حوار في القطرية والقومية

تعقيب على مقالة “بعض من الوعي القومي…الجهل منه أفضل”

ملاحظة من “كنعان”:

نشرنا في 30 تمّوز (يوليو) مقالة للزميل عادل سمارة بعنوان: “بعض من الوعي القومي…الجهل منه أفضل”. وقد وصلنا من احد القرّاء تعقيب ردّ عليه الزميل سمارة ورأينا أن ننشر التعقيب والرد كجزء من المحاورة تعميقا للنقاش حول مسائل القطرية والقومية العربية مما يعود على القارئ بفائدة كبيرة.

ننشر اليوم أجزاء الحوار الثلاثة:

1) مقالة الزميل عادل سمارة بعنوان:“بعض من الوعي القومي…الجهل منه أفضل”. ويستطيع القارئ ان يطالع نصها الكامل في موقع “كنعان” على الرابط التالي:

https://kanaanonline.org/?p=3346

2) تعقيب القارئة على هذه المقالة.

3) رد الزميل عادل سمارة على ملاحظات القارئة.

* * *

تعقيب قارئة على مقالة

“بعض من الوعي القومي…الجهل منه أفضل”

الى الاستاذ عادل سمارة،

قرأت ما نشرته اليوم في كنعان. والحقيقة انني اتابع ما تكتبه واهتم به لانني اجد فيك فكرًا قوميًا واعيًا مناضلاً ووطنيًا.

لقد فوجئت بالموقف الذي قرأته لك اليوم وخاصة في المقطع الذي تتحدث فيه عن “استعادة العراق للكويت… والحديث ان الكويت معترف بها نفاقًا من الامم المتحدة وتستهجن الوقوف ضد قطر عربي يسترد جزءًا منه.

لقد قرأت هذا المقطع مرات لاستوعب فعلا انك تقصد ذلك. استعادة العراق للكويت؟؟؟

إستعادة العراق للكويت؟؟؟وماذا لو قال احدهم باستعادة اليهود لارضهم في فلسطين؟

ماذا سيكون موقفك؟

هل تتحقق القومية العربية التي تقودنا الى الوحدة التي نريدها ونودها بأن يحتل القطر الاقوى القطر الاضعف منه؟ وهل تكون بالاستعادة القسرية لما تم تقسيمه؟ ام ان الامر يجب ان ينبع من رغبة الشعوب وايمانها بأهمية الوحدة ومصلحتها في تحققها؟

وبغض النظر عن رأينا بموضوع الكويت والعراق وهل هي جزء من اراضي العراق ام لا

نجد ان صدام حسين لم يجد كويتيًا ينصّبه حاكمًا على الكويت لمصلحته، لم نجد ان الكويتين استقبلوا جزأهم الاخر بالورود والزهور، ولم نجد انهم يرغبون العودة الى احضان الوطن الام.

اين حق هذه الشعوب في تقرير مصيرها؟ هل باسم القومية وايماننا بها يحق لنا ان نؤيد احتلال العراق للكويت؟ واحتلال سوريا للبنان واحتلال السعودية لليمن وقطر او الامارات؟

انا من اشد المعارضين للاحتلال الاميركي للعراق كما انني من اشد المقاومين للاحتلال الصهيوني لفلسطين، ولكن العدالة لا تتجزأ وحق الشعوب في الحرية والكرامة والاستقلال لا يتجزأ بالنسبة لي. فلا يتغير كثيرا دفاعي عن فلسطين وشعبها في حال قررت مصر احتلالها.

الاحنلال احتلال مهما تغيرت مسمياته ومهما تغيرت اساليبه. فاحيانا نجد انفسنا محتلين من قبل الامبريالية بواسطة القيم والافكار والهيمنة. الاحتلال العسكري للجغرافيا هو جزء يسير من احتلال افظع، والاستعمار وادواته واحدة في كل زمان ومكان.

ولكن، لا يقاوم الاستعمار، باستعمار ولا باحتلال ولا بابادات ومجازر وقطع رؤوس والسن وحناجر.

مع تحياتي

* * *

رد الزميل عادل سمارة على تعقيب القارئة

ملاحظة أولية وعامة

بمعزل من ما اثرته أنت من نقاط، أعتقد أن الثقافة السائدة في الوطن العربي حتى اليوم هي الثقافة الرسمية القطرية، وهذا يعني أن لدينا كعنوان ثقافة سياسية عربية وعملياً قرابة دزينتين من الثقافات الرسمية القطرية والكيانية. وقد أكون أكثر دقة في القول: هناك تثقيف قطري وهناك ثقافة قومية، وبينهما سجال.

فالأنظمة القطرية التي تصدمنا حدودها ومطاراتها وموانئها حين الخروج أو الدخول ونردد نشيدها “الوطني” كل صباح ونرى رئيسها، ملكها أميرها (والجميع هو حاكمها) على الشاشات وصفحات الجرائد، وعَلَمَها على كل مدرسة وشارع، وتعتقلنا شرطتها ويقمعنا جيشها الذي يُهزم في كل معركة…الخ هذه الأنظمة، وبهذه الآلات تركز التثقيف القطري. وكل هذا على حساب الثقافة القومية الموجودة في الأفق الجغرافي/الحيِّز العام، وفي اللغة والفن وطبيعة الحياة والمعمار والتاريخ والمشترك من الماضي على مرارته والحالي على وجوب بنائه.

هذا ما قصدته بالتثقيف كصناعة وبين الثقافة كوجود موضوعي يقاوم ذلك التثقيف.

لذا، ليس غريباً أن نختلف على قضايا كالتي طرحتها.

ومرة ثانية اشكرك على التعاطي الجاد والحارق مع قضايا هي حارقة بالطبع.

أولاً: المنطلق

اسمحي لي أن أتحدث عن ما اعتقد به دون المقارنة أو الرد على ما تطرحين كي لا يكون ما بيننا سجالاً بدل أن يكون حواراً فهذا يجعل الطرح اسهل وأوضح.

