أماتوا الماركسية مراراً… فَلِمَ لا تزال حية؟

فواز طرابلسي *

لست أدري كم مرة أعلنت فيها وفاة الماركسية وأقيمت المآتم. لكني أعرف أنه في كل مرة، يتبيّن أن الجثة في صحة جيّدة وأن المرحومة قامت من بين الأموات قبل اليوم الثالث. وأعرف أن آخر مرة أشهر فيها حفارو القبور معاولهم والرفوش كانت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

صورة كارل ماركس الأثيرة عن الشيوعية هي حيوان الخلد. يختفي ليعود إلى الظهور في الأوقات والأماكن غير المتوقعة. تنطبق الصورة أيضاً على النظرية التي أنتجها الفيلسوف الألماني الملتحي الذي لقّبه أهله بـ«العربي» بسبب سمرة بشرته.

مثل الخلد، غارت الماركسية في تلك السنوات وأخذت تحفر السراديب ببطء تحت الأرض. وفي أقل من عقد من الزمن، عادت للظهور أقلاً في ثلاث أمكنة مفاجئة. وبينما كان الناس يطمرون الجثة في أوروبا، ظهر الكائن الحي في أميركا الجنوبية، ووصل عدد من الحركات اليسارية والشعبوية المتأثرة بالماركسية إلى السلطة في البرازيل وفنزويلا وبوليفيا والباراغواي عن طريق الانتخابات النيابية، ومن خلال حركات اجتماعية منظمة وفعالة تضم ملايين من البشر. يمكن تسمية تلك العودة عودة لجثة أخرى ساد الظن أنها قد دفنت وانتهى أمرها بعد اكتشاف بقاياها في مطار بوليفي. هي عودة تشي غيفارا من بين الأموات.

وكان هذا في الوقت الذي يحتفل فيه العالم الرأسمالي بنهاية التاريخ حسب رواية السيد فوكوياما.

من جهته، أعلن صموئيل هانتنغتون نهاية التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ والمجتمع وانتصار التفسير الثقافوي. أفتى بأن البشر ينقسمون ثقافات وحضارات مغلقة ومتصارعة أساسها الدين. وهم متراتبون وفاقاً لما تحمله ثقافاتهم ذات الجواهر الفريدة من قيم تساعد على التقدّم أو تعيقه. جاء الرد على هانتنغتون على شكل فوران من الإنتاج النظري والأكاديمي والثقافي والأدبي، المستوحى من الماركسية، غمر الحياة الفكرية الغربية، وخصوصاً في البلدان الأنغلوساكسونية. تكفي الإشارة إلى النفوذ الكاسح لتيار «الدراسات الثقافية» الذي أطلقه يساريو جامعة برمنغهام البريطانية وإلى مفرقعات السلوفيني سلافوي زيزك النظرية، وقد أعاد الوصل بين ماركسية خلاقة والثورة التي أطلقها جاك لاكان في علم النفس الفرويدي، ناهيك عن نظريات الأميركي فريدريك جايمسون اللامعة في دور الثقافة في «الرأسمالية المتأخرة» وأهمية الطوبى في فكر البشر وسلوكهم.

وفيما كان هذا التيار اليساري في الثقافة ينازع ثقافوية هانتنغتون في عقر دارها، لاح شبح الماركسية مجدداً في خلفية الأزمة المالية الأخيرة التي هزّت العالم الرأسمالي. أكدت الأزمة صحة نظريات ماركس عن دورية الأزمات في الرأسمالية وعن أحد مصادرها انتقال رأس المال من القطاعات الإنتاجية إلى القطاعات المالية. فجأة صار كتاب «رأس المال» مرجعاً لرجال الأعمال علّهم يكتشفون فيه أسباب الأزمة وسبل تجاوزها.

فؤاد خليل من الذين يؤمنون بقيامة الماركسية.

يضم كتابه مجموعة نصوص متفاوتة من حيث طبيعتها ـ بين مقالة ودراسة وبحث ـ ومن حيث الموضوع وزمن الكتابة. مؤلفها عالم اجتماع يرتقي من التحليل السوسيولوجي إلى التأملات الفلسفية ليختم على مقترحات عن النهضة الفكرية العربية ومهمات تجديد اليسار في لبنان. ولكن يجمع بين هذه النصوص همّ رئيسي هو إثبات شمولية الماركسية وراهنيتها عبر مفاصل ثلاثة: الأول هو إعادة الاعتبار النقدي للنظرية الماركسية بما هي نظام معرفي موجّه نحو التغيير. والثاني، تحريرها من المركزية الأوروبية. والثالث، السعي لحلّ إشكالية العلاقة بين الماركسية والعالم العربي.

