ديالكتيك الحزن والغناء والعمل

هناك: كان فُطام الإنسان عن ثدي الطبيعة

فجاء غناء العراق حزيناً

عادل سمارة

ملاحظة للأمانة والمرجعية: قرأت أمس مقالة لِ حسين سرمك حسن طبيب نفسي وباحث بعنوان: الحزن في الغناء العراقي: انين يمتد من “سومر” إلى “الجبايش”، وذلك في مجلة فكر العدد 109-110 آذار- نيسان-أيار – حزيران 2010.

إلى أحمد حسين وقد كتب : “بالحزن افرح من جديد”

يأتي الحزن في الليل، وبه يليق. الليالي تفاصيل الليل بإطلاقه وامتداده، وهي أم الحزن تأخذك إلى حدِّ تُؤخذ معها وبها، تتذكر أو تقرأ ما تحن إليه الليالي العتيمات في الشرق والشرق أول التاريخ والحكمة والفلسفة، أول الحزن ومنتهاه. هي الهدأة والوحشة والتفرد والتأمل متواشجة ليكون الحزن وليدها. هنا مولد الجدل في طباق لا متناهٍ، ديالكتيك الطبيعة والإنسان قبل تذابح الإنسان والإنسان الآخر الذي يحمله كل منا في داخله إلى أن تُدم العملة وتُمحى الدولة ويُشِيْعُ كل إنسان جهده.

هو الليل إذن، صنو الحزن الذي يختار لك الكتاب، القصيدة أو المقال لتقرأ له كي يترنم ويبكي قطرات ندىً وانت ترتل لروح الشرق التي يقتلها النهار بالجشع والسوق والمنافسة والعملة والدولة والجند والعسسِ، ويبعث فيها الحياة الليل. يُميتها النهار ويُحييها الليلُ هي الروح المعذّبة منذ البدء إلى غير ما تاريخ.

ما كان الحزن ضعفاً كما يُرى او يُصور، فللحزن جدليته المورقة قوة وتماسكاً وإبداعا وشغلا وحبا وعناداً وثورة.

شاقتني كي أكتب هذا قراءة أخذتني إليها ليلة صيف في فلسطين/ جنوب سوريا كما يحلو لي أن أردد. في حزن الليل تنسى الاحتلال الذي لا يأتيك إلا في الليل فأية مفارقة بل تناقض مُريع هذا! كيف يفتك الفاشيست بطيبة الليل وطعم الحزن ولونه! يحرمك الاحتلال من هدأة الليل ويأخذ جسدك قبل بزوغ الصباح ولا يبقى حراً سوى وعيك الذي لا يُعتقل والوعي مقتدر على الخروج من زنازين الفاشي إلى آفاق المجرات.

في حزن الليل تتجمع النفس بعد ان بددتها قوى النهار في الحرب وفي القتل وفي الربح وفي السوق وفي النهب وفي الاقتتال على ما يمتع ولا يمتع، هذا ما يعطي لليل حزنه وإعادة التماسك من أجل يوم آخر.

يكاد كاتب المقال ان ينسب الحزن بل مبتداه إلى العراق، ولست أخالفه لو فعل. هو العراق إذن، أول الإنسانية المدنية (ما يسمونها الحضارة)، أول القانون وأول الدول. وكأن بِدءَ الإنسان بالحزن قبل الوعي. أليس حزينا هذا المخلوق الغريب المتنوع وهو يصارع حر الجنوب وبرد الشمال في العراق؟ يسبق الألم مفهوم الألم، فالحزن هو التحدي إذن؟ هو الصراع مع الطبيعة، بدء الأمومة. والصراع مع الطبيعة ليس تناحريا بالقطع، هو رغبة الأم بنقل الوليد إلى الفُطام، لولا الفطام عن الطبيعة ما كان العمل ولا كان الإنسان الذي أنتج الفلسفة والحب والشعر والموسيقى.

فراق الأم بالفطام حالة حزن لا ريب، هذا قِدَم العراق والعراق قدم الحزن، هكذا كان وهكذا الآن.

قد أخالف الكاتب بأن الحزن والتشاؤم في سلوك الفرد العراقي هو القاعدة”، عدا أن الحزن والشتاؤم يقودان العراقي إلى التحدي فليس الحزين ضعيفاً وليس البكاء انهياراً، بل مقاومةً في الحالتين. وحين يجف الحزن منقولاً إلى ومرتفعاً إلى حد التشاؤم يكون اشتباكاً.

أول الحزن فكاك الرضيع عن الثدي بعد خطيئة الجنس ودنسه، هذا جدل الدنس والولادة وتحول الوليد إلى العمل والحب والثورة في دورة لا تنتهي. هنا يتحول الحب إلى حزن ينهيك ولا ينتهي، ترحل ويبقى لتمضي وأنت على يقين أنك باقٍ.

