مفاوضات التصفية بين الدوافع والمصير

العميد الدكتور امين محمد حطيط

كان الأمر شأناً يستحق الدرس والتحليل أن يصــر الرئــيس الأميــركي على تنظيــم مفاوضــات مباشــرة بين إسرائــيل والسـلطة الفلسطــينية ويضــغط على الفــريق الأخـير الى حد التهديد بوقف المساعدات في مرحلة أولى والتراجــع عن الاعتراف به شريكاً في عملية الســلام في مرحــلة ثانية تعيده الى ما كان عليه وضعه مع أميركا قبل اتفاقيات أوسلو. أما إسرائــيل التي تمعن في خطتـها وبتسـارع لافت في القدس والضفة الغربيـة، فإنــها تبحــث مع أميركا عن حل خلاق يحفــظ في الجوهر استــمرار الخــطة المتضمنة الإقرار بيهودية الدولة وتهويد القدس لتكون العاصمة الموحـدة لهذه الدولة، وإسقاط حق العودة نهائيا.

وفي البحث عن إجابة للســؤال نرى أن أوبـاما الذي بات على عتبة النصف الثاني من ولايته يرى أن هذه الولاية تتآكل دون نجاح فعلي جدي في الداخــل أو الخارج. حيث إن إنجازه الوحيد في الداخل كان في الملف الصحي، أما في الخارج، فإنه شهــد انهيار استراتيجــيته في أفغــانستان، كما يتجسد في إخفاق أميركي في العراق، أما على الاتجاه الإيراني فقد حاول أن يصف القرار 1929 بالعقوبات على إيران بأنه إنجاز عظيم لإدارته، و إذ بإيران ترد قبل انتـهاء مهل الثلاثة أشهر المعـطاة لها للعودة الى النقاش ومراجعة الموضوع ترد قولاً برفـض الانصــياع وعملاً يؤكــد التحــدي، وتفتح مفاعل بوشهر لإنتاج الطاقة الكـهربائية بالذرة التي تريد أميركا أن تحرمها من حقها بها. أما في لبنان، فإن الخطة الاميركية في إغراق المقاومــة في وحــول الداخل اللبناني بفتنة تــقود الى حــرب أهلية كما تتمنى وتخطط إسرائيل وأميـركا من بـاب أكذوبة ما يسمى القرار الاتهامي، فإن هذه الخطة يبـدو أنها قد جمدت أو تأجلت، وفي التجميد أو التأجيل نذير إخفاق ايضاً.

كل المشهد إذاً، يقطع بتلاحق الإخفــاقات الأمــيركية عل مساحة المسرح الاستراتيجي الكبير المــسمى بالمصطلح العسكري الأميركي «المنطقة الوسطى»، لكل ذلك وعلى أعتاب الدخول في انتخابات نصفية للكونغرس الأميركي، رأى أوباما أنه بحاجة لإظهار نجاح ما، واختار الملف الفلسطيني ليحدث فيه الإنجاز المأمول أميركياً وصهيونياً.

} وجــود ســلطة ضعــيفة فاشـلة في رام اللــه فــقد رئيسها الشرعية الدستــورية والقــانونية بانــتهاء ولايته واستعاض عنها بشرعية ممنـوحة له من أميركا وسواها.

} انقسام فلسطــيني ومعانــاة في قطاع غزة بسبب الحصار الإجرامي، يمنع ممارسة الرفض للمفاوضات بالعودة الى عمليات عسكرية.

إن الحكم النهائي على نجاح المفاوضات يتطــلب انصرام المهلة أي سنة كما حدد لها، و هذا ما تريــده أميركا بالضبط ـ شراء وقت بطول سنـة تلزمهــا لترتب ما تشــاء من ملفاتــها سواء في الداخل أو الخارج، خاصة في العراق وأفغانســتان ولبنان، وتحجب خلالها الإخفاق الذي يلاحقها، وتكون الدعــوة والصــورة الأولى لبدء المـفاوضات كافية في الحد الأدنى لاستــثمار منــاسب لها وتسميه نجاحاً، هذا بصرف النظر عما ستؤول اليه المفاوضــات. أما إسرائيل، فهي ايضا ستستفيد من هذه المدة لتستثمرها ميدانيــا في إنفاذ مشروعها استطياناً وتهــويداً ومتابعــة تعزيز القــدرات وســد الثغرات في بنيتــها العسكــرية لتتــحضر للحــرب المقــبلة التي يبدو أنها باتت أيضا مستبعدة لفترة سنة إضافية.

أما عن المفاوضــات ذاتها فإنـنا نرى لنتائجها احتمالين:

ـ الاول: استســلام محمود عبــاس للضــغوط الأميركية والصهيونية والتسلـيم بما يــفرضه الإسرائيلي، وهنا يمكن توقيع اتفاقيــة حل تشــبه اتفاقية أوسلو، وتكون كما وصــفها الرئــيس حافظ الأسد يومها، «كل كلمة فيــها بحــاجة الى تفاوض واتفاق لاحق» أي يكون الفلسطيــني تنازل ولم يأخذ شيئاً في الحقيقة، خاصة أن المهل المحددة للتنفيذ بعد الاتفاق تصل الى 10 سنوات هي مهلة كافية لإسرائيل حسب تقديرها للإجهاز على ما تبقى من معاني للقضية الفلسطينية.

ـ أما الاحتــمال الثاني فيتمثل في فشل المفاوضات، خاصــة إذا استــمرت إســرائيل على تصــلبها وتعنتــها برفضها الإقــرار للفلسطــينيين بأي حق. وهنا يكون المكسـب الأميركي متمــثلاً في الدعــوة والرعاية وبعــدها يحمّل الجــانب الفلــسطيني المسؤولية وتبرّأ إسرائيل من مسؤولياتها وتفك عزلتها الدولية.

وهكذا تكون المفاوضــات، مهما كــانت نتــائجها، مكسباً أميركياً وإسرائيلياً، وخسارة فلســطينية. إنها فترة سنة ويخشى ألا ننعم فيــها بالاستــقرار الذي نرغب. أما عن تصفية القضــية التي يرغبون بها فلا أعتقد أنهم قادرون، ومن جميل الصدف أن يكون يوم القدس العالمي الذي يأتي هذا العام في الأسبوع الذي تبدأ فيه المفاوضات، ليكون أول رد على محاولة تصفية القضية.

:::::

المصدر: “السفير”

الرابط:

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1634&ChannelId=38208&ArticleId=40&Author=%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86