تلقي هذه المقدمة الأضواء على عدد من المقولات المميزة في إسهام فؤاد خليل في هذا الجهد، قبل أن تسجّل ملاحظات نقدية مقتضبة تطمح إلى أن تكون مقدمة لحوار.

في التنقية النقدية

يبدأ فؤاد خليل شغله النظري بجملة من عمليات التنقية النظرية. يميّز الماركسية عن التفسير الاقتصادوي الاختزالي السائد، فيؤكد على أن الإنتاج الاقتصادي عملية تتم في «مركّب من العلاقات الاجتماعية» هي موضوع المعرفة في الماركسية. ويعرّج على الصورة الدارجة عن القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقية السياسية والأيديولوجية ليثبت علاقة التفاعل بينهما. ففي الدولة ـ أي في البنية الفوقية ـ يعاد إنتاج التمايزات الطبقية؛ وفي الدولة يجري تعديل البنية الطبقية؛ وأخيراً في الدولة يجري إنتاج علاقات طبقية جديدة متوسلة العنف أو الموقع السلطوي.

بناءً عليه، يجري فؤاد خليل جردة حساب لما للماركسية وما عليها. فيرى عناصر راهنيتها في مبدئها المادي وفي منهجها السوسيولوجي وحداثتها وطبيعتها التغييرية وعدم تمييزها بين البشر وفي اكتشافها قوانين الرأسمالية التي لايزال معظمها فاعلاً في الرأسمالية المتعولمة المعاصرة. لكنه من بين هذه العناصر المكونة للماركسية يعطي الأولوية لطابعها التاريخاني.

في المقابل يأخذ المؤلف على الماركسية عدم تعمقها في دراسة نمط الإنتاج الآسيوي، وثنائية التحليل الطبقي، وعدم كفاية مفهوم التناقض للتعبير عن حركة الواقع الاجتماعي، فيضيف إليه «الاستقطاب» و«التكامل» و«التسوية». ويعارض خليل لجوء ماركس إلى النبوءة واختزال الأيديولوجيا بـ«الوعي الزائف» مشدداً على الجدل بين المعرفي والأيديولوجي. وأما عن الدولة الطبقية فيعارض القول إنها تقوم على القمع فقط فيضيف «نيل الاعتراف والشرعية». وهو نقد يشوبه التباس. ذلك أن دور الدولة الطبقية في مزج العنف والطواعية هو في صلب الماركسية (أنظر غرامشي مثلاً). علماً أن المؤلف نفسه يعود فينتكس عن هذا التعيين الثنائي في نصه عن الدولة حيث يخلص إلى أن «العنف هو المضمون الطبقي للدولة» (ص255-).

المساواة

تقول إحدى الطروحات البارزة في الكتاب إن مقولة المساواة هي المقولة الأساس في الماركسية. قد لا يوافق ماركس على اعتبار المساواة أساساً فلسفياً لمذهبه لأنه يرى إلى ذاته عالماً يكتشف قوانين اجتماعية وتاريخية ويدعو إليها. وفي دعوته تلك يتحول العلم إلى عقيدة.

مهما يكن من أمر، ففؤاد خليل يلقي هنا ضوءاً كاشفاً على زاوية من الماركسية يغشاها الظل. إذ يصعب فهمها بما هي منظومة متكاملة بمعزل عن محورية مفهوم المساواة فيها. والحقيقة إن أبرز مميزات الماركسية هي أنها تقوم على الربط بين مفهومي وقيمتي الحرية والمساواة. وليس من قبيل المصادفة أن تكون المحطة الفاصلة في التاريخ بحسب رؤية ماركس هي العبور من «مملكة الضرورة» إلى «مملكة الحرية». ذلك أنه رأى أن لا حرية ممكنة للبشر إلا بعد تحررهم من الحاجات المادية الأساسية. والحال فإنَّ الرأسمالية مهّدت الطريق أمام تلك الإمكانية لأنها نمط الإنتاج الوحيد الذي تجاوز حالة الندرة، أي أنه سمح أخيراً بأن تنتج البشرية من الفوائض ما يسمح بسدّ الحاجات الأساسية لجميع البشر من غذاء وسكن وصحة وعلم وحد أدنى من الحياة الكريمة، لكن بشرط إزالة العائق الأكبر أمام تحقيق هذه الأهداف الذي هو الرأسمالية ذاتها وركيزتها الأساسية: الملكية الفردية. وهكذا، فمملكة الحرية تلك هي هي مملكة المساواة حيث تزول الطبقات وتضمحل الدولة بحيث ينتهي التناقض بين الفرد والمجتمع وينظّم البشر حياتهم في نظام تعاوني حيث «التطور الحر للفرد هو التطور الحر للمجموع».

