العراق وحرب الخليج الرابعة!

جمال محمد تقي

في نهاية المطاف ستتشكل حكومة جديدة ـ قديمة ـ في العراق، بالمالكي اوغيره من مرشحي التسوية الذين يطرحهم التحالف الوطني، حكومة شراكة، او وحدة، او تسوية، سمها ماشئت، لانها ستكون نسخة من سابقاتها، كل القوائم الفائزة ستشترك فيها، وستتوزع الرئاسات الثلاثة، الجمهورية والبرلمان والوزراء على ممثلي تلك القوائم بعد تصنيفها مكوناتيا، فقائمة دولة القانون تندمج مع التحالف الوطني الشيعي، والعراقية التي دوخت الحسبة الطائفية، ستحسب رغم انفها كممثلة للسنة، والاكراد جاهزون بحسبتهم القومية، وكما هو حال الوزارة القائمة حاليا، سيتم تطعيم الحكومة بشخصيات من خارج هذه الدائرة المغلقة للتغطية ولو اسميا على واقع التقاسم الطائفي والعرقي الفاقع في تجليات لونه على مجمل تطبيقات العملية السياسية اللاوطنية القائمة ومرجعياتها الظاهرة والمستترة من دستور واتفاقية امنية ـ ببنود معلنة واخرى سرية ـ!

تتسائل السيدة عالية نصيف احدى ممثلات القائمة العراقية، وهي تتهكم على طروحات قائمة دولة القانون وقائمة التحالف الكردستاني التي تدور حول الاستحقاقات المكوناتية في توزيع مناصب الرئاسات الثلاثة قائلة : لماذا اذن الانتخابات اذا كانت مناصب الرئاسات الثلاثة وفي كل الاحوال ستوزع على ممثلين من السنة والشيعة والاكراد؟

نحن ايضا بدورنا نتسائل لماذا كل هذا اللف والدوران؟

لا حاجة اذن لانتخابات عامة وسرية، فممثلو المكونات معلومون وجاهزون، وهم من وضع الدستور وكل القوانين السارية، برعاية امريكية شاملة ومقنونة باتفاقية الاطار الاستراتيجي ببعديها السياسي والامني!

لا حاجة للضحك على الذقون، لا حاجة لارهاق الناس واخذ بصماتهم، لا حاجة للعد والفرز، لا حاجة اصلا لوجود مفوضية للانتخابات، فعلى ضوء نسب مجلس الحكم تتحدد النسب، الشيعة اكثرية وعليه سيكون لتحالفهم المعلن رئاسة الوزراء وبشكل ثابت، والسنة اقل نسبة منهم وعليه فلهم رئاسة الجمهورية او رئاسة البرلمان، هم وشطارتهم، وكذلك الامر بالنسبة للاكراد، فأول رئيس عراقي محتل كان غازي عجيل الياور وهو سني، وكان فؤاد معصوم وقتها رئيسا لمجلس النواب، لكن الاكراد كانوا اكثر شطارة من السنة في اثناء اعادة تسمية الحصص على ضوء نهاية خدمة الدورة الحكومية الاولى والتي تلت مجلس الحكم، فاستطاعوا استبدال منصب رئاسة البرلمان بمنصب رئاسة الجمهورية، واعتبروه حصة شبه ثابتة لهم، ثم راحوا يطالبون بزيادة الصلاحيات الخاصة به، اما السنة فكانوا متقاعسين وغير متحمسين للتنافس التقاسمي، وعليه نالوا منصب رئاسة البرلمان ـ محمود المشهداني ـ، واستمر الحال على ماهو عليه، حتى حلول الدورة الحكومية الثانية التي رافقتها كعادة كل الدورات الحكومية المنتهية ولايتها، الاعراس البنفسجية والمهرجانات الخطابية والحملات الاعلانية لتجميل صورة العهد الجديد ومنحه نوع مخادع من المبايعة الشعبية المكلفة ماديا وبشريا!

