الشبكة العنكبوتية هي ساحة اشتباك أيضا

محمود جلبوط

بعد استشعار جهابذة الصهاينة أن هناك بوادر تحول دراماتيكي للرأي العالمي عن متابعة قبول ما يقدمه لهم الرواة الصهاينة من أضاليل حول قضية الصراع العربي- الصهيوني التي تعود الجمهور الغربي، ولأسباب يطول شرحها، على قبولها على طول الخط دون نقاش ودون بذل حد أدنى من جهد لإعمال التفكير، تدافعت مجموعات أوربية وأمريكية صهيونية في الآونة الأخيرة لخوض حملة مراجعة شاملة لسياسة الصهينة القديمة الحديثة لإعادة ترتيب صفوفها بإشراف جلاوزة من مثقفيهم للانتقال في مرحلة لاحقة إلى هجوم أيديولوجي شامل، سياسي إعلامي فكري، عبر إطلاق مبادرات سياسية وثقافية على صفحات الشبكة العنكبوتية لتصل أوسع قطاع من الرأي العام العالمي. يندرج في هذه الجهود: جهود رئيس الوزراء الإسباني الأسبق اليميني أثنار، وجهود اليميني الهولندي خيرت فيلدرز[1] وآخرين أمثال مايندرت فينما[2] و دانييل بايبز[3].

فقد أعلن الصهيوني الإسباني المستجد أثنار بالتعاون مع شخصيات صهيونية أخرى ومن معقل صهيوني عتيد كان له الباع الطويل في تأسيس ودعم ورعاية الكيان الصهيوني ألا وهو مجلس العموم البريطاني عن تأسيس جمعية صهيونية تحت أسم ” أصدقاء إسرائيل ” والتي ينوي الترويج لها في أمريكا اللاتينية وكل الدول الناطقة بالإسبانية، كان قد أفصح عن هدفها دون رتوش دبلوماسية معتادة في مقال سابق له نشرته صحيفة الصندي تايمز لم يجافي فيها الحقيقة أبدا عندما عنونه ” ادعموا إسرائيل لأنه لو سقطت سقطنا معها ” مشيرا بذلك دون مواربة أن ” إسرائيل” رأس حربة غربية أنشئوها لتكون محمية متقدمة في المنطقة العربية[4].

وبدوره يسعى فيلدرز إلى تشكيل ” تحالف دولي من أجل الحرية “[5] الذي يأمل من خلاله بناء شبكة جديدة ستعمل جاهدة للترويج لحماية أمن إسرائيل.

ومن هذا المنطلق تنادت مجاميع مثقفي الكيان الصهيوني لإطلاق مبادرة صهيونية جديدة على صفحات الشبكة العنكبوتية لتزوير المعلومات والتاريخ من خلال إنشاء ويكبيديا صهيونية تكتب ” التاريخ الصهيوني ” كمحاولة لإزالة قذارة حقيقتها التي راحت تتكشف في السنوات الأخيرة عند الجمهور الغربي الذي بقي مضللا عشرات السنين بتأثير آلة الإعلام الصهيونية التي لم تحل رغم جهودها المضنية وسيطرتها على معظم وسائل الإعلام والمال عن إظهار وجهها الحقيقي بسبب الجرائم الأخيرة التي اقترفتها في حرب لبنان وغزة وأسطول الحرية ومازالت تقترفها على مدار ساعات اليوم على مجمل أراضي فلسطين في أراضي الاحتلالين 48 و67 وبشكل خاص في القدس.

” إننا لا نريد تغييير الويكيبيديا أو تحويلها إلى سلاح دعائي ” كما صرح الصهيوني نفتالي بينيت مدير مجلس يوشع لصحيفة الغارديان البريطانية، ” ولكنه لشيء مؤسف أن ينظر الناس إلى الإسرائيليين على أنهم أناس أشرار وخسيسين ليس لديهم من عمل طوال نهارهم سوى الرغبة في تسبب الأذى للعرب “، وهل جافوا بذلك الحقيقة؟

يبدو أن القصد من إنشاء هذه الحملة الصهيونية هي السعي لإنشاء موسوعة ويكبيديا مشتركة يحق لكل واحد منهم أن يضيف أو يغير أو ينسخ ملايين المبوبات إليها وبأكثر من 260 لغة مختلفة عدا عن أن نشر هذه الموسوعة عبر الانترنيت سيهيئ للملايين من مستخدمي الشبكة العنكبوتية عبر العالم الاطلاع عليها باعتبارها أسرع وسيلة لوصول المعلومات حتى الآن.