ومن دون حسبان مبدأ المساواة على أنه المبدأ الأساس في الماركسية لن يمكننا فهم معنى الثورة الإنسانية الكونية التي تحملها الماركسية. ولن يمكننا، كذلك، فهم تحليل ماركس النقدي للديمقراطية السياسية. ففي تشريحه للتناقض الذي تقوم عليه الديمقراطية في ظل المجتمع الرأسمالي، يطرح أن المساواة القانونية والسياسية للمواطنين في الدولة الديمقراطية إن هي إلّا الوجه الآخر للامساواة ـ أي للتمايزات والفروقات الطبقية ـ السائدة في المجتمع. بل يمكن القول إن الديمقراطية السياسية هي ذلك الشكل من المساواة في الدولة الذي يسمح باستمرار وإعادة إنتاج اللامساواة، الفوارق الطبقية، في المجتمع. هكذا كان مؤسسو الماركسية يرون إلى الاشتراكية بما هي تجاوز للديمقراطية السياسية بواسطة الديمقراطية الاجتماعية. مثلما رأوا إلى الديمقراطية الاجتماعية على أنها النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يسمح بتجاوز الديموقراطية السياسية، القائمة على التمثيل النيابي المحدود وغير المباشر، إلى الديموقراطية الشعبية المباشرة. ومن هنا فإنّ الأحزاب العمالية الأولى التي تبنّت الماركسية تسمّت أحزاباً «ديموقراطية اجتماعية» أو «ديموقراطية اشتراكية».

وجرياً على ذلك، كان ماركس، داعية الثورة الديموقراطية السياسية، يؤكد على أن أكبر خطر يتهدد ذلك النظام هو لاديمقراطية العلاقات الاجتماعية، أي طابعها الطبقي. وكان يمثّل على ذلك بالقول إن التجارة هي الخطر الأكبر الذي يتهدد حرية الصحافة وحرية الرأي. وهو حكمٌ يكتسب أحجاماً مضاعفة من الأهمية مع ثورة الاتصالات والمعلوماتية في عصر العولمة والمجمعات الإعلامية الاحتكارية الجبارة التي تتحكم بما نعرف ولا نعرف من أخبار وأنباء وتعليقات عن المجريات اليومية لكوكبنا.

ومهما يكن، فليس من قبيل التفصيل على الإطلاق أن نستدرك بالقول إن الماركسية هذه ارتبطت، في الممارسة العملية، بوأد الحرية بحجة المساواة أو هي شرعنت تأجيل الحرية باسم أولوية المساواة. ولا بد لأي جهد في تجديد الماركسية وتنقيتها من أن يعيد الاعتبار إلى العلاقة العضوية بين الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية. تتم الثانية في كنف الأولى. تحصّنها وتتحصّن بها.

