التسلّح الخيري

د٠ إيلي حدّاد

لم أكتب هذا المقال للردّ على التهجمات الشخصيّة التي أطلقها وزير الدفاع في مؤتمره الصحافي الأخير وذلك نزولاً عند رغبة المعلّم٠

ولكنني، كمواطن، لم أستطع إلتزام الصمت والوقوف متفرّجاً أمام مهزلة التبرّعات التي أطلقها في صدد تسليح الجيش والتي سترتدّ وبالاً على الجيش وعلى الوطن، خاصّة في هذا الزمن العصيب٠

أترى قد وجد معاليه الحلّ السحريّ لمشكلة التسلّح الفعّال والمستقلّ وهي مشكلة مستعصية عمرها من عمر الإنسان، عانت وتعاني منها الدول المستضعفة والتي صنّفها الأقوياء عالماً ثالثاً وما دون، عبر جمع التبرّعات؟

لقد أعلن معاليه فتح حساب خاص بهذا المجال في مصرف لبنان، مضيفاً فوراً أنّه تكرم، مع والده، بمبلغ مليار ليرة كأوّل تبرّع في هذا الحساب٠

امام هذا المشهد السورّيالي، تملّكني شعور بالرهبة وبالإنتماء الى عالم غير الذي ينتمي اليه معاليه والى وطن غير الذي يبنيه٠ هذا المزج بين العام والخاص او بين الرصانة والخفّة لا يحدث الا في لبنان٠

حاولت أن اتخيّل الخطوات التطبيقية التي قد تتبع بغية شحذ الهمم الطيّبة وتشجيع المتبرّعين٠ قد يقومون بتعهّد حفلات فنّية او سهرات على طريقة الفوند رايزينغ

او قد يوزّعون الصناديق امام دور العبادة وفي الإدارات الرسميّة لجمع الفراطة مثلاً كما تقوم حملة القطع الصفراء في فرنسا ( بييس جون)٠ او قد يطلقون برنامجاً تلفزيويّاً خاصّاً مثل برنامج التيليتون الفرنسي٠٠٠

وكانت كلّما بعدت بي الأفكار، كلّما إزدادت مخاوفي على حاضر الوطن و مستقبله٠ كيف يمكن لوزير بهذا القدر من المسؤوليّة ان يدير مشروعاً بهذه الخطورة كمن يدير جمعيّة للبرّ والإحسان ٠ كيف يمكن أن نتصوّر ان نبقي الجيش رهينة الحسنات وأعمال الخير كمتسوّل يستعطي؟

لا أخال معاليه جاهلاً بالسلبيّات الكبيرة لهذه الأفكار وأهمّها إثنتان٠ اولاها الإنكشاف امام العدوّ المتربّص والذي سيصفّق إستهزاء بتواضعنا وضعفنا٠ وثانيها ربط التسلّح بمصادر تمويل غير ثابتة في وقت يستلزم هذا التسلّح تمويناً مستمراً ومضموناً لتلافي اي نقص في العدّة والمؤونة٠

إن اردنا ان نسلّح الجيش بشكل جدّي يؤمّن حماية الحدود ويذود عن الحياض، فلذلك أصول تبدأ بخطّة دفاعيّة متكاملة ومحكمة، تحدّد المستلزمات من عدّة وعديد، وتبيّن بالأرقام المبالغ المطلوبة وتبني تصوّراً واضحاً لتأمين التمويل اللازم بشكل ثابت ومستمرّ وواقعيّ مع الإعتماد بشكل أساسيّ على الإمكانات الذاتيّة للدولة والبناء على اساس هذه الإمكانات٠

اما إذا اردنا إشراك القطاع المدني في هذه الخطّة، إن من حيث الدعم المادّي او من حيث التطوّع، فهذا ممكن لا بل محبّذ شرط أن يبقى رديفاً للخطّة الأساسيّة وعاملاً داعماً وليس بديلاً لها على الإطلاق٠

وقد سبق وأثبت هذا النظام الدّفاعيّ فعّاليّته في نهاية الثمانينات، حين خاض الجيش الّلبناني إحدى أشرس مواجهاته، معتمداً فيها بشكلٍ أساسيّ على إمكاناته الذاتيّة، قويّاً بصلابة قيادته وإيمان عسكره٠ وقد جاء الدعم الشعبيّ من خلال إنخراط الشباب في صفوف الأنصار او من خلال الدّعم الماديّ ليعزّز صمود الجيش ويشدّ من أزره٠

إن أسطورة أخوت شانيه رائعة ولكنّها قد لا تتكرّر٠ في مسرحيّة الشخص يقول المحامي للبيّاعة ” يللي بيدفع بندورة بتروح دعوتو سلاطة”٠ دعونا إذاً نبني هذا الوطن بخبرة ورصانة تليق بشعبنا العظيم وتاريخنا المجيد وجيشنا البطل٠
:::::

د٠ إيلي حدّاد
فرنسا
elie.haddad@rplfrance.org

المصدر: الموقع الرسمي للتيار الوطني الحر http://www.tayyar.org

الرابط:

http://www.tayyar.org/Tayyar/News/PoliticalNews/ar-LB/Elie-Haddad-mt-8.htm