منطلقي هو التاريخ العلمي وليس الأساطير وخاصة الأسطورة التوراتية، بمعنى هل نقبل الرواية التاريخية أم الرواية التوراتية ؟ أسوق هذا لكي أتحدث لاحقاً عن المقارنة التي عقدتها أنتِ بين استعادة العراق للكويت وبين أن يُطالب اليهود بفلسطين. وأقصد بالتاريخ ما يُجمع عليه الباحثون، على تنوعهم، اعتباره تاريخاً جرى تدوينه علمياً، وأقصد في هذا السياق التاريخ العربي منذ ما قبل الإسلام وخلاله حتى الزمن الجاري ومنه تاريخ سلخ وخطف الكويت بما هو مدون وواضح بينما التوراة مجرد توهان ومتاهات مأسطرة. (ربما أفضل ما كتب عن هذا كتاب إسرائيل شاهاك “الديانة اليهودية…وطأة ثلاثة آلاف عام”(إن لم أخطىء في العنوان)

يؤكد المؤرخون، حتى من غير العرب أن هناك أمة عربية قديمة/جديدة. وهناك في الوطن نفسه أمم أخرى وإثنيات أخرى شريكة.

يختلف عرب عن عربٍ في مسألة هذه الأمم الأخرى بمعنى حقها في الانفصال والاستقلال أم لا. أنا بدوري ممن يُقرُّ بهذه الأمم والإثنيات، وخاصة الأكراد والأمازيغ وليس الصهاينة بالطبع والقطع وبحقها في الانفصال ولكن ليس من حقها أن تتحول إلى قواعد معادية بمعنى أن يكون انفصالها أو استقلالها مقوداً ومدعوما وموجها من الرأسمالية في حقبة العولمة، وهي ما اسميها “موجة القومية الثالثة[1]” موجهاً ضد الأمة العربية وخاصة وحدتها. ولا اقصد هنا منع هذه الأمم من الانفصال، ولكن أقصد ايضاً كيف نحل إشكالية انفصال منطقة قومية أو إثنية حين يكون انفصالها مجهزاً سلفاً ليكون قاعدة معادية وليست جاراً مسالماً؟

الإجابة ليس شرطاً أن تكون عندي كفرد. ولكن، لنفكر جيداً كيف يمكن لمنطقة صغيرة وفقيرة ربما ان تنفصل عن جسم كبير لو لم يكن عليلاً! لو افترضنا وطنا عربيا موحدا لا يحكمه طُغاة ولا تابعون، ألن تكون مصلحة القوميات الاخرى في علاقة تصالحية معه؟ ما الذي يجمع في الاتحاد الأوروبي البرتغال وألمانيا، ناهيك عن بولندا وجمهوريات البلطيق؟ لو كان المغرب العربي وحدة سياسية، ما الأجدى حينها للأمازيغ الانفصال كتوابع لفرنسا أم البقاء ضمن المغرب مع الاحتفاظ باللغة والثقافة…الخ ليكون الصراع طبقياً. لو رجعنا إلى الحقبة الناصرية لرأينا كيف كانت إفريقيا تتقرب من العرب رغم أن الدولة الناصرية لم تكن تقود العرب كما كانت تحاول. أين إفريقيا منا اليوم؟ هذا معنى الدولة المركزية. الإمبريالية لا تُطعم توابعها بل تأكلهم. ربما لهذا لم تُقم الإمبريالية ولا سيما الفرنسية دولة مارونية واكتفت في الوطن العربي ب “إسرائيل” واحدة. وحين حاولت قيادة م.ت.ف إقامة تايوان ثانية أفهمها المركز أن المطلوب “تايوان” واحدة في المنطقة.

ولكن، إذا كان علينا عدم منع هذه الأمم من الاستقلال، وليس لنا حق احتوائها بالقوة، فماذا عن حقنا في الوحدة؟

هذا إلى جانب حقيقة هامة أخرى وهي أن الطرف الذي جزّأ الوطن العربي هو نفسه الذي يدعم الشرائح الكمبرادورية من هذه الأمم أو الإثنيات لكي تنفصل ولتتحول إلى قواعد معادية محيطة بالوطن العربي؟

بكلمة أخرى: لماذا علينا أن نسمح بانفصالهم وليس لنا أن نتوحد؟ أو كما لاحظت من تساؤلاتك، إن كانت ملاحظتي صائبة،: ليس لنا حتى حق الطرح الفكري، أو حتى الافتراض، بأننا أمة واحدة! لنقل كلمة بحق الأكراد. لماذا نؤمن بحقهم في الانفصال والوحدة مع أنهم اربعة أو خمسة تجمعات مفككة، وبالمقابل نخجل من الحديث عن حقنا؟ هل السبب هو توغل إيديولوجيا/مصالح/تثقيف القطرية فينا؟ وهو تثقيف تكمن ورائه مصالح وعلاقات استثمار واستعمار وإنتاج ومن ثم تقوية مركزها الغرب الرأسمالي.

يلفت نظري دوماً الإجماع العالمي ضد القومية العربية. عام 1985 حضرت مؤتمراً إسلامياً في لندن تحدث معظم المشاركين وهاجموا القومية العربية ولم يهاجم ايا منهم قومية بلده. يوم 8-12-1998 عدت من كندا وكانت لي مشكلة مع المخابرات الأردنية، قصة طويلة، المهم اضطرت السفارة الكندية للتدخل لأنني كنت مدعوا من مركز ابحاث كندي. بعدها اصر السفير الكندي في عمان على مقابلتي بعد خروجي من دائرة المخابرات وكنت على عجل كي أعود إلى رام الله وكان سؤالا واحدا: هل هناك أمة عربية!! في جامعة لندن، هناك أكوام أكاديميا هدفها إثبات ان لا أمة عربية؟ قبل ايام كتب لنا صديق في كوبا رسالته عن سياسة أميركا في فلسطين، حتى في الأكاديميا الكوبية هناك صهاينة حرفوا النقاش لنفي القومية العربية! الا يعني هذا شيئاً ما؟ بل ابعد من هذا، هل حصل أن اتفقت الراسمالية والاشتراكية والعالم الثالث (عموما لا تفصيلا) على الاعتراف ودعم كيان استيطاني غير ما جرى في فلسطين؟ هل سمعت عن حركة شيوعية في اي بلد في العالم تعترف بوطن شعبها لغير أهله كما هو حال فلسطين والعرب؟ أليس غريباً أن يلتقي موقف الحركة الشيوعية والبرجوازية التابعة على التصالح مع الكيان؟ أين في هذه الحالة سُنشعل الصراع الطبقي؟؟؟ لا بل ابعد، لقد اصبح الاعتراف بأن فلسطين هي “إسرائيل” وبأن القومية فاشية وخاصة القومية العربية وبأن الحاكم هو ممثل القومية وليست القومية هي الانتماء والروح الممتد في التاريخ أصبحت هذه توارثاً جينياً كأنها في سُلالة Lineage تنتقل من الأبوين إلى الأبناء في السرة ومن جيل حزبي قديم إلى الجديد!

