كبير الشعراء إلى مثقفي التطبيع ومثقفاته بالطبع إلى عنصر المقاومة البسيط الذي تحول إلى شرطي في رام الله لا يحمل من بين شرطة الأرض سواه غدارة وعصا وحزمة كلبشات يكاد ينوء بها!

بموجب أوسلو تمت مغادرة المقاومة واقتناص عودة تطبيعية ليس إلى اساس الوطن، بل إلى الجزء الاستثنائي الذي سمح به الاحتلال، دون اكتراث بستة ملايين لاجىء. وأوسلو هي الوظائف والمناصب والامتيازات ودور الكمبرادور السياسي والاقتصادي والثقافي وحتى النفسي ناهيك عن الجنسي[1]، أوسلو هي 175 ألف وظيفة، وجيوش من المتقاعدين، ورواتب لمن رغب، وتقاعد مقابل النضال. لا بل اكثر، سوق مساومة، أنا ناضلت اكثر منك[2]، أريد راتبا اعلى وتقاعدا يليق بمستواي الفكري، فأنا مفكر احتاج إلى علاوة تفكير، أما أنت فمجرد “عسكري”، أو فلاح أو مزارع دواجن في أرقى أحوالك! وهذه جميعا تغرف من كيس تمويل أجنبي، مال سياسي، مال معولم، مال إمبريالي ومال معادي. حين يتحول الوطن إلى كيس نقود من الأجنبي، نكون قطيعاً حتى لو بوسعنا نقد ماركس وديريدا والمؤرخين الجدد وحتى السيد المسيح ونبي الإسلام.

أوسلو منظمات الأنجزة التي تعمل باسم التنمية وهي مواقع امتصاص التقدميين وتطبيعهم، وهي ضخ السيولة المالية لتحويل الثوريين إلى رخويات، هي مسارح التطبيع التي توفر دفئاً غربيا في ثقافة شرقية تنتهي إلى علاقات سفاح.

أوسلو هي تعبئة مقاعد المحاضرين في الجامعات بالواسطة السياسية بمثقفي التسوية والتخارج والخط المهيمن بغض النظر عن الكفاءة، ولا نقول الإخلاص. هي إفساد مستوى التعليم، واوسلو هي إنهاء الحركة الطلابية لذا لم يعترض أحد على اختراق الدول الغربية لدوائر الجامعات، التي تنتهي واحدة بعد أخرى مخصخصة للأجنبي المعادي سواء قلعة المركز أميركا أو بغاث الدول كالنرويج. وأوسلو هو خصي اتحاد العمال، فلا نضال نقابي رغم وجود الطبقات والاستغلال وحتى التشغيل بالسخرة. يمكننا أن نفهم عدم وجود نضال نقابي في الوظيفة العامة لأن رب المال خارجي، ولكن حين يكون رب المال صاحب عمل لا بد على الأقل من نضال مطلبي[3].

أوسلو هي خرق مختلف القيم بلا وازع من ضمير ولا حتى شحطة احمرار في الوجه (لتجميله على الأقل وليس للخفر)، هي تشجيع مطبعين عرباً وفلسطينيين للإتيان تحت ذل الاحتلال، وأوسلو هي فتح باب التموُّل والقبض من حيث أتى. ألم يطلب الحكم الذاتي من لقاء باريس الثاني 5 مليار فأعطي سبعة (أعطه يا غلام مائة ألف درهم) ولكن ليس لوجه الله! هل يفسر هذا فلتان التطبيع والتمويل. واوسلو هي اليسار الذي يرفض أوسلو باللون الأحمر، ويتمول بالأخضر سواء في أوساط سلطة الحكم الذاتي أو منظمات الأنجزة. يرفض اليسار اوسلو ويدخل الأرض المحتلة تحت حراب الاحتلال. ويرفض القومية العربية وينادي بدولة علمانية تحت حراب الكيان وجيشه، وينقد الإسلام السياسي على خلفية ماركسية تجهل أن ماركس لم يقاتل الأديان. اليسار الذي أغوى بعض قياديه بل رمزهم الحقيقي ابو علي مصطفى فدخل يحمل بطاقة هوية الاحتلال، يقدمها لجندي صهيوني كي ينظر في وجهه ويبتسم شماتة ويختمها ويقول له: ليخ (إمض). لذا كان جميلاً استشهاد الرجل، نعم كان أبهى واجمل[4].

حق العودة مقدس نعم، ولكن اي مجيء منذ أن قبل كل واحد وواحدة بالمجيء إلى المحتل 1967، مجيء نفر قليل إلى مكان وليس عودة إلى الوطن، بينما بقي ستة ملايين مشرد زعمنا جيعا النضال معهم ولهم، منذ ذلك الحدث الجلل كان لا بد من قطع موقف واتخاذ آخر. طوبى لمن فعل.

طوبى لمن اصر على الوطن، ورفض استبدال الوطن بمكان صغير منه وفيه، فالوطن لا يجزّأ، ولا يُقتسم مع العدو.

لذا لا غرابة

هل من غرابة إذن أن تعلن تلك السيدة/العدوة هيلاري كلينتون مزاد التفاوض على أرض كنعان؟

بل هل من غرابة أن لا يحتج أحد في الأرض المحتلة نفسها؟ قد يقول البعض: تخشى الناس القمع وجيش دايتون” هذا صحيح. ولكن أليس مصدر الإحباط الأكبر هو موافقة فصائل م ت ف على قرار السيدة ودولتها! وعالي الكعب من “تحفَّظ”. لهذا السبب او ذاك لا احتجاج! الا يدل هذا على درجة من اللامبالاة أيضاً. وعدم الاكتراث ليس بالضرورة أن يكون موقفا ثورياً، السلبية ليست حالة مقاومة، ولكنها بالحد الأدنى حالة عدم قبول، وإن كانت اقرب إلى الاستخذاء.