الدين

يتناول فؤاد خليل نقد ماركس للدين بما يؤكد أن منهجية ماركس في هذا الموضوع تتجاوز المنهج العقلانوي الذي لا يرى في الدين إلا نور العقل يبدد ظلمات الغيب. فالإسهام المميّز للماركسية في مسألة الدين هو أنها تبحث في وظيفة الدين. تنقّب عن أسباب حاجة البشر إلى الدين. وتجيب في ذلك المقطع الشهير عن الدين بما هو «الزهرة الوهمية على قيد العبد»، «زفرة المقهور»، «روح عالم بلا روح»، «أفيون الشعب». للمناسبة، الذين يفسرون عبارة «الدين أفيون الشعب» على أنها تعني الدور التخديري للدين، يتناسون أن الأفيون كان ولا يزال دواءً بالغ الفاعلية لتخفيف الأوجاع. ثم لا بد من ملاحظة عبارة «روح عالم بلا روح»: إنها تصفع الذين يخلطون بين المادية والمثالية، فيفسرون المادية تعلّقاً بالماديات بمعناها المبتذل ونقيضاً للروح التي يجري تقديمها على أنها تكثيف للقيم الأخلاقية والمثل العليا. يقلب ماركس الآية: الحضارة الرأسمالية هي التي سلبت البشر روحهم، فيحرر الروح في ضربة واحدة من الاحتكار الديني والرأسمالي للسمو والتعالي والقيم الأخلاقية. وكم هي صحيحة هذه اللفتة للتأمل في الردة الحالية نحو التديّن تحديداً بسبب خواء رأسمالية عصر العولمة القيمي وفسادها الأخلاقي وفقرها الروحي.

لا يكتفي فؤاد خليل بالخلاصة التي يتوصل إليها ماركس من أن الحاجة إلى الديانات تزول بزوال الظلم والاستغلال بين البشر. يضيف إلى حاجة البشر إلى الدين حقيقة أن الدين يملك إجابة على لغز حتمية الموت، وفي ذلك يكمن الأساس الدائم لاستمرار الديانات واستمرار الحاجة إليها (ص79). نقول «إجابة» الدين عن لغز حتمية الموت والأحرى الحديث عن حكاية أو رواية أو تخييل أو تعويض أو وعد.

إلى هذا يذكّر المؤلف بأن الدين، في وظائفه، يتجاوز أحياناً دور التخفيف من الأوجاع، ليصير طاقة تعبئة للبشر ودفعهم إلى النضال من أجل حقوقهم وطموحاتهم وأحلامهم في معارك تحررهم الوطني والسياسي والاجتماعي. اكتشف ماركس وانجلز هذه الوظيفة للدين عندما انتقلا من النقد الفلسفي للدين في المطلق إلى معاينة الديانات في حركتها التاريخية، أي الدين بما هو حركات اجتماعية. فاكتشفا أن كل ديانة تتمظهر وتتقولب حسب الزمان والمكان والمجتمع الذي تشتغل فيه وتنحكم تأويلاتها المختلفة بالمواقع والشرائح الاجتماعية التي تحمل تلك التأويلات أو تستغلّها. فثمة دين للحكام ودين للمحكومين ودين للمستغلّين والمستغلين وهلم جرا. وتجدر الإحالة في هذا الموضوع إلى كتاب انجلز عن الحروب الفلاحية في المقاطعات الألمانية في القرن السادس عشر حيث يروي، بوضوح، كيفية تصدّع الوفاق الاجتماعي للجماعة البروتستانتية جراء الصراع الطبقي بين الفلاحين والنبلاء الحكام. فتستولد الثورة الفلاحية تياراً هرطوقياً هو الأنابَبْتية، لا يلبث أن ينشقّ عن الحركة البروتستانتية بعدما انحاز مارتن لوثر، مؤسس البروتستانتية الرسمية، إلى صف الأمراء الحكّام.

من هيغل إلى ماركس

يخصص فؤاد خليل فصلاً شيّقاً للمقارنة بين هيغل وماركس. هي مقارنة تتم على عدة مستويات. يقوم المستوى الأول على المقارنة بين فكر «الذات العارفة» الذي يجسد هيغل ذروته وفكر «الذات الصانعة» الذي يجسّده ماركس. ويعنى المستوى الثاني بفلسفة التاريخ حيث يُجمِل خليل القول في معادلة حذقة تنعى على هيغل أنه يبدأ من المطلق وعلى ماركس أنه ينتهي بالتاريخ إلى الحتمية. ولا يغفل الكاتب هنا نقد المسار الأحادي التصاعدي للتاريخ كما يرد في بعض التبسيطات الماركسية التي روّجتها الستالينية. فهو يقرأ تتابع أنماط الإنتاج بما هو «مراحل تحليلية» لا بما هو تتابع لمراحل تطور تاريخية متعاقبة ومتصاعدة يفضي الواحد منها بالحتم إلى الآخر. (ص153) هنا يريد المؤلف تذكيرنا بفعل العنصر البشري في التاريخ، وبأهمية أن للبشر حرية الاختيار. بل إن كل شيء يتوقف على اختيارهم. فنتأكد أن تناقضات تشكيلة اجتماعية ما قد لا تفضي إلى تجاوزها إلى تشكيلة أكثر تقدماً وإنما قد يفضي اصطراع المتناقضات داخلها إلى تدمير القوى المتصارعة بعضها لبعض، كما في تحليل ماركس وانجلز لأسباب انهيار الامبراطورية الرومانية أو في معادلتهما الشهيرة عن مآل الرأسمالية: «الاشتراكية أو البربرية».