لنبدأ من الكويت

يقول التاريخ الحديث أن الكويت هي الولاية 19 من العراق، وأن الإمبريالية البريطانية هي التي اقتطعتها وأقطعتها لعائلة الصباح. فالعائلة لم تقُدْ ولم تحاول تحريرها من الاستعمار البريطاني، بل مالئت الاحتلال، ولم تكن أرض هذه الولاية حتى إقطاعةً تملكها هذه العائلة. وهل تتخيلين أن بريطانيا كان يمكن أن تقطعها لولا النفط؟ وهل يمكن لها العيش بلا نفط؟ ولو كانت الكويت بلا نفط، هل يمكن لسكانها أن يرفضوا العودة إلى العراق؟ لنلاحظ هنا العامل المادي. هذا دون أن نثير القضية المتفق عليها بين التنمويين بأن الكيانات الصغيرة لا يمكن أن تعيش إلا تابعة سواء كانت اشتراكية أو راسمالية. هل كوبا تحاول أن تثبت أنها استثناء؟ هذا في رحم الزمن. هذا ناهيك عن حقيقة أن عصر الكتل الكبرى لا يُبقي بعض الأكسجين للكيانات الصغرى كي تتنفس. وهذا ربما يفسر لماذا تمت تجزئة الوطن العربي، ولماذا يتم الآن رفع:”فرق تسد” إلى درجة قصوى وهي التذرير. لا بل إن هذا مركز أهداف المركز لتكون المعادلة: “تفكيك/تذرير المحيط وتركيز المركز”. أليس لهذا يتم تفكيك الاتحاد الروسي والعراق ويوغسلافيا والسودان…الخ؟ دعيني اطرح سؤالاً عارضاً: لماذا اهتمت بريطانيا بجنوب السودان ودارفور منذ 1957 وتهتم أميركا اليوم؟ أكلُّ هذا لأهداف إنسانية؟ ألم يفنى في احتراب الهوتو والتوتسي في رواندا 800 ألف إنسان وهم يتذابحون تحت أنظار جيش فرنسا ولم يحرك ساكنا! تعرفين أكثر مني أن الفرانكفيين يعتبرون لبنان امتدادا ثقافيا لفرنسا كما اعتبروا الجزائر امتدادا جغرافياً. وربما يعتبر السلفيون مكة إمتداداً لسدرة المنتهى، والمهم لا امتداد عربي لأن الجميع يرى أن لا وجوداً عربياً.

من هنا، فالتفكيك والتجزئة والقطرية هي صناعة من صناعات المركز الرأسمالي في مراحل سياساته الخارجية الثلاث: الراسمالية في حقبة الاستعمار، فالامبريالية، فالعولمة. أما سياسة الراسمالية أو أدائها الداخلي، فهو نفسه.

لا بد من ملاحظة متعلقة بالتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية. حينما جرى اقتطاع الكويت، هل كانت هناك تشكيلة اجتماعية اقتصادية؟ ما هي؟ وهل كانت، إن وُجدت، جزءاً من روح العصر؟ أقصد مثلاً في عصر راس المال أن تكون هناك تشكيلة اجتماعية اقتصادية راسمالية، حتى لو متخلفة/نامية/محيطية؟ وأقصد كذلك تشكيلة تركب عليها بنية طبقية مثلا: برجوازية وطبقة عاملة، أو على الأقل بداية برجوازية وفلاحين…؟ هل كانت الكويت سوى جزء صحراوي من العراق؟

قد يحق لي القول إن ما حصل هو اقتطاع تعسفي لجزء من العراق لاحتوائه على النفط وبالتالي سيكون ريع النفط هو شريان الحياة الوحيد.

إسمحي لي أن أسأل سؤالاً سيأتي يومه: لو نضب النفط هل سيرفض أهل الكويت الوحدة مع العراق أم سيطالبوا بها ويرفعوا شعارات القومية والعتاب القومي؟ ألا تلاحظي أن القيادة الفلسطينية حين تلوح لها الصهيونية وأميركا بإصبع واحد تدير ظهرها للرسميين العرب (فهي لا علاقة لها بحركة التحرر الوطني العربية) وتحرك لهؤلاء إصبعاً أخرى! وحين يصفعونها تبحث عن الحضن العربي وتلوم وتعاتب! يعيدني هذا السؤال إلى ما قيل منذ عقود أن الكويت تقوم باستثمارات في الخارج للاعتماد عليها حال نضوب النفط. وهذه قضية اقتصادية شائكة، بمعنى: ما مصير الاستثمارات مثلا العقارية الكويتية في أميركا على ضوء الأزمة الحالية؟ وهل يمكن لبلد أن يعيش من استثماراته في الخارج دون بنية داخلية؟ وماذا لو قررت الولايات المتحدة، في حال تغير نظام الكويت، تجميد الأرصدة ومنع التحويلات إلى الخارج، أو مثلاً لو قامت دولة من التي للكويت فيها استثمارات بتأميم هذه الاستثمارات في عصر اشتراكي مقبل!

