ألبوتقة: من الإحتلال إلى الإحلال

أحمد حسين

تمهيد

ما أثارني لكتابة هذا المقال، كان مجموعة من التداعيات القديمة التي أسهمت في تشكيل صورة النكبة الشاملة والفريدة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، في وعيي. لقد عشنا كفلسطينيين لحظة بلحظة داخل بوتقة هذه النكبة الفريدة المثيرة للذهول، دون أن يسمح لنا ولو للحظة واحدة للإختلاء،افرادا أو شعبا، بوعينا ومحاولة فهم أو استشعار ما حصل لنا. كان عقل المنفذين الحديث والمشبع بالخبرة والتجربة، يدرك مدى فرادة مشروعه الإحلالي غير المسبوق، وأن أقل آلياته أهمية هو السلاح. فهم سيداهمون شعبا غافلا وأعزل تماما، وأن تدمير بيوت الفلاحين المتواضعة، وتشريدهم من فنائهم الحيوي بالكامل واحتلاله ليس أمامه أية عوائق فعلية. ولكن ماذا بعد؟

القضية لم تكن في العقل الأوروبي ما بعد الإستعماري، قضية قاعدة عسكرية، أو غزوا مرحليا. فهذا اللون المكلف وغير المستقر من التواجد قد تم تجاوزه وخاصة بالنسبة للمنطقة العربية كأهم حقول الواقع الأمبريالي الجديد والقديم، والفناء الحيوي الأهم والأخطر والأقرب لأوروبا من ناحية، وبالنسبة لمقاييس الجدوى والهدف في مرحلة ما بعد الإقتصاد الإجتماعي من ناحية أخرى. والتحكم عن بعد بهذه القارة، وإنسانها الحديث العهد نسبيا بحضارة شاملة، سيئة التكوين، ولكن المتغللة بشكل غير معهود في نفوس أصحابها، يبدو احتمالا مفرطا في التفاؤل. كان المطلوب هو تحويل هذه المنطقة، التي ستحدد هويتها السياسية والنهضوية المصير الأوروبي سلبا وإيجابا، إلى ساحة خلفية لأوروبا بكل ما يعنيه ذلك من هيمنة وتحكم مباشر إلى الأبد الإستراتيجي الممكن. وهذا ليس سهلا بمقاييس المعجزات التي يصنعها البشر.

منذ القرن الثامن عشر، والساسة والأوروبيون يتحدثون عن وطن قومي لليهود في فلسطين. لم يكن الإهتمام بهذه الأسطورة الدينية صدفة بالطبع. إن إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين يعني للأوروبيين، إقامة وطن قومي أوروبي في المنطقة، يعادل وجودا سياسيا واجتماعيا عفويا، ويشكل جزءا مسلما به من بنية المنطقة الجيوبولوتية، وليس ما يعادل قاعدة عسكرية أو استيطانا بالقوة وحدها. فهل هذا ممكن عمليا؟

كان الإستشراق السياسي الغربي، هو العلم الذي يشكل الدخيلة النوعية للأوروبي عموما. وكانت دخيلة تقوم على العداء والشجب المجاني للشرق وشعوبه وحضارته بوصفه غير أوروبي وغير مسيحي. أي همجي بالنتيجة. هذه المجانية التي كانت تغذيها قصص التوراة والإنجيل ( إذهبي يا أمرأة! من يرمي خبز الأبناء للكلاب؟ إنما بعثت إلى خراف إسرائيل الضالة. ) هي التي أوحت بتأسيس علم الإستشراق على أسس استراتيجية استهدافية لخدمة الأهداف الإمبريالية، بروح مسيحية صهيونية مسبقة. لقد استمد الإستشراق وجهته البحثية من مجانية العداء المسبق، ولكنه لم يكن علما لخداع الذات وإنما علما لخدمة الذات، باستغلال واقع الآمر، لتكوين واقع الحال. كان آلية علمية مخلصة وموضوعية أحيانا، لفهم الآخر من أجل الإيقاع به.