يرى الكاتب في حزن سومر بدء الحزن لدى الإنسان. جميل هذا القول وحزين ايضاً. هناك إذن بدء الفصل والانفصال عن ثدي الطبيعة في جدل يعيش مع الأبد الأبيد فلا الأم ماتت ولا الوليد عنها في غنى، هذا الصراع الأبدي للإنسانية إذن. أما وقد كان الشرق، شرقنا نحن بدايته فلماذا لا تذبحنا اليد البيضاء ذات القلب الممرور بالسواد؟ هي لا تطيق روح الشرق الحزين فشتان بين القيثارة وطبول المنافسة والنهب والنفط وحرب النووي.

ومن الطبيعة الأم إلى المرأة الأم في سومر حيث يليق الحزن بالمرأة، وإليها يُنسب “وسومر حضارة أمومية الطابع”. فلماذا لا يأتي الغناء حزيناً؟ والمرأة بنت الطبيعة وامتداد ثديها في صورة سوريالية. امتداداً يقطعه الذكر كي يصنع وليداً آخر يحمل معه تعب الامتلاك والبيع ويحفظ مثله “دعاء الدخول إلى السوق كي يربح”. يدعو الكل رب الأرض والسماء كي يربح من الذي يخسر إذن؟ هي المرأة.

يقول الكاتب “أن الغناء السومري تمثل في الأصل برأس ابن آوى ذي الصوت الحزين الذي يوحي بالخوف”. هو صوت ابن آوى إذن، حتى اللحظة لم أتنبه، وأنا الريفي حياةً ومماتً أن ابن آوى يختفي في النهار وينمو مع الليلٍ حيث الهدأة وتنفيس الأوجاع وكأن ابن آوى صورة الاغتراب الذي يغتصب الجهد قبل تحوله إلى قيمة تبادلية. يبكي ابن آوى في الليل إذن. ويقول الكاتب لذا، “أتت الأغاني والتراتيل السومرية مشابهة في ادائها لصوت ابن آوى”. وهل يعرف الكاتب أن بعض هذا هو في الشام كذلك وفي الجزء المحتل منه!

ويقول بأن “أُكَّدَ” هي ايضا حزينة الغناء لأنها تخصصت في ” إنشاد الأغاني الدينية الحزينة”. والدين عموما كتاب حزن سواء بالتوق الصوفي إلى الله أو بالحرمان على الأرض أو بالتوجع من الظلم أو بوعي الاغتراب ولا وعيه. إذا كان العراق هو العتيق مع الطبيعة وهو العتيق مع الدين فلا غرو ولا نشاز بأن يكون العتيق مع الحزن؟

ويضيف الكاتب “لذا ظهرت في السومرية والأكدية المرأة الخبيرة في تنزيل دموع الآخرين وقد اسموها “أم البكاء” كما وجدت لهجة في اللغة السومرية تعني حرفيا “لغة النساء” وهي التي تشتمل على الرثاء”.

كيف لا تُطوِّحُ بعيداً عن مخدعك كتب المال والحسابات وتبادل القيمة، كيف لا تمضي في رحاب الحزن المورق صّدّاَ ورداً ليحيي روح الشرق المولع بالولادة والموت معاً!

ولكن، اين تكمن الحقيقة في الوجود، في الفن، كما يقول هيدجر، هل تحدث في الفن أم تحدث في الحزن؟ لا بل يؤسس لها في الحزن بما هو الإصرار على البقاء تواصلاً مع ثدي الطبيعة، الإصرار الذي يدفعه الفطام إلى العمل، الحزن منبع الفعل والنهوض والتماسُك هو الإنتاج معموراً بمتعة الألم. أما الفن فيأتي في تعويض الثدي بقطرات صغيرة يحاول الإنسان فيها أن يحولها إلى نهر من اللبن والعسل. هذه بالضبط وبالتحديد مسعاة الإنسان إلى الخلود ولم تحصل. وبهذا المعنى لو جاز لي قول ما اقول، فإن الفن سِجِلَّ تجليات العمل الناتج عن فعل الحزن وتفعيله، ولا أعني هنا الحزن المركب على إطلاق الاكتآب والجزع من البوْح.

كان هيدجر معجبا بالشاعر هيلدرلين وخاصة قوله:

“مثلما يكون في يوم عيد يغادر الفلاح باكراً ليراقب الحقل “. حتى في عيده يسترق اللحظة التي ليست له وحده ليسرق رضعة من الطبيعة، هكذا كان ابي.