أرغب في تسمية اختلاق “دولة الكويت” بالقول إنها حالة أقطعة على خصخصة على اختطاف. والسؤال الذي يظهر هنا: هل مرور عدة عقود على خصخصة جزء من قطر أو من الوطن على يد الاستعمار أن تصبح هذه الخصخصة مقدسة؟ لا أود النقاش هنا إن كان الكويتيون شعبا أم لا. السؤال هو أن هذا كيان مصطنع ومقتطع وليس ذلك من أجل حتى سكانها بل لغايات استعمارية واضحة. هنا يحضرني مثال الكيان الصهيوني، فهو رغم تقدمه التقني، ليس شرعياً. دعيني أكشف أكثر عن تطرفي الذي لا أُنكره: الكويت حالة اختطاف منطقة من العراق بلا مواربة. ونظام الكويت حتى لو رشى كل الناس هناك هو حالة أنانية سُرقت لها نسبة ضخمة من ثروة العراق بعيداُ عن بقية الشعب، وبالتالي يستميت من يستفيد منها كي يحافظ عليها. لكن هذا الواقع لا يعني أنه الحق كما لا يعني أن لكيان تابع كهذا مستقبلا يتحول إلى تاريخ طبيعي.

ماذا يعني هذا؟

يعني هذا أن هذه المنطقة هي قاعدة للاستعمار اقتطعها بالقوة لمصالحه على حساب العراق نفسه. والعراق نفسه قطر جرى، كما هو معلوم، اقتطاعه من مجمل الوطن…وهكذا.

بكلمة أخرى، الكويت اقتطاع استعماري. وربما من المفارقة أنه جرى الاعتراف بالكويت مباشرة من الأمم المتحدة في حين لن يتم الاعتراف إلا بعد لأي، بالصين الشعبية! هل يجوز لي القول إن معظم مندوبي الدول التي صوتت لقبول الكويت ربما لم يسمعوا بها أصلاً. وبالطبع، لا أود الدخول في تفاصيل سياسات وقرارات الأمم المتحدة، ولكنني أعتقد أن هناك إجماعاً من مختلف الكتاب النقديين على تلاعب ونفاق واستخدام وتوظيف الأمم المتحدة لصالح المركز.

ما أقصده أن مجرد الاعتراف ب “دولة” لا يعني أنها شرعية. بالمناسبة الكيان الصهيوني غير معترف به من الأمم المتحدة ومع ذلك لا تتم مراعاة ولا ممالئة اية دولة في العالم كما تتم ممالئته!

لا أود إثبات أن الكويت ولاية عراقية، لأن التاريخ يؤكد ذلك. وبالطبع لا أفرض هذا على قناعاتك.

إشكالية الدولة القطرية… كل دولة قطرية

ليس هذا الحديث في تفاصيل وتاريخ تكوين القطريات وإنما في جانب من دورها القطري الذي يثبت أن الطبقة الحاكمة في القطر الواحد حتى بنزوعها القومي تقع في خطايا قطرية هائلة. وهذا يؤكد أن المشكلة طبقية لا قومية.

ملاحظة واحدة ضرورية قبل معالجة النقطة المقصودة، وهي أن القطريات العربية هي نتاج سايكس بيكو.. بل إن وجود هذه القطريات والكيان الصهيوني وجوداً متواشجاً يفترض واحدها الآخر بمعنى قرار خلق القطريات المشرقية عام 1916، والقرار العلني لخلق الكيان كان عام 1917، وكان نموذج سايكس بيكو في المغرب العربي عام 1956 في اتفاق قرطاجة بهندسة فرنسا، لذا لهن جميعا مصلحة في البقاء على ما هن عليه والحفاظ على بعضهن البعض.

إن وجود وبقاء التجزئة القطرية ضروري لبقاء الكيان. ومن هنا لا يُقلق الكيان الصهيوني سوى مجرد الحديث فما بالك ب الفعل عن القومية العربية لأن الكيان يعلم جيداً أن لا إزالة له بدون واقع عربي وحدوي. ربما لهذا السبب كان عنوان مؤتمر هرتسليا 2008: “الخطر ليس إيران بل القومية العربية” لاحظي، ومتى يُقال هذا؟ في لحظة فيها الوضع القومي ولا أردأ! لقد وصل الكيان الصهيوني لحظة لم يعد بحاجة لاعتراف القطريات العربية، هو بحاجة لاستسلام قومي وهذا لا يتأتى بوجود الوحدة.

الخطيئة التي أقصد هي خطيئة الرئيس عبد الناصر عام 1961 حين رفض محاولة الراحل عبد الكريم قاسم استعادة الكويت، وجند لذلك جيشا من عدة قطريات عربية لمنع قاسم من ذلك. كان ذلك درسين:

الأول: يؤكد اختبار ضرورة مرور زمن كي تتجذر القطرية وتصبح “واقعا” لا جدال عليه وفيه.

والثاني: إثبات أن الدولة القطرية حين تكون في منافسة محاورية، تضحي بالموقف القومي لدعم موقعها المحاوري، إذن الذي حسم هنا هو المصلحة الطبقية للطبقة الحاكمة.

وهذا يثبت أن المصلحة المؤقتة للطبقة الحاكمة في مصر الناصرية دفعت بهذه الطبقة لطعن المصلحة القومية الحقيقية لأنها ستقوي محوراً قطريا ضد محورها!

قد تقولي، وهل هذه هي القومية العربية؟

أنا اقول هذه قومية طبقة معينة، مدرسة معينة في القومية، وليس قومية الطبقات الشعبية العربية بمعنى، أن القومية مسألة طبقية من ناحية جوهرية لا شكلانية. ألم يعجز البعث في سوريا والعراق عن الوحدة أثناء حكمهما وهم حزب واحد؟ ولكن، لو سُئل الشعب العربي في القطرين هل كان سيرفض الوحدة؟ هذه هي المرجعية للنقاش وليس موقف الطبقة الحاكمة..

هذا ما أزعمه وهو ما ورد في كتابي: “دفاعا عن دولة الوحدة”، وهذا رأي يخالفني فيه كثيرون من القوميين والشيوعيين. فالشيوعيون يستندون إلى أطروحة ماركس بصدد القومية في عصر القوميات في أوروبا (الموجة القومية الأولى)، وأنا بدوري حتى في هذا أجد لدى ماركس ما يسند أطروحتي. وحتى لو لم أجد، لا يغير في الأمر شيئاً.

أطروحتي هي أن هناك قوميتان في الوطن العربي، وربما في كل مجتمع في العالم:

· قومية الطبقات الشعبية

· وقومية الطبقة الحاكمة/المالكة.