ولعل هذا هو ماحدث بالضبط. كانت الثقافة الهجرية حقلا مفتوحا للتلاعب، بتناقضاتها ومضمونها التاريخي غير المنطقي. كان الهجري أسبر ملابسة تاريخية ملزمة عقديا وإيمانيا، وبالتالي سلوكيا، حرمته من جدله التاريخي المفترض، وساقته في دهليز من التطور الفريد، المخالف للتجربة على طول الخط. لذلك فإن العقل الإستشراقي الأوروبي الصهيوني، أدرك أن مهمة الإحلال الجيوبوليتي الأوروبية اليهودية، ليست سهلة ولكنها غير مستحيلة، بفرادة العلاقة الخاصة بين اليهودية والهجرية، من ناحية، وبسيطرة هذه العلاقة، على باطن الوعي والإلتزام المعرفي والسلوكي للهجري، أي ل” اليهودي الذي يركب جوادا”.

أدرك الإستشراق السياسي الأوروبي سهولة التلاعب بواقع الوعي، والبنية النفسية للفلاح والعامل والإقطاعي والبرجوإقطاعي الفلسطيني الهجري، وعلى ذلك اعتمد في صياعة العينة الفلسطينية المعاصرة، التي لم تستطع كل التجارب الدموية والمكررة بعدها، أن تخترق سماكة وعيها الهجري، وتحوله إلى إنسان عادي. لقد حول الفعل الإستشراي التمهيدي وعيه إلى بوتقة ذاتية تحت السيطرة، وساقه بخطى مدروسة نحو انتحاره الذاتي. لقد كان عليه، بمنطق الوعي العادي، أن يدرك شبهات المشهد، ولكن ذلك لم يخطر بباله. ربما كانت هناك محاولات فردية نادرة للخروج مؤخرا من البوتقة، والصراخ داخلها، ولكن طاقم المختبر كان دائما جاهزا لاستئصال أولئك الأفراد عند مرحلة الصراخ، سواء كانوا رجال قلم من كل الأنواع، أو كوادر سياسية ثوعية أحس وعيها الخاص، بالنكبة التمهيدية. وحتي بعد أن بدأت الهجرة ” اليهودية” المنظمة لفلسطين، وأصبح الحديث يجري علنا عن علاقة يهودية خاصة بفلسطين، لم يثر ذلك استغراب الفلسطيني العادي الذي كان يحمل معرفة إيمانية عميقة بتلك العلاقة، مصدرها النص الديني الصريح، وانعكاساته على آليات الدس التمهيدية التي حملها الإعلام الأصفر للمشروع، على شكل قصص مروية عن الدجال، والحجارة الناطقة. كانت هذه الخرافات المتقنة هي يومية الفلسطيني السياسية الوحيدة، في مجالس السمر، ودواوين الصيف والشتاء الفلسطينية. وكان افتراض أن أبناء الميتة ( اليهود ) يمكن أن يتغلبوا على الفلسطينيين أمرا مثيرا للإستهجان والضحك. هذا اللون من التعبئة السلبية، هو الذي جعل الفلسطينيين يتحدثون عن التسلح بالعصي وعبوات الصفيح الفارغة لإخافة اليهود.

عندما حدثت النكبة، كان الفلسطيني معدا مخبريا لدخول بوتقة التضييع، والإنشغال بسياق نكبوي جديد، هو طروحات التسليم بما حدث. وكان المشروع قد أعد لذلك خططه وآلياته وسيناريوهاته إعدادا دقيقا. حتى رغم تنوع المواقع الفلسطينية بعد التشريد ظلت البوتقة واحدة، أساسها عملاء المشروع الموحدي السحنة. لقد تم تطويع السلوك وردة الفعل للفلسطيني عبر وسائل استشراقية مدروسة ومؤللة بالعنصر البشري المجند محليا، قبل أجيال من دخول النكبة حيز التنفيذ. كل لغط موجه للمشروع، كانت مهمته الإبتعاد بالفلسطينيين عن أي وعي لواقع النكبة التي اعتبروها ” صراعا طائفيا مع اليهود ” حول فلسطين. فقد كان الإسلام يعترف بالأسطورة اليهودية بحذافيرها كأساس للعقيدة، أية عقيدة سماوية، ولكنه كان يعتبر أن الإسلام هو وريث اليهودية الأورثوذكسية الشرعي، وعلى هذا الأساس كانت أحقيته على فلسطين، وليس لأي اعتبار آخر له علاقة بدنيوية الصراع، أو كون الصهيونية متعهدا أوروبيا وليس يهوديا فقط. هذا الباب ” الشرعي ” هو الذي تسللت منه الصهيونية إلى حلبة الترافع الطائفي المتساوي الحيثيات، والترافع التاريخي الذي كان الإسلام يؤكد عليه تاريخيا، ويلغيه طائفيا، بحكم كونه وريثا ” لملك داوود وسليمان ” العبريين، وتحت سمع وبصر الفلسطيني العادي الذي كان طرفا إيجابيا فيه. والنادر فقط من سور القرآن، التي لا تتطرق لوجهة النظر هذه من خلال الشجب الطائفي لليهود المحرفين والإشادة بجيل العبريين، ثم بجيل الإسرائليين، حتى أواخر عهد النبوة التوراتي. هذه السور القرآنية ظلت تتلى عدة مرات يوميا على أسماع المؤمنين في كل الحواضر والدساكر والقرى الإسلامية، وانتقلت بحرفيتها الإيمانية مع الفلسطينيين إلى مخيمات الشتات، ومعها اليقين أن انتصار المسلمين على اليهود في فلسطين أمر محتم، ولكنه سيناريو قدري ترويه الأيات والأحاديث النبوية، ويردد يوميا في كل مكان. وكان السجال الطائفي والديني مع اليهود ( المشروع الغربي ) هو الوعي المسيطر خلال كل السياقات التي عبرتها النكبة تحت وصاية السياسة، نحو تفريغ الوجود الفلسطيني من تاريخيته الواقعية في فلسطين، والذي أدى في النهاية إلى واقع ” المفاوضات ” الذي نراه اليوم. لم يكن بالإمكان حدوث ما نرى اليوم من ضياع وتفكك وإباحية سياسية وحقوقية واجتماعية، في صفوف ” سكان فلسطين العرب ” لو كان الفلسطيني يدرك منذ البداية مصطلحه الواقعي في فلسطين.