بعد نهاية ولاية حكومة المالكي، وبعد انتهاء حفلة العرس البنفسجي الخاصة بها، اي قبل حوالي ستة اشهر، نعود من جديد الى ذات المسلسل التقاسمي، لكن الذي يؤخرالمباشرة في عرض القسمة الجديدة القديمة هو صراعات بينية في الكتلة الواحدة ـ كتلة التحالف الوطني الشيعية ـ وقبل ذلك التدافع الامريكي الايراني لاعادة هيكلة الكتل والعمل لتجييرها تماما لخدمتها، اضافة الى محاولة الامريكان لربط موضوعة الحكومة الجديدة بانسحابها الجزئي من العراق لاغراض داخلية واخرى اقليمية بالتزامن مع سعيها لاغراء ايران بالتورط المباشر في المستنقع العراقي!

كانت التصريحات الامريكية ومنذ ماقبل الانتخابات تتوقع هذا التاخير في الاعلان عن الحكومة الجديدة وكانت وما زالت تعلن وتلمح الى ان ايران قد فشلت في الدفع باتجاه تشكيل حكومة عراقية على مقاساتها، كما فشلت في محاولة اعاقتها لتمرير الاتفاقية الامنية، وكل هذا ضمن مسعى اعلامي لفضح ابعاد التدخل الايراني في العراق، مما يدفع كثير من المتابعين على الاعتقاد بان امريكا ستنسحب من العراق وعينها على المزيد من التمادي الايراني فيه، وان انسحابها الثقيل لايعني ترك العراق لايران وانما لجعله طعما لها ليستنزفها ويجعلها مهيئة لتلقي الهزيمة التي تريدها كنتيجة لكل اشكال المواجهة معها من اجل احتوائها كما احتوي العراق.

لا جديد نوعي في الوضع العراقي، سيبقى الحال معلقا بخيوط الارادة الامريكية حتى تجبر على ترك العراق ومصيره لاهله، الجديد الوحيد الممكن هو الترياق الذي ستواجه به حركة المقاومة الوطنية العراقية المخطط الامريكي وتكتيكاته بالترافق مع انسحاب القوات المقاتلة من العراق والذي يتطلب مضاعفة الجهود وتوحيد الصفوف لدرء المخاطر القادمة من ايران بذات الوقت الذي تسعى فيه لافشال المشروع الامريكي برمته وطرد سفارته واجباره على الاعتراف بالهزيمة وتعويض العراق عن الممكن من خسائره الجسيمة.

حرب الخليج الرابعة ستكون مدخلا افتراضيا لاعادة رسم ملامح العراق الاصيلة، وذلك بتطهره من كل ادران الاحتلال البغيض وعمليته السياسية التقسيمية المفتونة بنعرات الطوائف والاثنيات، ستكون مدخلا مزدوجا ومضاعفا لمواجهة كل الاخطار المحدقة بالعراق والمنطقة برمتها، ستكون مدخلا لاعادة تاصيل الخنادق القائمة والداعية لمقاومة كل اشكال الاحتلالات القائمة والتخلخلات الناتجة عنها، ان كانت امريكية او اسرائيلية او ايرانية.

في واحدة من وجوه حرب الخليج الرابعة القائمة فعليا بين قوى المقاومة العراقية وبالضد من امريكا وايران، ستتحدد ملامح الوجوه الاخرى الغير معلنة.

قيام مواجهة شاملة بين اسرائيل وامريكا وايران على مساحات النفوذ بينهما وتدخل النظام الرسمي العربي على الخط المباشر لتلك المواجهة بدفع ذاتي او دفع خارجي امريكي، سيضاعف حالة التطير من النهج الايراني الذي مكن الامريكان والصهاينة من احتلال العراق وسيفتح افاق جديدة لحركات الممانعة العربية لترتفع بممانعتها الى مستوى المقاومة الفعالة لكل المشاريع الامريكية الصهيونية والعمل على اسقاط الانظمة العربية السائرة بركبهما، وستدفع النظام الايراني لاسقاط كل اقنعته، حيث سيقف عاريا امام تناقضاته، ووقتها سيكون العراق مجددا مجسا لنواياه التي لم تدخر شرا الا وبثته فيه، ووقتها ستكون مقاومتنا خير حليف لمقاومة شعب ايران صاحب القول الفصل بمصير نظامه المصاب بالانفصام .