وهذا يتجلى أكثر في المستعمرات واشباه المستعمرات (الوطن العربي). فالطبقات الحاكمة في الوطن العربي تزعم أنها عربية أو قومية لكنها تعيش على وتمارس وتجذر التجزئة. بينما الطبقات الشعبية ذات مصلحة مادية مستقبلية في الوحدة وفي الإشتراكية رغم فهمها الجنيني لها، أو وعيها السلفي ضدها.

من هنا يكون السؤال: هل استفتى ناصر الشعب المصري في موقفه من الكويت؟

ولنأخذ مثالا ابعد: لماذا حين حصل العدوان الغربي/العربي ضد العراق 1991 خرج الشعب العربي كله ضد ذلك؟ ما هي مرجعية إخراج العراق من الكويت؟ هل هي الشعب العربي أم التحالف الإمبريالي؟ من أجل من كانت الحرب على العراق؟ هل كانت من أجل عرب الكويت؟

هل نقبل ما يكتبوه ام ما نعرف؟

بعد أيام على بدء العدوان على العراق بعد استعادة الكويت، كنت في مظاهرة ضد الحرب في مانشستر. بعد المظاهرة دعتني ثيا خميس، وهي قريبة صليبا خميس، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح للحديث مع نقابة عمال المناجم في شمال بريطانيا في مدينة متوسطة الحجم نسيت اسمها. كان الحضور نقابيين عريقين، وكما تعرفين نقابة عمال المناجم هي الأعرق في بريطانيا وهي التي كسرت ظهرها تاتشر حين هزمت آرثر سكارجل بطل الطبقة العاملة هناك في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وذلك كان ضرورياً لها لتمرير الخصخصة. وحصل.

بعد حديثي وقف أحد النقابيين وهو بريطاني يدين باليهودية: واعترض بأن الكويت معترف بها من الأمم المتحدة. ربما كنت وقحا معه، فأجبته:

1- حين تقرأ تاريخ المنطقة يحق لك الاعتراض، أنا لا أعترض على أمر ما هنا إن لم أعرفه، وإن كنت لا أعرفه أشعر أن من حقي أن اسأل لا أن اعترض

2- إن الكيان الصهيوني غير معترف به شكليا من الأمم المتحدة، ولكنه المحظية الأولى لهذه “الأمم- المتحدة”!

اليهود وفلسطين

قد نختلف في أكثر من مسألة هنا.

ليس اليهود شعباً. بل إن قلة من المزورين للتاريخ هم الذين يزعمون أن هناك أمة يهودية أو أن يهود ما قبل ثلاثة آلاف سنة هو اسلاف الحاليين. هذا ناهيك عن أن الأمم تتكون بوجود أرض لها وتاريخ على الأقل. حين اعترض لينين على البوند في مسألة احتلال فلسطين قال لهم: “أيها الصبية، شرط الأمة الأساسي أرضا لها وأنتم ليست الأرض لكم”.

ولو كنت سأرجع معك إلى التاريخ القديم وليس إلى الأساطير التوراتية، فالكنعانيون هم الأسبق هنا! ترى هل قرأ لينين شيئا ما عن الكنعانيين؟ لا أعتقد.

إن من هم في فلسطين المحتلة أناس من قرابة مئة أمة، مئة قومية وإن كان معظمهم من دين واحد. فهل يعني هذا أن ينقسم العالم إلى دولة إسلامية وأخرى مسيحية وثالثة يهودية؟ أن الكيان نموذج مصغر عن الأمم المتحدة!

استغربت من سؤالك عن ( وماذا لو اجابك احدهم باستعادة اليهود لارضهم في فلسطين؟(

هل فلسطين ارضهم؟

أولاً: هناك دراسات جديدة وخاصة ما انتجه كمال الصليبي وفاضل الربيعي بأن اليهود بالمعنى الوارد في التوراة لم يكونوا في فلسطين.

وثانياً: لا يوجد امتداد بين الماضي والحاضر وهذا الأهم.

وثالثاً: التوراة كتاب اساطير ليس أكثر.

آمل إن كانت لديك إثباتات بأن فلسطين لليهود، أي يهود أرجو أن توفريه لي مشكورة.

أقتطف ثانية من رسالتك

“هل تتحقق القومية العربية التي تقودنا الى الوحدة التي نريدها ونودها بأن يحتل القطر الاقوى القطر الاضعف منه؟ وهل تكون بالاستعادة القسرية لما تم تقسيمه؟ ام ان الامر يجب ان ينبع من رغبة الشعوب وايمانها يأهمية الوحدة ومصلحتها في تحققها؟”

اسمحي لي بالعودة إلى التاريخ مرة وأكثر. هل إتحدت الأمم في التاريخ دون فرض ذلك بالقوة؟ لنقل معظم الأمم. أقصد بالقوة:

أولاً: القوة المجردة بوضوح العنف.

وثانياً: القوة الاقتصادية بمعنى، لو لم تكن ألمانيا الغربية قوية اقتصادياً هل كانت ستقبل بابتلاع ألمانيا الشرقية؟ لو لم تكن لديها قدرة وحاجة استيعابية للقوة العاملة في الشرقية هل كانت ستبلعها؟ وهل كان تفكك الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا إلا بسبب الضعف الاقتصادي؟ ألم يتفكك الاتحاد السوفييتي اساساً بمفعول الأزمة الاقتصادية قبل الشره المظهري الاستهلاكي الذي جذب جمهوراً غير واع إلى الرأسمالية المتوحشة؟ وبالطبع كان للفقر النظري وفقر الوعي دور في ذلك. وكان هناك دور أخطر للفقر الحرياتي. ولكن تحت كل هذه ما كان يميد إلى أن سقط هو الأرضية الاقتصادية المادية. وهل يمكن للولايات المتحدة أن تتماسك بغير القوة الاقتصادية؟ ها هي تعوض الخور الاقتصادي بالقوة العسكرية التي تضرب بها خبط عشواء.