في الحقيقة لم يكن بد مما حدث ويحدث اليوم للفلسطينيين، لسببين أساسيين:

أولهما: أن الفلسطيني الهجري كان ضحية في منتهى الإيجابية والتفاعل الأعمى مع توظيفات المشروع للثقافة والعقيدة الهجرية المعادية له سياسيا وتاريخيا. ولم يكن مستعدا لأية مقاومة للغزو، سواء على مستوى الوعي، أو مستوى الأهلية العملية. لذلك نجح المشروع في تمرير النكبة ميدانيا بمجانية نسبية كبيرة.

وثانيهما: أن المشروع لم يعتمد الإرتجال في أية مرحلة من مراحله. وكان التناغم بين الواقع المرحلي وآليات التنفيذ الميدانية، يبلغ درجة تفوق كل التوقعات، بفضل كمال التنبؤ النظري والعملى، والقدرة بذلك على الإعداد الحركي المسبق لكل آلياته. وقبل اكتمال الإحتلال التدريجي لكل فلسطين، بدأت تلك الأليات عملها لتمرير وتكريس واقع الإحتلال،على المستوي المحلي والدولي. ومع أن كل شئ كان مضمونا دوليا بملكية المشروع، إلا أن المستقبل الإحلالي الجيو بوليتي للمشروع، كان مرهونا بأخلاقية ثقافية مساعدة للتمرير. فالقوة المجردة تحقق إنجاز الوقائع على الأرض، ولكن تبني الواقعة ثقافيا ووعيويا من جانب الآخر، هو الباب الذي يمنحها فرصة التسلل الوحيدة إلى مواقع الإستدراج والنفي والإستبدال. أي تحول الواقعة من الإحتلال إلى الإحلال. بعد واقع النكبة، أصبحت القضية بالنسبة للفلسطيني، أبعد من أية هلوسات وعيوية وثقافية. أصبحت واقعا دمويا، واقتلاعا بالقوة، وفرضت وعيها النسبي على الكثيرين. كان على المشروع أن يبدأ مرحلته التالية من التضييع السياسي والوطني في صميم الوعي النسبي للفلسطينيين. كانت الصهيونية قد أصبحت سيدة المرحلة الأوروبية بكل تفاصيلها، واستطاعت أن تظف سيطرتها على اليسار الشيوعي والإشتراكي وحركات التحرر المكتبي، في أوروبا إلى آلية صهيونية غيديولوجية لاحتضان مرحلة التضييع والتطبيع وقبول الأخر والشراكة التحررية بين شعبي فلسطين ومحاربة الرجعية في الجانبين. وكانت المقولة الشائعة لليسار أن الرجعية الفلسطينية هي عدوة الفلسطينيين الأولى، وليس الصهيونية ” حركة التحرر القومي اليهودي “. لقد أضاعت الرجعية العربية فلسطين ” وحقوق ” شعبها الفلسطيني، ليس بالخيانة والتآمر مع الصهيونية، ولكن بمعاداته للتحرر اليهودي ورفض التقسيم. وكما هو معروف فقد تأسست الأحزاب الشيوعي في فلسطين وبعض الدول العربية على مشارف النكبة. وكانت كلها بالطبع أممية. والأممية التي قدمت للفلسطينيين مفادها أن قبول الآخر التحرري، هو قمة الوعي الأممي. وقد تشكلت هذه الألية المرحلية من الوحدة التنظيمية السرية بين حزب فهد في العراق، وبكداش في سوريا، والحزب الشيوعي الإسرائيلي في عموم فلسطين ومخيمات الشتات. وكان هذا الأخير هو المركز التنظيمي ” التنويري ” لهذه الآلية. وقد كان هذا التنوير الوعيوي هو أخطر ما منيت به قضية الشعب الفلسطيني وأدت في النهاية إلى المفاوضات، والسقوط الوطني الفلسطيني إلى حضيض العملاء والمفاوضين والمطبعين باسم التحرر.