في مستوى ثالث من المقارنة بين هيغل وماركس، يعالج فؤاد خليل مقاربتين متناقضتين: الماهوية عند هيغل، التي تفضي إلى مركزية عقلانية ذات محورية أوروبية، تضارعها المادية الماركسية القائمة على النظرة المتساوية للبشر، عنوان شموليتها الكونية.

ملاحظات من أجل استمرار الحوار

أولاً: أراد فؤاد خليل لمساهماته أن تقتصر على ماركسية ماركس. تقوم هذه المسلّمة «النهضوية» على اعتبار أن التجديد الفكري يتأتى بالدرجة الأولى من العودة إلى النص الأول. أظنها إشكالية دينية، نموذجها الإصلاح البروتستانتي. وهي ليست طريقة مسلّماً بها في كل الأحوال وتحتاج إلى مزيد من التفحّص.

لقد اغتنت الماركسية منذ ماركس وإنجلز بمساهمات وتطويرات لم تكتف بإغنائها وتطبيقها على مجالات نظرية مختلفة عن تلك التي شهدت ولادتها ونموها بل رفدتها أيضاً بروافد من تطور المعارف لم تكن موجودة زمن المؤسسين. سدّت تلك المساهمات العديد من الثغرات وسعت للإجابة على عدد أكبر من الإشكاليات. حقيقة الأمر أن المؤلف لجأ إلى عدد من شرّاح النصوص الأولى وإلى التأويليين، وإن يكن وضع إسهاماتهم في هوامش الصفحات. كذلك الأمر، اقتصرت العودة إلى النص الأول على عدد من النصوص الأولى لماركس وإنجلز دون سائر النصوص. فكل موضوعات الأيديولوجيا والاغتراب وتصورات التطابق بين الواقع والوعي، مثلاً، مبنية على «الأيديولوجيا الألمانية» وعلى تأويلات تالية لها، في حين ارتقى ماركس بمفهومه عن التشيؤ إلى مستوى أرقى بكثير عند إنتاجه مفهوم صنمية السلعة في «رأس المال».

وعلى سيرة «رأس المال»، لماذا يسود عند الماركسيين العرب كل هذا الفزغ من مقاربة هذا السفر الرئيس الذي لا ماركسية من دونه؟

ثانياً: على الغرار ذاته من الانتقائية في تناول المفاهيم الماركسية، لا بد من الملاحظة أن نصوص فؤاد خليل في هذا الكتاب يغيب عنها مفهوما الكولونيالية والامبريالية، لتحلّ محلهما ثنائية شرق/غرب المتحدرة من نقد الاستشراق. ولو أن المؤلف أدرج هذين المفهومين، لكان وفّر على نفسه الكثير من العناء عند مقاربة موضوع الحداثة وإنتاج المعارف عن بلداننا، ولكان أثبت وجهاً بارزاً ومهماً من كونية الماركسية على شرط تناول جميع ما كتبه ماركس وإنجلز عن الكولونيالية وليس تلك التي ينصبّ عليها النقد عادة. ففي حصيلة تطور موقف ماركس من المسألة الكولونيالية، تخلى عن أوهام أن وظيفتها نقل الثورة الصناعية الرأسمالية والحضارة إلى العالم غير الأورو ـ أميركي، وانتقل إلى الإدانة بعدما اتضح له أن توسع الرأسمالية المتفاوت بين أوروبا وسائر العالم أسس لشكل جديد من الاستغلال هو الاستغلال الكولونيالي.