كيف وُجدت الولايات المتحدة بغير القوة العمياء حتى الإطلاق، قوة تشريع الإبادة القائمة على المصالح المادية المجردة رغم ملاءة ثقافة العنصرية التي غطتها لتبرير ذبح 75 مليون مواطن أصلاني هندي أحمر. وكيف توحدت الولايات المتحدة ايام لنكولن؟ ألم يسحق 90 ألفاً لقهر الجنوب بأكثريته السوداء الضرورية للعمل المأجور عند حمر الرقاب؟ وألمانيا في فترة بسمارك، وإيطاليا ماتزيني، والاتحاد السوفييتي (لينين وستالين).

من يجرؤ اليوم على مجرد مناقشة فما بالك بإدانة كيفية توحيد ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة؟ ولكن من يجرؤ على عدم شتم ستالين وصدام حسين وحتى عبد الناصر؟ أليس في هذا نفاق فكري ثقافي تربوي؟ من وضع هذه المعايير غير الغرب ومن ابتلعها وقدسها غير معلمينا التابعين بجهل. كيف يمكننا التحرر من العرق الأبيض ونصف الأبيض الرأسمالي المركزاني إذا لم نقف بجرأة أمامهم، بل بعدوانية مكشوفة: ما فرضتم من قيم هو زيف وتعالٍ وأصنام علينا تحطيمها. لستم وحدكم الذي يفرض قانون حركة العالم. يمكن للوحدة أن تتم بعدة طرق وليس بالطريق التي تختارون لنا وهو طريق التفكيك. ألستم أنتم من قررتم أن طريق حرية/دمقرطة العراق بحرقه؟ هل نحرق أنفسنا!

قد تقولي تغير العالم ولم تعد الوحدة بالقوة هي الطريق الصحيح؟ ربما، ولكن من قال هذا غير الغرب الرأسمالي وابتلعه الآخرون؟ قد يقول البعض…لا لا هذا عصر الحريات والديمقراطية. ربما، ولكن اين هي الحريات؟ أليس من يزعمون هذا هم الذين يذبحون في السودان وأفغانستان والعراق ويوغسلافيا؟ أين هي نقطة الدم التي تسيل في أي مكان في العالم، أين هو اي طفل يجوع ويعاني سوء التغذية وندرة الحليب إلا والغرب الرأسمالي والصهيونية وراء ما حل به ليس منذ أيام بل قرون. ألا تلاحظين أننا متأثرون بلا وعي بتلقيم -في الفم- وتلقين -في الدماغ- الغرب لنا. لماذا للغرب كأنه الربُّ ان يستعمل القوة خارج بلاده وليس لنا أن نستعملها فيما بيننا.

كأنني أسمع مثقفينا التابعين يقولون: أتركنا في نومنا نحن أهل كهف العولمة، لم نُمض سوى لحظة أو بعض لحظة، لا تُقلق تبعيتنا، لسنا بصدد اي اشتباك، نحن مثقفو التبعية والاستكانة، وإن كنا مثقفين عضويين ثوريين، لسنا مثقفي اشتباك. نحن مع نمطين من السلام فقط:

· السلام مع الحاكم

· والسلام مع العدو

وليكن للحاكم والعدو أن لا يقيما سلاماً مع الشعب مع الناس. نحن مع مبادرة عربية لسلام المثقفين. مثقفون في خدمة العدو!

أوافقك على أن تكون الوحدة بالاستفتاء. ولكن من الذي سوف يسمح بذلك؟ ألم يحصل انفصال سوريا عن مصر بينما كان الشعب يصرخ من أجل الوحدة؟ هل تابعت أحمد منصور في الجزيرة وهو ينبش عظام عبد الناصر في لقاءاته مع قائد الانفصاال؟ لماذا لم يعترض أحد ليس من أجل ناصر بل على الأقل لنقد من طعن الوحدة. هل أرغم الغرب الراسمالي الانفصاليين على الاستفتاء؟ ألم يقف كل العرب والعالم ضد تدمير العراق 1991 واحتلاله 2003؟ فماذا حدث؟ ألم تتولد في اعقاب الحرب الباردة حرباً ساخنة ضد المحيط؟ ألم تتحرك الشعوب ضد الحرب والعولمة؟ أليس هذا استفتاء ؟ هل توقفت الحرب؟ ألا تلاحظين أنها تتوسع في أفغانستان وتفتح ميادين لها أوسع من جهنم في السودان واليمن؟

لا بأس دعينا ندخل المسألة أو نقاربها من الباب المعاكس. هل هناك أمة حِيل دون وحدتها كما حِيل دون وحدة الأمة العربية؟ لماذا؟ بل إن هذا المنع هو الذي أوصلنا إلى الاستغراب من القول إن الكويت جزء من العراق. هذا لأن التثقيف القطري قد تجذر إلى هذا الحد وهذا كل ما يريده الكمبرادور والكيان الصهوني والمركز، لا أكثر قط.

حينما جرت مكاتبات “بارودية” في لندن 1987، بيننا ناجي العلي وأنا في مواجهة الراحلين إميل حبيبي ومحمود درويش ومن وقف معهما مدافعين هم عن التطبيع، لم يترك إميل حبيبي كلمة ضد القومية العربية إلا وقذفها. من بين ما كتبت ردا عليه: “إذا كان مشروع التجزئة ممكناً، فلماذا يكون مشروع الوحدة مستحيلا؟”.

ولكي يكون مشروع الوحدة ممكناً فلا غنى عن تفكيك مفاصل الدولة القطرية بما هي عقبة في طريق الوحدة، بل هي العقبة الأشد.

باختصار، في حال توفر مناخ الاختيار الحر شعبيا مع الوحدة أو ضدها، فهذا هو الوضع المثالي. أنا من جانبي أرى أنه سوف يُمنع قسراً وقهراً.

هنا اسمحي لي أن أقول كلمة أخرى عن موقف النظام العالمي من الوحدة العربية وحتى اي تقدم في المحيط عامة.