وعندما فضح المشروع كل آلياته بشكل تراجعي، لأهداف تمزيقية وتيئيسية، على مشارف التهويد، أي ” ما بعد الصهيونية “، لم يعد أمام اليسار ما يفعله بنفسه، سوى المنافسة مع ” الرفاقيات القديمة ” على التموضع داخل السوق الليبرالية، في الشرق الأوسط الجديد.

معظم هذا الكلام مكرر لأنه تاريخ ” قديم “. ولكن لماذا يحق لأصحاب هذا التاريخ أن يكرروا أنفسهم بين الفينة والأخرى، ليذكرونا أن الحرب قد وضعت أوزارها؟ لذلك رأيت في مقالة كتبها أحدهم قبل أيام حول اضطهاد ” العرب ” في قاعات مطار اللد، مدخلا للكلام في المرحلة الأخيرة – كما يبدو – لرحلتنا التعيسة داخل دهليز الملحمة.

القضية ليست قضية أمن ولا مطارات يا سيدي. ألقضية تتعلق بما يسميه العنصريون ” ما بعد الصهيونية “. أي دستور العنصرية البناءة. ألمطلوب اليوم فنيا هو توفير آليات استكمل النفي الفلسطيني بالتهجيرالمباشر. وقضية مثل قضية التفتيش في المطارات ليست سوى فذلكة عنصرية مزاجية. ولن يترك الفلسطيني بلاده بسبب التفتيش في ملابسه الداخلية. فمن لا يريد أن يعبثوا بخصوصياته الجسدية يستطيع أن يمتنع عن السفر. وقد تكون قضية المطارات تضييقا على سفر الفلسطينيين لتوفير ساعات عمل أمنية إضافية، ولكنها ليست القضية التي على صحيفة الإتحاد أو كتابها متابعتها بهذا التطويل والتفصيل وحفاوة الشجب.

لقد اعتادت الإتحاد طيلة عمرها الأول كصحيفة للتعاقد مع واقع الحال، التركيز على الفذلكات السياسية الأمنة، التي تصلح للتطبيل فوق رؤوس الناخبين، بدون إثارة حساسيات خلافية حقيقية. كان الهدف هو التطبيع مع النكبة، لتحويل فلسطينيي النكبة إلى مواطنين صالحين، أي إلى ناخبين. ومواصلة هذا الأسلوب لم تعد مجدية حتى حزبيا. الواقع يفرض نفسه، والمسالة الآن مسألة بقاء وليس شروط بقاء كما كانت. والملاحقة العنصرية اليوم تتم على صعيد يضع الفلسطيني أمام خيار واحد فقط، هو الهجرة. بإمكانه ألا يسافر إلى الخارج للإستجمام أو السياحة السياسية. ولكن ليس بإمكانه ألا يجوع أو يمرض. وعندما تنشر العنصرية عباءتها على الخبز والدواء فلن يستطيع أحد الصمود.

ما كان كان. لم يعد هناك فذلكات عنصرية هدفها تكييف الأوضاع فقط في مرحلة التثبيت. هناك الآن عنصرية ممنهجة آلياتها البشرية متوفرة، وما هو لازم هو تفعيلها فقط، ودعمها مؤسساتيا. وهي تشمل كل الفلسطينيين بما فيهم أولئك المتعاقدين اليساريين ليس فقط لانتهاء دورهم التطبيعي مع النكبة، ومؤسسات العمل الصهيوني، البديلة عن مفروض الوطن الفلسطيني المستقل، بل لأنهم ” عرب إسرائيليون ” في الماضي، وبزوال هذا المصطلح من الذهن السياسي لما بعد مرحلة التعاقد، عادوا ليصبحوا ” فلسطينيين “.