يقر أصحاب ” الموسوعة الصهيونية ” أن الفلسطينيين ومؤيديهم من الناشطين الدوليين قد حققوا حتى الآن في ساحة اشتباك الشبكة العنكبوتية نجاحا “، وأن هذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ من وجهة نظرهم على فشل سياسة حكومتهم وفشل تبنيها التصرف الصحيح في مواجهة هذه الحملة الإعلامية، فهل كان حقا ينقص الحكومة الصهيونية وسائل إعلام وأوساط سياسية عالمية ولجان دولية داعمة لسياستها؟ ولكن الشمس لا يحجبها غربال.

ويرى هؤلاء على الرغم من وجود قناة خاصة بالجيش الصهيوني على موقع يوتوب تبث أفلاما باللغات الثلاث: العبرية والعربية والانكليزية تسوق لوجهة النظر الصهيونية حول الصراع العربي-الصهيوني إلا أن ذلك لم يقنع الصهيوني نفتالي بينيت بجدواها، وقد صرح بهذا الخصوص لصحيفة هآرتس الصهيونية حين قال ” أن التمثيل الإسرائيلي في الانترنيت بشكل عام وعلى موسوعة الويكيبيديا بشكل خاص شيء يدعو للأسى”.

ويتخذ بينيت ما حدث يوم 31 أيار 2010 في عرض البحر لسفن قافلة الحرية مثالا على تقصير حكومته على المستوى الإعلامي، ويشتكي من أنه قد وجد أثناء تجوله على صفحات الانترنيت بعد الساعات الأولى للمذبحة ” أن ملايين الناس قد قرأت وشاركت بتكرار عبارة “مراكب المساعدات إلى غزة” و ” ضحايا قافلة الحرية ” ولم تعر انتباها لمئات الصفحات مما كتبه الكثير من الكتاب الإسرائيليين الذي قدموا الرواية الإسرائيلية “، كما أنه يرى ” أنه لمن المؤسف أن تظهر خريطة إسرائيل على صفحات المواقع الالكترونية منقوصة من الضفة الغربية وهضبة الجولان، وغياب حقيقة أن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، كل ذلك سوف يتغير في المستقبل”.

ويؤيد ما ذهب إليه بينيت كذلك الصهيونية Ajelet Schaked من منظمة “Israel Scheli” التي أكّدت بأنهم ” لن يتركوا الساحة ( تقصد ساحة الانترنيت ) للجانب الآخر(للعرب ومؤيديهم) ” كما صرّحت لصحيفة الغارديان ” صحيح أن مجموعة ” كتبة صهيون ” عبارة عن كتيبة هجوم ولكن ليس بأدوات عسكرية ولا بتنفيذ هجمات كومندوز وإنما هي ورشة عمل ينبغي على المساهمين فيها أن يبذلوا كل جهودهم بصبر وأناة للفوز بتبديل رأي أغلب الناس على صفحات الانترنيت والويكيبيديا وباستخدام جميع وسائل الشبكة العنكبوتية من فيديو وغرف دردشة ومواقع العلاقات الاجتماعية العامة مثل فيسبوك “.

إنّ ما تنوي مجموعة “كتبة صهيون” الجديدة القيام به لم تكن المحاولة الأولى من قبل الصهاينة، فقد سبقها لذلك مجموعة صهيونية أخرى حاولت عام 2008 إدخال تعديلات على صفحات الويكيبيديا لكنها باءت بالفشل بل تلقوا في حينه من إدارتها حظرا من الكتابة، فهل ستلحق محاولتهم الجديدة محاولتهم السابقة؟

:::::

givara1954@yahoo.de


[1] زعيم حزب الحرية، وهو حزب هولندي يميني حصل في الانتخابات الأخيرة على 24 مقعداً في مجلس النواب المتكون من 150 مقعداً. يسعى فيلدرز إلى تشكيل ” التحالف الدولي من أجل الحرية ” ويأمل من خلاله في بناء شبكة جديدة ستعمل جاهدة للترويج لحماية أمن إسرائيل.

[2] أستاذ علوم سياسية في الجامعات الهولندية.

[3] مدير منتدى الشرق الأوسط.

[4] لوحظ في الفترة الأخيرة أن أثنار قد قام بالعديد من الجولات بهدف شرح فكرة أن “إسرائيل” أساسها مسيحي وأنه ينبغي على الدول الغربية جميعها الانخراط بالدفاع عنها لأنها بلد “مظلوم” محاط بجيران “وحوش” يريدون التهامها.

[5] ينخرط مع فيلدرز لتشكيل هذا التحالف شخصيات من الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا وألمانيا وشخصيات صهيونية من قادة الكيان الصهيوني مثل ليبرمان زعيم حزب ” إسرائيل بيتنا ” و اري الداد، زعيم الاتحاد القومي الذي يدعو إلى طرد جميع الفلسطينيين من فلسطين. واجتمع معظم هؤلاء عام 2008 في مدينة القدس المحتلة وأسسوا تحالفا سموه “تحالف القوميين الأوربيين”.