ثالثاً: اعتمد المؤلف في تحليله المجتمعات العربية على مقولة حداثوية تقول بثنائية البنى الاجتماعية: بنى حديثة رأسمالية متعايشة مع بنى مسماة تقليدية قبل الرأسمالية أو عاجزة عن الانعتاق منها. أظننا بتنا نعرف عن مجتمعاتنا ما يوجب التخلي عن مثل هذه الثنائية التبسيطية. فالغالب أن هذه البنى قبل الرأسمالية تترسمل. ويجري انتقاء أجزاء منها وإعادة تدويرها لكي تؤدي وظائف جديدة في المجتمعات الرأسمالية الطرفية التابعة كما في أنصبة السلطة.
وحقيقة الأمر أن هذه البنى التقليدية قبل الرأسمالية ـ عائلات، قبائل، طوائف دينية، جماعات إثنية، الخ. ـ ليست تتمايز وتتفارق وتتراتب، وتكتسب فاعلية ما بما هي جماعات، إلا عندما تتمايز وتتفارق وتتراتب في مواقعها من السلطة وتوزيع العمل الاجتماعي والموارد الطبيعية والثروة.

يمكن التمثيل على تفاوت المواقع من توزيع العمل بالإشارة إلى غلبة الوظيفة المقاطعجية ـ العسكرية على الجماعة الدرزية في لبنان القرن التاسع عشر في مقابل غلبة الانتماء العامي ـ الفلاحي على المسيحيين عموماً. وللتدليل على تفاوت المواقع من الموارد الطبيعية، يمكن أخذ مثال الثروة النفطية والحرمان منها بين المناطق والبلدان. وفي تفاوت المواقع من السلطة عموماً يمكن الحديث عن الأسبقية السياسية للجماعة المارونية في السلطة في لبنان قبل الحرب الأهلية الأخيرة 1975ـ1990. وعن التمثيل على التفاوت في المواقع من السلطة العسكرية، يمكن الإشارة إلى طغيان الصرب على الجيش اليوغسلافي. أما التفاوت المناطقي من حيث التطور الاقتصادي ومستوى المعيشة فمثاله تفاوت التطور بين شمال إيطاليا وجنوبها ما أنتج الدعوات الانفصالية الشمالية بحجة تحرير الشمال الصناعي الغني الميسور من أعباء الإنفاق على الجنوب الزراعي الفقير. وهناك أخيراً وليس آخراً التفاوت في التوزيع الاجتماعي، وهو ما تتدخل فيه الطوائف اللبنانية على غير شكل خصوصاً في مجالات الخدمات الصحية والتربوية والخيرية. وثمة تمايزات لا تقل أهمية بين الجماعات المسمّاة «تقليدية» من حيث امتلاك رأس المال، الفعلي منه أو الرمزي، وفي توزيع رأس المال الثقافي ـ التعليمي، الخ. ومن أسف أن فؤاد خليل يكتفي في هذا الحقل الغني بالنزر اليسير الذي هو المفارقة بين الموقع الطبقي والمكانة الاجتماعية (الجاه) على مذهب ماكس فيبر.

رابعاً: بناء على ما تقدّم، تجدر الملاحظة أن مصادر السلطة السياسية والضبط الاجتماعي نادراً ما تكون متطابقة مع مصادر السلطة الاقتصادية. كذلك الأمر، فالفريق الحاكم ليس متطابقاً مع الطبقة المسيطرة اقتصادياً. وهو ما بيّنه ماركس وإنجلز في تناولهما نشأة الرأسمالية وسيطرتها ودورها في التوحيد القومي في كل من إنكلترا وألمانيا مثلاً، أو حلَّله أنطونيو غرامشي على نحو عميق في كتاباته عن الوحدة الإيطالية، حيث لعبت دولة بيدمونت دور عنصر التجميع والتوحيد للأنوية البرجوازية الموزعة على المناطق الإيطالية. وإلى هذا يمكن الإضافة أن مصلحة الدولة، بما هي دولة، نادراً ما تكون متطابقة مع المصالح المباشرة أو الراعية للطبقة المسيطرة اقتصادياً. ذلك أن السلطة السياسية تمثل عادة المصلحة العامة للطبقة المسيطرة اقتصادياً من ضمن تمثيلها للدولة بما هي مصلحة قائمة بذاتها تزعم تمثيل الحقل العام وحقل السياسات الدولية. وللدولة طرائقها المختلفة في تمثيل المصالح الرأسمالية أحياناً ضد إرادة البرجوازية ذاتها، وتعبيرها المباشر عن مصالحها، أو بتحميلها أكلافاً قد تكون باهظة جراء هذا التمثيل كما في حال منوعات الفاشية والبونابارتية والشعبوية اليمينية.