لقد انتهت مرحلة تثبيت جسد الواقعة الصهيونية ميدانيا، وبدأت مرحلة التثبيت الجيوبوليتي لها، بنفي الآخر الفلسطيني كمصطلح وجود من تداولات الجيوبولوتيك من الذهن السياسي والتاريخي. وليس هناك في إسرائيل من كان

يفكر في دولة يهودية سوى كهنة حزقيا. ولكن يهودية الدولة هو تفعيل مرحلى للعنصرية الدينية والقومية، لجعل حياة الفلسطينيين في إسرائيل مستحيلة. إنهم يشكلون أكثر المواقع الفلسطينية استئنافا على النفي الفلسطيني، والتثبيت التاريخي للواقعة جيوبوليتيا، بوصفهم إشارة ضمنية وصميمية دائمة لسكان ” فلسطين ” الآصليين. وتهجيرهم ممكن ليس بتفتيش ملابسهم في المطارات، ولكن بموجة عنصرية مجنونة، تحول بينهم وبين الخبز والدواء. فلتبعث الإتحاد بكتابها ومراسليها إذن إلى مواقع الخبز والدواء وليس إلى مواقع السفر السياحي. لترسل هؤلاء إلى مواقع البطالة والتأمين الوطني وصندوق المرضى، لتنقل معاناة أولئك الذين دفعوا نصف ساعات كدهم طيلة العمر للتأمين والضريبة وصندوق المرضى، وهم يدفعون الآن مخصصات تأمينهم الشهرية لصندوق المرضى ثمنا للدواء، ويبقون بدون خبز، أو يدفعونها ثمنا للخبز ويبقون بدون دواء. لينقلوا معاناة الأكثرية الصامتة التي تطوح بها العنصرية من نوافذ المستشفيات والعيادات وأماكن العمل، لتعيش ما تبقى لها مع آلام الجسد والنفس. ليبحثوا في الحكايات الموثقة عن شواهد المنهج الإدارية، ليعرفوا أن عجلة ما بعد الصهيونية قد دارت، وأن جغرافيا العنصرية ستلفظ كل ” الجوييم “، من فلسطين وليس من المطارات. هل تعرف الإتحاد أن وزارة الصحة مثلا تبعث بردود مكتوبة للمشتكين من العرب على سوء المعاملة والعناية الطبية في صندوق المرضى، بأنها لاتستطيع التدخل فيما يفعله الصندوق بأية حال من الأحوال. موثق؟ وأنها أيضا ليس لها أية صلاحية للتدخل فيما تقرره أقسام وزارة الصحة اللوائية التابعة لها، حتى ولو كانت خاطئة. موثق؟ هل تعرف الإتحاد أن حرمان أي عربي من حقوقه لم يعد بحاجة لمنطق حقوقي أو قانوني، لأن التساند العنصري بين الأجهزة المعنية قائم في حدوده القصوى. موثق؟ لن يقوموا بتهجيرنا عبر المطارات. ولن نترك وطننا ونرحل بسبب العبث بملابسنا الداخلية. سنفعل ذلك فقط بسبب الخبز والدواء والماء والهواء. فما هذا الحديث عن التفتيش في المطارات في هذه المرحلة المصيرية يا سيدي؟

إن كبسولات العنصرية منعوفة اليوم تحت أقدام الفلسطينيين مثل قنابل لبنان العنقودية. أينما توجه الفلسطيني البسيط، أو المدموغ سياسيا، فمن المؤكد تقريبا، أن تنفجر في وجهه إحدى هذه الكبسولات العنصرية، وتكون النتيجة أن تنغلق في وجهه كل أبواب الدخول، وترحب به أبواب الخروج بحرارة. ويجد نفسه على مقعده، أو سريره في بيته وراء باب اللاعودة. لقد كانت هذه الكسولات البشرية، من مثقفي يديعوت أحرونوت ومعريب ومباط وأسواق الخضار المركزية، متوفرة دائما، ولكن نسبة الإنضباط المدني كانت عالية في فترة تلك الفترة بين الكبسولات، لأن سياسة فصل الفلسطيني عن هويته وماضيه وتحويله إلى عبوة فارغة، كانت هي الهدف.