تاريخ العالم الطبقي هو تاريخ الصراع الطبقي. على المصالح تقود الطبقات الحاكمة/المالكة شعوبها للاقتتال. ومن تبعات هذا أن لا يسمح القوي للضعيف بالتطور. بكلمة أخرى، لا يسمح المركز للمحيط بالتطور. وعليه، فإن فرصة التطور تُنتزع بالقوة اللهم إلا إذا مرت البشرية بلحظة لا سيطرة فيها لمركز قوي في منطقة معينة أو على منطقة معينة، عندها تكون هناك فرصة لتطور معين لمنطقة معينة. هذا ما رأيته في حالة النهضة الأوروبية التي حصلت في ظروف لم يكن فيها مركزاً عالمياً يقطع فرصتها في التطور. وحين اصبحت اوروبا مركزاً قوياً حالت دون تطور غيرها. هذا حالنا مع أوروبا ولاحقاً مع أميركا ومعها!

لن يسمح لنا المركز الراسمالي لا بالتنمية ولا بالوحدة! تفضلي يا سيدتي وطالعي تنقلات قادة الغرب ودبلوماسييه. إنهم يعيشون هنا بيننا. إن دوامهم الوظيفي في الوطن العربي أكثر مما هو في واشنطن ونيويورك وباريس ولندن وحتى برلين.

إنه احتجاز التطور، بل هو العدوان المباشر.

اسمحي لي أن أعرج قليلا على المابعديات لأربطها قسراً ربما بالقطرية. يجادل معظم المابعديين بأن زمن السرديات الكبرى قد مضى وانقضى، هو ما أسموه زمن أو عصر الإيديولوجيا. وليس هذا موضع التوسع في كون ذلك مضى أم لا، ولكن إيديولوجيا راس المال لم تمضِ فلماذا يصرون على مضي غيرها إلا من أجل تخليد راس المال! ما يهمني هنا هو الإشارة إلى القطرية وتواشجها مع شجب السرديات الكبرى؟

فالقطرية هي تصغير الوطن العربي إلى اصغر منازل عشرية، والمابعديات تدعو لأن يتحول كل فرد إلى حالة بشرية منقطعة الصلة بكل ما حوله كي لا يكون هناك اي عمل أو انتظام جماعي. فهل أجدر منا نحن المجزئين بمواجهة عبثية المابعديات المهزومة إنسانياً والمستقوية فردانياً؟ قد أكون قومياً متحمساً، ولكن ما معنى دويلة في الضفة والقطاع؟ وحتى في كل فلسطين؟ وحتى في كل بلاد الشام؟ أليست النتيجة كيانات تابعة تبحث عن مركز يستكريها؟ هل تستغربي إن قلت لك إن بعض منظمات الأنجزة NGO’s ذات ميزانية أكبر من تلك التي لسلطة الحكم الذاتي! في عصر الفردانية يكتفي المثقف براتب من منظمات الأنجزة والسياسي بمساعدة من الدول المانحة ولذا يصران على التمسك باصغر أفق فكري ممكن وبأضيق بقعة جغرافية ممكنة (يسمونها وطنا).

وتضيفين في رسالتك

“وبغض النظر عن رأينا بموضوع الكويت والعراق وهل هي جزء من اراضي العراق ام لا

نجد ان صدام حسين لم يجد كويتيًا ينصّبه حاكمًا على الكويت لمصلحته لم نجد ان الكويتين استقبلوا جزأهم الاخر بالورود والزهور، ولم نجد انهم يرغبون العودة الى احضان الوطن الام.

اين حق هذه الشعوب في تقرير مصيرها؟ هل باسم القومية وايماننا بها يحق لنا ان نؤيد احتلال العراق للكويت؟ واحتلال سوريا للبنان واحتلال السعودية لليمن وقطر او الامارات؟”

بعض العواطف تودي بأهلها إلى الخلط والغباش. لم أصف صدام بأنه ديمقراطي، ولم يكن كذلك قط. ومع ذلك هل بوش “المنتخب- تزويراً” ديمقراطي وهو قتل أكثر من هولاكو؟ أعطني زعيما في عالم اليوم لا يقتل على اليمين وعلى الشمال، وماذا عن أوباما اليوم.

لو سألتني رأيي: أنا لا أؤمن بأية دولة ولا بأية عملة. فكيف أؤمن بقائد أو زعيم، وخاصة حين لا يكون ديمقرطيا مثل صدام أو ستالين؟ ولكنه وقف على مبدئه بقوة وأعصاب. ألا تلاحظين في هذا إخلاصا ما؟ صدقيني لو أن من اسقط نظام العراق قوة محلية حتى لو كانت من يمين اليمين لكان موقفي مختلفاً. أعتقد ان اياً منا لا يثور على ما جرى في العراق من مصرع طفل حتى مصرع صدام عليه أن يسائل كرامته قبل عقله. إن عدم رفض إعدام صدام معناه قبول الاحتلال، أو على الأقل استدعاء الاحتلال من أجل: “تحرير العراق” ها هو العراق وقد “حُرر من حياته”! هناك مثقفون مرضى بتقليد الغرب والرقص على أنغامه الثقافية، لذا رقصوا لاحتلال العراق ولم يطيقوا مجرد أن نحزن نحن! ماذا يقولون اليوم؟

أكثر من طرف ماركسي ايد احتلال العراق وهم بين بقايا الإيديولوجية السوفييتية (طبعا منذ خروتشوف) وبين مصابين بعدوى الصهيونية ولن اقول اكثر.

ولأن هؤلاء المؤيدين مخترقون صهيونياً، وهم كي يمرروا اغتباطهم بدمارالعراق يشنون الهجمة ضد صدام كما فعلوا ويفعلون ضد ستالين للتغطية بالتلاعب والتشاغل في ما مضى على عدم نقدهم ما هو قائم. أي عقل ثأري هذا؟ لم يروا الإمبريالية ولا يريدون ان يروا.

حينما تم ذبح الجيش العراقي في الكويت، جائني وكنت أعمل في مكتب يو ان دي بيUNDP في القدس، جائني ميشيل فارشافسكي (ميكادو) ممثل الأممية الرابعة في الكيان الصهيوني، ومعه بيان عن الحرب يساوي بين النظام العراقي والنظام الأميركي وكان يريد توقيعي. باختصار طردته. وهل تعرفي الرجل؟ هو بالنسبة للأممية الرابعة تروتسكي المنطقة!