بعد تجميع العزم وشد الحزام على المواقف تحفظت بعض القوى على المفاوضات المباشرة. يا للمفارقة، فالتحفظ ليس سلوك أهل القضية بل موقف طرف صديق، طرف آخر. فهل تخارجت القوى المحلية لتصبح صيقة للشعب الفلسطيني! إن صح هذا فهو إبداع جديد في علم السياسة. يتحفظون ويبقون في نعيم أوسلو والأنجزة والمانحين!

كأن لا مرجعية سوى الاشتباك

ذات يوم كانت البندقية هي المرجعية لشعب مسلوب وطنه. ولا شك أن استلاب الوطن لا يفترض سوى مرجعية المقاومة. من هنا كان القبول بأوسلو كمرجعية صاغها الأعداء تحولا مصيرياً جوهره سلام راس المال/سلام التمويل.

لذا، لم تتم العودة منذ أوسلو وحتى إعلان السيدة كلينتون قبل ايام، لم تتم العودة إلى المرجعية الحقيقية وهي الناس، على الرغم من انحدار سقفهم، سقف الجمهور إلى ما يقارب القبول بالمرجعية “الكلينتونية”.

ولم تتم العودة إلى ثلاجات “المجلس الوطني” لأن فيه البعض ممن لم يتجمدوا بعد فيثيروا بالطبع بعد التعكير في كأس الصفا (فاسقني واشرب على أشلائه). ولم تتم العودة حتى إلى مجلس الحكم الذاتي رغم أنه ليس برلمانا حقيقياً. ولا يخفى أن تفكيك هذا المجلس هو تفكيك مؤبد.

وابعد من هذا، فقد تم اللجوء إلى الحكام العرب لأخذ تفويض منهم، والحكام العرب لا يمثلون الشعب العربي المجزّأ بوجودهم، فكيف لمن لا يمثل محكوميه أن يمثل من هم تحت وطأة الاحتلال؟ كيف لأنظمة لا تجرؤ على “تهريب” الحليب إلى غزة أن تخول اياً كان بالتفاوض على مصير وطن هو جزء من امة؟ كيف للقُطريين أن يرفعوا رأساً حقيقيةً في قضية قومية؟

ألم يحن الوقت للانفضاض من حول الجثة وقد غدا البُكاة جثثاً واللاعنون لها غرباناً. هي مرحلة ماتت فانفضوها، فطوبى لمن يتقن زرع الجنين لخلق الجديد: ببطء نعم، بفقر نعم، بمسيل الدم والدمع نعم، ولكن بكرامة نعم!


[1] في فترة الاحتلال المباشر لم نسمع عن أوكار استغلال أجساد النساء، أقصد أن الدعارة هي صنعة الرجال ولكن حتى هذه تلقى على النساء، أما في حقبة أوسلو فيمكن لمن رغب أن يرجع إلى تقرير اليونيفيم2008 عن الدعارة في الأرض المحتلة 1967. الدعارة التي تأنف الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في أرض كنعان أن تتابعها وتفضحها بينما نفس الهيأة تزعم مراقبة السلطة. كان طريفا يوم إصدار تقريرها في العام الماضي أن ضيوفها كانوا في اغلبهم، وفي أول المقاعد…من السلطة! هي ديمقراطية وشفافية لم يعهدها أرسطو في اثينا.

[2] قال لي ذات يوم زميل سابق في السجن: هل أخذت وضعك في السلطة؟ قلت اي اصطلاح جديد هذا. قال يعني رتبة؟ قلت انا لست جندياً، قال بل كنت سجيناً قلت هل اخذت أنت؟ قال نعم ضابط بثلاثة نجوم، قلت لكن كاراجك لتصليح السيارات عامر! قال هذا ثمن نضالي؟ قلت سيدي: أمام نجومك الثلاثة دعني أظل محاقاً.

[3] حدثني صديق من مخيم بلاطة أن عاملا طلب من صاحب عمل تشغيله فعرض عليه 70 شيكل في الأسبوع أي أقل من عشرين دولاراً، (هذا التحويل للدولار لمن يقبضون بالعملة الأعجمية)!

[4] أبو علي صطفى مناضل هذا صحيح، ولكن شديد الطيبة، وهذا ما مكَّن البعض من إغوائه ان النضال الحقيقي ممكن علنا في “ربوع” أوسلو ـ ستان. لم أذهب لاستقباله على الجسور الذليلة، ولا في مكان تسليم الناس عليه وأنا أعرفه من 1964 عملنا معا وسجنا معا. زراني في معتقل مخابرات أوسلوـ ستان في اريحا إثر بيان العشرين.

ـ يا رجل لم أراك إلا هنا (يقصد انني لم التقيه) قط.

قلت: كم أحبك يا رفيق، ولكن حين يضعك (وأشرت إلى الضابط الذي معه) هنا سأحضر لزيارتك قال: يعني لا مغير ولا مبدل.

قلت: أعطني ما يبرر التغيير كي أغير هنا.

مضى الرجل واختتم عمره بالشهادة، وهو جدير بها.

لو كنت اعلم يا ابا علي أنك ستأتي عبر جسر التطبيع لأخذتك معي في اعتقال 15 -12 1967. كان ذلك أجدى.