لماذا يصر اليسار العالمي عموما على متابعة الرقص على حبل الليبرالية باسم الشيوعية والإشتراكية؟ لماذا يواصل الشيوعي الإسرائيلي، واليساري العالمي اليوم ” لعبة الصهيوني الفاضل ” علنا، مع أن هذا الموقف لم يعد مجديا سياسيا. وداخل إسرائيل لم يعد مجديا حتى تعاقديا، بل على العكس، هناك من يدفع الفلسطينيين في إسرائيل دفعا إلى التطرف، بواسطة الإستفزاز. فهل بدأت مرحلة جديدة من التعاقد تريد شغلنا بالتفتيش في المطارات عن نكبة التهجير القادمة؟

في المرحلة التنعيسية، أي فترة سيطرة الديموقراطية الحسناء، والشعار التعاقدي المشهور ” أخوة الشعبين “، على خلجات فلوب المتعاقدين الشيوعيين واليساريين، كان هؤلاء مع زملائهم من المتعاقدين اليمينيين القدماء، يتصدرون احتفالات عيد الإستقلال ” في ” الوسط العربي!!!”. وكانت افتتاحيات الأخوة والتحرر بين كادحي الشعبين في إسرائيل، وحتمية انتصارهم المشترك على رجعيي الصهيونية، تتصدرعناوين صحافة التعاقد. في تلك الفترة الذهبية كان الشارع ” العربي ” يضبط أمنيا بواسطة خلايا الحزب في كل قرية ومدينة. لم تكن أجهزة الأمن تتدخل مباشرة، ضد القوميين والوطنيين إلا عند المخالفات التي تتعدى السياسة إلى الأمن، والحملات الوقائية أو التأديبية لبعض العناصر التي ترى فيها هيئات العاقد خطرا على الهدوء الأهلي. كانت هيئات التعاقد هي التي تتكفل بالتخريب السياسي والإجتماعي والمعنوي على القومجيين، والوطنجيين، والفاشويين. وفي هذه الفترة الذهبية، نشأ ” شعراء عيد الإستقلال ” الفلسطينيين، وشعراء المقاومة الحاصلين على منحة تفرغ. وكان الكثير منهم ” في الحقل والمحجر يحبون الشيوعية ” ويحصلون على بدل مقاومة عن إنتاجهم بسبب ذلك. فقد كانت بطاقة العضوية في الحزب الشيوعي الإسرائيلي هي أيضا بطاقة المواطنة الصالحة والولاء للدولة. وكان أعداء المقاومة، أي غير الحزبيين، هم الذين ” لا يحبون الشيوعية ” ويرفضون تلقي بدل مقاومة عن إنتاجهم. هؤلاء بغض النظر عما يكتبون وخطورته على التعايش بين الشعبين، فإن إنتاجهم ” رديء المستوى ” لا يستحق أن يذكر في صحف التعاقد. وعاش هؤلاء في غياهب العزل والتعتيم سعداء بجمهورهم الصغير، المكون من أبناء البلد، وحركة الأرض، ووطنيي الوجدان والأصالة. كانت سعادتهم منقوصة، بالطبع، لأنه لم يكن باستطاعتهم إيصال أصواتهم الملتزمة إلى المحيط الفلسطيني الأوسع، لأنه كان محتلا بالمتعاقدين الذين كانوا على صلة يومية به، لنشر بذرة العدمية الوطنية وتعميم قابلية التطبيع بين الشعبين لمصلحة السلام. كان المرحوم الفلسطيني حامل جائزة إسرائيل، يقود جيشا من فرسان التطبيع