هل حقا لم يجد صدام كويتي واحد يؤيده؟ ربما. ولكن لماذا؟ هل لأن الأمير ديمقراطي وقومي وتقدمي ونصير المرأة ؟ أم لأن النخبة الثقافية والسياسية هناك شريكة في اختطاف الكويت التي هي جزء من ثروة العراق. وهل صدام وحده في هذا العالم المطلوب منه أن يكون ديمقراطيا وصاحب استفتاء؟ ومع ذلك يبقى الاستفتاء هو الطريق الصحيح إلا إذا كان فيه إضاعة وطن. وبالمناسبة هل من المنطق بمكان أن يتم الاستفتاء على اتفاق أوسلو؟

مثلاً: حينما كانت مفاوضات مدريد-أوسلو وحينما جرى توقيع ذلك الإجهاض الضخم تدفق البؤساء من شعبنا إلى الشوارع. دهماء، نعم أنا الماركسي العروبي اقر بان الناس في لحظات معينة يقعون في خانة الدهماء. وليس عيباً هذا النعت، بل العيب أن نخشى إعلانه لأنه نقد حارق وتفكير مشتبك. هل احد الأسباب هو عجزنا عن الوصول إليهم؟ نعم. وبقي البعض منا ضد اوسلو من اللحظة الأولى، وحوصرنا وقيل عنا ما قال مالك في الخمر[2].

علينا التفريق بين إعدام صدام وبين عدم ديمقراطيته، وبين تغيير النظام شعبياً وبين تدمير البلد بيد العدو، وبين حق تقرير المصير لشعب وبين اختطاف فئة لحقوق أمة.

يا صديقتي العزيزة، رفض احتلال اميركا للعراق لا يعني قط تأييد اعدام اي عراقي صدام أو نخلة على شط العرب، وإذا كان الاحتلال لا يتجزا فالجرائم لا تتجزأ كذلك.

إن تأييد مرور طائرة من أجواء العراق هو تبعية بدرجة ما.

هل احتلت سوريا لبنان؟ اليس لبنان جزءا من سوريا؟ اليست فلسطين جنوب سوريا؟ ألا تلاحظين أنك تقبلين بهذه التجزئة. والتجزئة هي فقط التبعية إلى الأبد. ألم تدخل سوريا لبنان لإنقاذ اليمين اللبناني ؟ اليمين المتغربن؟ كان دخول سوريا خطيئة لأن من استدعاها هي القوى اليمينية المتغربنة بمباركة أميركا. وقد كتبت عنه عام 1976 وما بعدها. لو كان دخول سوريا لأجل الحركة الوطنية اللبنانية لكنت معه. ولأن دخول سوريا لبنان كان بقبول اميركي انتهى بضغط اميركي. يا إلهي: “الرب أعطى والرب أخذ”. لاحظي أنا لا اناقش هنا ديمقراطية دول الطوائف في لبنان أمس واليوم. وهي رغم بؤسها أفضل من ما كان عليه النظام العراقي في عهد صدام والنظام السوري اليوم، ولكن هذه الديمقراطية هي ديمقراطية القمم المتعادية/المتحالفة في الطوائف. إنه كما يقول التنمويون تمفصل/صراع. فهل يمكن بناء مستقبل وطن على هكذا توازن؟ هل كان يمكن تحرير الجنوب على يد دول الطوائف والبيكوات؟ أليس هؤلاء اليوم تواقين لعودة الاحتلال؟ أليس لتحرير الجنوب علاقة حقيقية بغياب الدولة القطرية؟

ومع ذلك طالما لن يُسمح لنا باي استفتاء وحدوي فأنا مع قيام القطرية الأكبر إذا كانت غير تابعة ولديها مشروع تنموي أن تضم الأصغر على الأقل لتوسيع السوق الراسمالي الذي لغيابه انكروا علينا اننا أمة (كما حاولت تبيان ذلك في المقالتين الأولى والثانية التي قرأتهما عن القومية في كنعان الإلكترونية واعترضت على بعض الثالثة).

قد أتطفل عليك بسؤال: لماذا يكتب مواطنون مثلي هكذا؟ أقصد كتابة تبدو متناقضة بمعنى اعتبار صدام شهيداً والإقرار بانه ديكتاتوراً؟ كيف يستقيم هذا.

أعتقد ان هذا تأسيس للوعي النقدي للجيل المقبل الذي نكتب من أجله. هو شهيد لأنه لم يخن مشروعة في حقبة لا يتفاخر فيها سوى الخونة. لا بأس تسمية شهيد هو استحقاق إلهي. هل نسميه بطلاً؟ أم أن هذا حرام ايضاً. هل تعرفي عدد المغفور لهم في الوطن العربي؟ هل تلاحظي كيف يكتبون عنهم بكل أدب. ماذا كنا سنقول لو استسلم صدام قبل الحرب او يوم احتلال بغداد؟ أرجو أن تتنبهي لأمر يبدو ضئيلاً: إن حفيد صدام كان شهيدا كذلك، لقد قتل منهم اثنان على الأقل، وهو طفل. هذه روح المقاومة وهذه تربية بلا شك لو فعل هذا طفل من الكيان الصهوني لأنتجت له هوليوود سلسلة أفلام ولا تقولين رامبو وحتى بالسداسية والمسدس وال (كِبَّا)!. وهذا ما نحتاجه في كل الوطن العربي. نعم المقاومة ومناهضة التطبيع والتنمية. هذه قاطرة الحرية لهذه الأمة ولكل الأمم والإثنيات الشريكة والمتآخية. والأمة هنا لا تشتمل الكمبرادور والسلطة.


[1] الموجة الأولى هي الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر، والثانية في ثورة المستعمرات في القرن العشرين والثالثة هي في حقبة العولمة وهي في أغلبها قوميات تقودها الكمبرادور مصطنعة أو مستخدمة من قبل المركز.

[2] في زيارة أكاديمي تطبيعي محلي لجامعة لندن التقى مع أحد المحاضرين الذين علموني وسأله عن أخباري، فقال له هو على حافة الجنون لأنه لا يطيق قبول اوسلو،( طبعاً حين كان اوسلو في ربيعه) واوسلو واقعا. لم أُجن بالطبع، أو هكذا أعتقد.