أيبرر التطبيع المخفي صمتنا!

التعاقدات فردية وفئوية، علنية وسرية

عادل سمارة

عزيزي الرفيق أحمد حسين،

ملاحظة:فوجئت برسالة من وفد شبابي فرنسي زارنا، يؤكدون فيها أن أهم درس خرجوا به :لا توجد مقاومة هنا وأنهم سيركزون ضد التطبيع”. أما هنا، فيكفي أن تفضح التطبيع حتى تُحاكم أو يقول لك الأصدقاء: “شو هالفضايح وهالهباب اللي عامله”!

أقرأ ما تكتب بعناية ودقة ومتعة. وكما تعلم حين نختلف نتآلف أكثرلأننا نختلف كيف نُعطي وليس على مبدأ العطاء. أنت تعطي ولا تأخذ في مرحلة وصل بهم صغار قبل الكبار جاهزية بيع الأرض مقابل حفنة دولارات أو قرطاً في الأذن.

تستفزني حين تشير إلى حقائق تتعلق بالثقافة والشعر والأدب والأكاديميا بمعنى انها حسب مقالتك الأخيرة أكثر خطراً من حديث الساسة، تستفزني حين تقدم هذه بلا شخوصها؟

هل تذكر حين كتبت في “كنعان” عن أبي الطاهر الجنابي قبل سنين عدة، ورفضت إشهار اسمه فأصبح عضو كنيست وأشهرته الأنظمة حتى التي تُمانع! عجيب! تمانع في أمر وتحتضن في آخر! وحمله “كبار”المثقفين العرب على رموش الفكر، اي فكر هذا! ، وحتى اشهرته المقاومة النظيفة باسم “شطارة” التكتيك. قلت لي لا أطيق أن يقولي عني حاقداً كما يقولون عنك.

من قال لك أن ما كتبته في إشارة إلى إميل حبيبي (جفعات حبيبة، وجائزة الدولة الصهيونية) أن كثيرين حتى في الأرض المحتلة 1948 يعرفون انه هو؟ نعم، أما حين رحل الرجل كتبت أنا “مات على فراش المرحلة” وقيل عني كارهاً. لا بأس، طالما أحب وطني فليقرأوني كما يريدون، المهم تقديم الحقيقة. يتحدثون اليوم عن اغتيال ناجي العلي. لا يهمني من اصدر الأمر ولا من أمسك كاتم الصوت وضرب، يهمني المثقفين والشعراء والأدباء الذين شاركوا في التحريض ضده حتى قُتل بأقلامهم وقرائحهم وما قبضوا…! نعم هؤلاء هم المثقفون العضويون للتسوية والتطبيع! . ما أُوقف عمري عليه هو أن أساهم في توفير وعي نقي للجيل الجديد، طرحاً نقيا ـ كريستال- لا ينخدش فالعبرة أن لا يُقدَّس سوى القديس.

وما أشرت إليه في مقالتك عن الراحل محمود درويش (الشعراء، و …يحبون الشيوعية). من يعرف انك تقصده؟ إذا كانت المرحلة قد أحاطتهم بدروع فولاذية وبشرية هم وغيرهم كي تحميهم من اي نقد فما دورنا نحن؟

مبكراً رفع غسان كنفاني من اسماهم “شعراء المقاومة” وحين أصبح من أصبح منهم شعراء المساومة، كان قد تفتت غسان بخوراً يصعد إلى السماء وما زال يفوح. هل تعرف من الذين يتحدثون عنه اليوم، يبيعون بخور الشهداء في أوعية ثقافية من صنع أل سي. آي .إيه يبيعونها في سوق التطبيع ويترأسون نقاشات وندوات على الفضاء عن غسان، هم ممن “نظَّروا” لأوسلو حتى رسخت. ولأنك تحب العراق أقول لك احتفلوا باحتلال بغداد يوم 9 نيسان البئيس. وهم أنفسهم اليوم يلبسون قميص ناجي العلي، ولن يبقى لك ما تلبس سوى الشرف؟ الا يكفي؟

أحياناً، نضطر ل “بق الحصوة- ويا رفيقي ما اكثر الحصى وأضيق الفم بعد” أعلم أنك تعرف الذين “بطروا” في الكيبوتصات وتعلموا مقارنة الأديان هناك، هناك عُلِّموا كيف يقرأون القرآن بعقل التوراة، لا بل بعقل الصهيونية والجديدة منها.