السياسي والثقافي، استوطنوا وجدانيا في أكبر رؤوس الثقافة الفلسطينية والعربية، وعلفوها بمنقولاتهم الرخيصة والكاذبة عن نضالاتهم، ونقلوا لهم صورة خيالية تماما عن كل شيء في الداخل. وما يزال تاريخ فلسطينيي الداخل المتداول لدى حمير السياسة والثقافة والتطبيع اليساري من الفلسطينيين والعرب، هو التاريخ الذي علفهم به ذلك المرحوم وصبيانه من تلاميذ ” جفعات حبيبة “. أما داخليا فكان العلف قائما على على أقدام بدون سيقان، كانت السيقان النضالية والثقافية تركب في ورشة تصنيع شعراء وأدباء المقاومة، بعد التأكد من ولاء المعوقين لمعاداة التطرف واستعدادهم للمساهمة في ملاحقة المتطرفين القومجيين والوطنجيين والتعتيم الممنهج عليهم، وبعض الإستعدادات الأخرى. ولكن من كان من هؤلاء المتطرفين يتوقع غير ذلك؟ وهذا الكلام ليس احتجاجا على المتعاقدين، بمدى ما هو احتجاج على من لا يزالون يجترون التاريخ المنقول، الذي أسفر عن تدميربنية الثقافة الوطنية الفلسطينية.تدميرا تاما من حيث المضمون والمستوى والأخلاقية. وهذا الكلام أيضا تساؤل للمتعاقدين: لقد افتضح تاريخ النكبة تراجعيا حتى المتعاقد الأول، والكذاب الأول، ولم تعد الصهيونية الفاضلة التي عشتم عليها، مقبولة من الشريك التعاقدي، فما فائدة مواصلتكم لهذا النهج؟ هل مشكلتنا المميتة اليوم هي التفتيش في المطارات؟ أليست مشكلتنا الآن هي عنصرة الحياة المدنية في إسرائيل لهدف واضح هو الإعتداء العفوي على ضروريات حياتنا لإجبارنا على الهجرة؟ فلماذا ولديكم بقايا صحفكم، لا تلفتون نظر الرأي العام الدولي، لما يحاك ضدنا؟ إن الإحتجاج على التفتيش العنصري والمهين في الطارات يوحي بترف ديموقراطي لا بأس به. هل هذه هي الحقيقة؟ ولماذا لا يريد شرفاؤكم ممن رأوا في الحزب الشيوعي ردا مناسبا للمصلحة الوطنية لفلسطينيي الداخل، لايريدون الإعتراف بأنهم كانوا مخدوعين، وعليهم أن يعودوا لخدمة شعبهم , بل وقيادته من منطلق فلسطيني جديد يرفض تجربة التعاقد؟ الجماهير ضائعة تماما الآن وطنيا، وسياسيا ونضاليا. فلماذا لا تريدون قيادتها نحو استنفار الراي العام المحلي والعالمي ضد نوايا التهجير وفضح آلياته؟ ليس هناك ضمان أنه سيسمح لكم بالمشاركة في الإنتخابات حتى ولو تذرعتم بأنكم حزب يهودي – عربي. وحتى لو ذهبتم فلن يدعمكم الجمهور على أساس قضية المطارات، وسيفضل مقاطعة الإنتخابات. لم يبق للأحزاب ” العربية ما تفعله في الكنيست. لقد انتهت مرحلة التمرير الديموقراطي للقوانين العنصرية وقواني سلب الأراضي من الفلسطينيين، فماذا يفعلون بهذه الأحزاب، وقد أعلنوا عن دولة يهودية فقط بديموقراطية يهودية فقط؟

