على المرأة: من الأخطر هنتنجتون أم السلفيون

بادية ربيع

يترك كل مفكر تراثه وبصماته من بعده بالسلب أو الإيجاب، بالعنف أو بالسلم، بالخير أو الشر. وقد لا يكون سهلاً وصف كل مفكري راس المال بالشر المطلق، على الأقل من حيث النوايا وليس من حيث النصّْ.

وقد يكون هنتنجتون حالة فريدة بمعنى أن ما كتب كان شراً مع سبق الإصرار. فرغم انتمائه للديمقراطية الراسمالية الغربية إلا أنه لم يكن معجباً بأدائها وبما تزعمه أنها ديمقراطية للجميع، فهو مع تقليص نطاق الديمقراطية لتقييدها بيد القلة، وهو يرى أعداء الديمقراطية في داخل البلدان الغربية نفسها وفي خارج هذه البلدان. على أن قمة ما يؤكد لا إنسانية الرجل ويكمل مبناه الفكري الشرير :فرغم أنه عاش في مجتمع مفتوح من حيث علاقة الجنسين (علاقة حتى الإباحة وزواج المِثْل) إلا أنه كان رجعيا تجاه المرأة.

في تشخيصه لأزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة كتب:

“…إن الديمقراطية في الولايات قد دخلت منذ الستينات وضعاً خطيراً بسبب كثرة من يشاركون فيها، إضافة الى متطلبات كثيرة جدا من قِبَل العمل المنظم والجماعات الاجتماعية الناشطة حديثا كالنساء والأميركيين الأفارقة. ان ديمقراطية زائدة جعلت الديمقراطية الأميركية مريضة”.

يذكرنا هذا الحديث بالمسألة الكبرى: المساواة بين الجنسين في بلدان المركز الراسمالي والأطراف على حد سواء، حيث تأخرت التشريعات التي أعطت النساء بعض الحقوق كالانتخاب والترشح للبرلمانات علماً بأن هذه التشريعات ليس شرطاً أن يتم تطبيقها والأخذ بها.

وبالطبع يمكننا فهم تركيز الكُتَّاب الذكور عربا وغير عرب على الجانب السياسي والثقافي والعرقي حتى باللون في كتابات هنتنجتون، ولكن لا بد من التساؤل لماذا لا تكتب النساء وخاصة النسويات عن هذا الجانب الرجعي في الرجل وهو جانب يُكمل صورته بدرجة كبيرة بما هو ضد البشرية.

إن قراءة فكر الرأسماليين ولا سيما أمثال هنتنجتون بما هم من مطبخ البيت الأبيض، طبعاً قبيل رحيله، هي قراءة ذات فائدة كبيرة ودائمة للبشرية وتحديداً في التثقيف ضد راس المال ولا سيما حين يَطال النقد أحد أعمدة هذا الفكر بل النظام الرأسمالي.

تركز النسويات في الوطن العربي نقدهن ضد الإسلام السياسي ولفرط هذا التركيز، يبدو الغرب الرأسمالي كما لو كان مثالياً تجاه المرأة. وليس الأمر برأيي أن لا يتم نقد الإسلام السياسي في هذا المستوى و/أو غيره، وكذلك نقد المؤسسة الدينية بشرط نقد الأنظمة الحاكمة التي توظف هذه المؤسسة لمدحها والدعاء لها، لكن الأمر هو أن تتم مراجعة ونقد الكثير من فكر الرجل الأبيض والمرأة البيضاء كذلك تجاه المرأة على الأقل.

وهذا يعني مراجعة كتابات هاتيك وهؤلاء وعرضها كما هي بداية، وتحليلها وتقريضها ونقدها كذلك.

ما أهمية هذا وفائدته؟

لعل الفائدة الأهم أن هذا الاطِّلاع والعرض والنقد يخلق جيلا من المتمكنين فكريا ومن ثم اجتماعياً وسياسياً بحيث لا يكون الغرب الراسمالي مثلهم الأعلى وبحيث تكون القراءة النقدية والجادة هي المصباح الذي ينير الطريق في مناخات يتم ملؤها بالعتمة كي يتلطى بها من يدفعون باتجاه تذابح البشرية أمثال هنتنجتون الذي رحل ولم “تكتحل” عيناه بمذبحة مجدو “ارماجدون”.

ترى، لو تقدم هو/هي إلى مؤسسة فورد بطلب منحة لدراسة مواقف المحافظين الجدد من المرأة ماذا سيتلقى سوى ركلة بل ركلات! هذا ما أوحى به نقاش مع صديقة متحمسة لإكمال دراستها إلى العليا:

قالت: لماذا يكرر المانحون إعطاء المنح في مجال محدد سياسي وانثروبولوجي لفهم الوضع العربي والفلسطيني ويهملون المجالات العديدة الأخرى؟

قلت: وما وجه الاعتراض؟

قالت: لأن هذا سيخلق بطالة بين متخصصين كُثر في موضوع محدد؟

قلت: ومن قال لك أن المانحين يمنحوننا كي نتطور تطوراً متوازنا؟

قالت: وماذا يفعل الخريجين هؤلاء إن لم يتسنى لهم العمل في تخصصاتهم.

قلت: عزيزتي ، من ليس بريئاً منهم سيكتب تقاريراً تُدر دخلا أعلى.