طالما رفضنا المرحلة لا بد من كشف بعض المتعاقدين لإنارة طريق من يعشق عذاب المرحلة ليفهم الراسخون في التعاقد ويحذر من هم على الحواف بعد كي يرتدعوا. ويا حبذا!

هل تعرف لماذا؟ لأن عدم كشف جذور الأسلاف يسمح لعشرات الآلاف من متلاعبي الثقافة ومرتزقتها بأن يرتبوا تعاقداتهم الثقافية/السياسية في التحليل الأخير بأمان!

يقول الفلاحون هنا: “الموت مر والشراد-الهرب- فضيحة”. الوضوح مكلف والاشتباك مكلف، وإحدى كلفهما أن نبدو كما لو كنا فضائحيين وكارهين وحاقدين…الخ! لن أُقسم لك بشيء، ولكن حتى لو كتبنا عن هؤلاء نقداً في الفلسفة لقيل هذا حقد وهذه فضائحية…! وحتى لو كتبنا نقداً عن أي كاتب حتى أرسطو سيقولوا: يا أخي لا يحبون أحداً! رأي هؤلاء ليس مطلوباً، المطلوب هو كشف المستور لطيبي النوايا بل ورأب الصدع لدى من تلطخ قليلاً بقصد أو سذاجة، كي يغتسل يتوقف ويصمد وليكن بعض الجوع!. نعم لأننا نحب هؤلاء ولا نكره المطبعين بل والمتعاقدين سراً، وإنما لا نستطيع تجاهل الخطر العميم.

ليقولوا أكثر من هذا، لكنهم لا يملكون ما يدافعوا به! بوسعهم الهس والدس، والثرثرة والطعن في الظهر لكنك لن تجد اياً منهم قادراً على الرد بكلمة واحدة لأن ما نكتبه حقيقي. قال كثيرون هذه حماسة وهذا لا يليق بكاتب أو مفكر. كلا، هذا الحديث مجاني وتافه ومتسربل بإهاب شكلي همه الأساس السماح لأفاعي التسوية والتطبيع وكتابة التقارير باسم الأبحاث وهي سياسية تماماً، بأن يلدغوا ويبلعوا ويختفوا.

بيت القصيد هنا ليس نقد درويش ومعلمه كما وصف هو “إميل حبيبي حين رثاه”، بيت القصيد أن هناك عشرات الآلاف ممن يصطفون في طوابير التطبيع ملتحفين ملاءة الثقافة والإبداع. لا بل أخطر. هناك مشروع استبدال المستشرقين القادمين من الغرب الأبيض بمحليين عُقد لهم الزواج بين الاستشراق بألوانه وبين الأنثروبولوجيا (علم الإنسان غير الأبيض) أي هناك فيالق من القواعد للآخر تبحث في كل شيء وتقدم التقارير العلنية والسرية. أُقرُّ لهم أنهم يعملون بصمت وبكل الجدية الممكنة لتكتشف أنه أوصلو الأرشيفات السرية الغربية (لا أقصد جوجل) تفاصيل عن ولدك شادي أكثر مما تعرفه السيدة زوجتك؟

هل تسمي هذا ما بعد الصهيونية أم صهينة الفلسطينيين والعرب، أو ما بعد العروبة؟
وماذا نفعل نحن؟ حتى الآن كأننا نتبنى المثل السلبي التاريخي عن المرأة وهو ضدها:
الله يستر على …”. إذا كان علينا فعل شيء، فهو على الأقل أن نحاول، اقول نحاول، أن نوصل المواطن إلى التأشير إليهم وهم في السوق، في الجامعة، في الحارة، في النقابة في اتحاد الطلبة في الحزب في اتحاد المرأة في …هؤلاء هم!

هل تعرف من هو الذي سبقنا وكان أكثر جرأة؟ هو السيد محمود عباس ابو مازن.

قد تقول جُنَّ رفيقي!

لا يا رفيقي، عقلي معي، عباس لأنه يعرفهم من حيفا والناصرة وقرى الناصرة وحتى أريحا، ويعرف انهم بايعوه سرا وعلانية ونالوا ما أرادوا، (من عباس والمانحين والأنجزة ومصادر لا يعرفها حتى جفر الإمام علي، وحده الله يعرفها) وَنَعَفَ كل منهم على حواريية بعضاً، والحواري على الجواري بعض البعضِ فرنخ الجميع وتخدر بالتسوية والتطبيع. لذا يذهب الرجل إلى مختلف انواع المفاوضات مستريحاً ولمتلىء كل الفناجين بالزوابع، فالعالم أوسع من الفناجين وحتى من الطناجر!