تعرفون أن ما يجري الآن على الساحة الفلسطينية لا شأن به لأي فلسطيني. إنه ” طوشة ” مفتعلة يقصد بها الحفاظ على فتح وحماس إلى حين يصبح توحدهما بند من بنود تصفية القضية النهائي. أي أن القضية الفلسطينية قد صفيت فعليا وما يجري هو مجرد مراسيم بروتوكولية. ولا يوجد ما يمكن فعله بهذا الخصوص ن سوى ألا تصبح التصفية السياسية تصفية أيضا للوجود الشعبي الفلسطيني كما هو مبرمج. معركة الهوية هذه مكانها هنا وليس في أي مكان آخر. فإذا تم تهجير آخر الفلسطينيين من فلسطين، اكتمل مشهد الإلغاء التاريخي. فمن هو الذي سيقود الجماهير الفلسطينية هنا لمقاومة التهجير والإلتفاف على تأثير آلياته العنصرية؟ من الذي يجب أن يقوم بتبليغ ” ضمير ” العالم عما تعد لنا العنصرية سوى التحرريين الذين يدعون إلى أخوة الشعوب؟

وقد كان ضغط التيئيس والشعور باللاجدوى، في غياب الوعي، هو العامل الأهم في سيناريو التخريب السياسي والإجتماعي والإنساني الأبعد للعينة الفلسطينية. كان الفلسطيني الجالس في قاعة البوتقة أمام المسرح، يشاهد عروضا حقيقية مدبرة، تنتهي دائما بنتيجة مأساوية واحدة وسينايو واحد يقوم على عنصرالمطاردة والخيانة والنهاية الدموية التي يكون ضحيتها الفلسطيني البسيط والملتزم. أصبحت هذه العروض – الوقائع يوميته العادية. وكان هناك من يهمس في اذنه دائما بمعادلات منطقية: ” لا تحاول أن تكون بطلا! أنظر ما حدث لغيرك! لا سبيل لشيء مختلف. ألعالم كله عميل للصهيونية. والنتيجة محتمة، فدعها تكون في صالحك مثل غيرك. كلهم عملاء “. لم يكن هناك مجال للتكذيب. فعملاء المشروع لم يتم تسريح أحد منهم منذ البداية. وهم سلالات عائلية إقطاعية وفلاحية ويسارية ظلت تتوارث العمالة أبا عن جد عبر أجيال متعددة. وهؤلاء موجودون في قمة الهرم السياسي والإجتماعي والإقتصادي. وكان الصعود الإقتصادي السريع لآتباعهم الجدد باديا للعيان. فليكن إذن! وهذا يفسر حالة الإباحية الفلسطينية في مختلف مجالات العلاقة بالمشروع الصهيوني الغربي.

فلسطينيا تقترب الأمور الآن من النهاية أو الإنفجار. لم يعد هناك زمن فيه شيء من الحيادية. البوتقة تضيق. والفلسطيني يلاحق علنا بالخبز والجوع والبندقية. الخبز للعملاء والمتعاقدين والمطبعين، والجوع والحصار والبندقية لمن لا يستطيعون السقوط. لقد اقترب المشروع الغربي من نهايته الإحلالية. خطوات محدودة وتنتهي المفاوضات أو الفلسطينيون إلى جهنم. لقد بدأت عجلة التشطيب بالدوران. يجب الإعتراف ظاهريا بفذلكة يهودية الدولة اليهودية، أي توقيع التاريخ وممثليه العالميين، وذوي الشأن الإقليمي، على نهاية الصراع على فلسطين، الذي لم يكن له أية مبررات أخلاقية أو تاريخية في ” الجانب العربي “، سوى بنود التعصب والتشبث باحتلال الوطن التاريخي لليهود. يجب الإعتراف من الجميع أنه كان هناك وضع غير طبيعي في فلسطين، وأن ذلك قد انتهى الآن وإلى الأبد بعودة الوضع الطبيعي. وأن الصهيونية قد استكملت دورها التحرري والتحريري، وبدأت مرحلة ما بعد الصهيونية، أي ما بعد الآخر. وبالأحرى مرحلة الشرق الأوسط الجديد، وتدويل الهوية والمصير في المنطقة الهجرية، بتمثيل غربي إقليمي من خلال الموقع اليهودي الأوروبي المتعدد الجنسيات. ستصبح اليهودية وجها للشرعية التاريخية والتميز الإقليمي فقط، يختفي وراءه أهم نموذج تحكم واحتلال إمبريالي بالعولمة. وفعليا ستكون هناك دولة أمريكية صهيونية واحدة فقط، ورعايا لا حصر لهم. خلية نحل عامل لها ملكة. وسوف يأتي الكثيرون من العرب للعمل في فلسطين اليهودية بجنسية عربية، ولكنهم الوحيدون الذين لن يحصوا على جنسية ” يهودية “. أما الأعراق الأخرى فسيكون من السهل عليها الحصول عليها إذا شاءت. رغم أن ذلك سيؤدي إلى تضخم عرقي يهودي، تصبح معه نتانيا أكبر من اسطنبول.

ما أثار في ذهني تداعيات هذه الملحمة الدموية، مقال وجدته في بريدي الألكتوني يتحدث فيه صاحبه عن الوجه العنصري القبيح لأمن المطارات في إسرائيل، ومعاناة المسافرين ” العرب ” من مواطني 48 من إجراءات التفتيش والتحقيق المهينة. أثير هذا الموضوع منذ سنوات، ولم ينته حتى الآن رغم تغير الدنيا ومن عليها وإعادة ترتيب النكبات الفلسطينية. وهو في رأيي تعبير عن أزمة صحفية ونضالية في صحف التعاقد القديمة والجديدة التي لم تعد خيارات النضال الآمنة متوفرة أمامها، في مرحلة ما بعد الصهيونية، وسقوط الكثير من امتيازات التعاقد المشترك وبنوده، بعد خروج الفلسطينيين من لعبة الصراع.