خامساً: في ظني أن إشكالية التعريب والعروبة، التي يعبّر عنها المؤلف بالخيار بين ماركسية معرّبة وماركسية عربية، قد تجاوزها الزمن، خصوصاً أنها تقوم على فرضية «الخصوصية» القومية أو الإسلامية وسواها. هذا في حين أن التيارات القومية العربية والإسلاموية لا تشكو شيئاً في مضمار «استيراد» الأفكار المستوردة من المصادر الغربية هي أيضاً. والأهم من ذلك أن المؤلف قد نقض هذه الإشكالية أصلاً في تأكيده على شمولية الفكر المادي ومساواته بين البشر في ما يتعدّى قسمة شرق/غرب، وفي تغليبه ما تجمعه الذات المنتجة في مقابل ما تفرّقه الذات الهيغلية العالمة في تركيزها على الهويات، المتفاوتة حكماً. ثم إنه ـ المؤلف ـ قد تجاوز إشكالية التعريب والعروبة في توكيده على تاريخانية الماركسية عندما عيّن الإشكـالية على أنها «كيف نعيد إنتــاج المعــرفة بــتلك النظريات أو المفاهيـم من داخل شروط تجربتنا التاريخية» (207ـ206) وهي شروط متبدلة ومتغيّرة.

في استلهام لمقولة ماركس عن «الإنسان الصانع» يمكن القول إن «الإنسان العارف» لا يخرج عن دائرة الإنتاج البتة. إن المعرفة إنتاج، تتكون عناصرها من منتج ومواد أولية وأدوات إنتاج وتقنيات. المواد الأولية في هذه العملية لا بد أن تكون محلية ـ أي أنها الواقع العياني المحلي قيد الدرس بما هو شبكة من العلاقات المجتمعية. لكن كل منتج للمعارف، كائناً ما كان منسوب المعرفة في معارفه إلى الأيديولوجيا والخرافة، يختار أدوات إنتاجه بما يناسبه من مخزون الفكر الكوني بتنوع تياراته. وهو يتأثر في ذلك الاختيار، حتى لا نقول إنه ينحكم، بالموقع الجغرافي والاجتماعي والسياسي الذي منه ينظر إلى موضوعه، وبحساسيته الفردية من حيث التربية والعِدَّة الثقافية والفكرية. بهذا المعنى، ليس من وصفة جاهزة إلا التعدد والمنافسة في سوق الأفكار على النجاح في الاستحواذ على البشر والتجذّر في وعيهم والمشاعر.
في هذا السياق، تملك الماركسية جملة من مصادر القوة الضمنية، شرط استخدامها. فهي نظرية تستطيع أن تتجاوز نفسها بنفسها وأن تصحح نفسها باستمرار. فلا تقتصر فاعليتها على أنها علم الرأسمالية لا يصح إلا لحل التناقض بين الرأسمال والعمل. ذلك أن الماركسية قد أثبتت نفسها في التجربة التاريخية العيانية أنها أيضاً علم الكولونيالية والامبريالية، وعلم تمرحل التحرر الوطني والاجتماعي، والتوحيد القومي، كما في التعاطي مع مسألة الأقليات. فثمة ماركسية لمراحل التحرر الديموقراطي، وماركسية للرأسمالية الصناعية المتقدمة، كما توجد ماركسية لمنوعات الرأسماليات التابعة، وتتويج ذلك في قدرة الماركسية أكثر من سواها على الإحاطة بكل تناقضات الرأسمالية المتعولمة، بما هي المرحلة المعاصرة من التوسع الرأسمالي الكوني، وعلى رسم استراتيجيات تجاوزها نحو عالم جديد ذي أفق اشتراكي.

ففي وجه لاهوت السوق النيوليبرالية والوعود بالجنة أو بعودة المهدي أو المسيح أو إعادة بناء الهيكل، تطلقها التيارات الدينية، هل نستكثر على الماركسية، أيها الرفيق والصديق العزيز فؤاد، إن هي استعادت طوبى الممكن: الجنة على هذه الأرض؟
:::::

* مقدمة كتاب الدكتور فؤاد خليل «الماركسية في البحث النقدي» (دار الفارابي)

المصدر:

http://www.assafir.com