في رحيل الكاتب التونسي رضوان الكوني: المبدعون لا يموتون بل يرحلون

محمد الجابلّي

ما يموت كان الباهي

مثل شعبي تونسي مفاده أن الموت يسارع إلى تغييب الجيّدين، وفي المقابل أو المسكوت عنه، يتغافل – الموت – عن السيّئين ويرجئهم إلى حين، استحضرت هذا المثل حين غيّب الموت الكاتب التونسي رضوان الكوني صبيحة يوم الثلاثاء 27/07/2010 واستحضرت في ذهني مسيرته المتميّزة كذات وكنص: مسيرة مبدع حقيقي عاش بوجهه دون قناع، كانت نصوصه امتدادا لكيانه من جهة المواقف والرؤى وكذلك من جهة الذوق والخيارات الفنية…

شخصية وطنية بامتياز

يعتبر الراحل نموذجا للشخصية الوطنية التونسية، من خلال توازن نادر بين الكائن والممكن، اعتدال بين أصالة في صلة بالواقع والقيم والحضارة وانفتاح في صلة بالجديد وقبول المختلف، في مجمل كتاباته القصصية أو الروائية رصد للتحولات الكبرى ضمن ما يمكن أن نسمّيه مشروعا إبداعيا يندرج في خانة الواقعية النقدية والفنية: ففي روايته الأولى رأس الدرب تأشير على تلك الملامح من خلال رصد للتحولات الجغرافية الاجتماعية وما صاحبها من تطلع وأسئلة فكان البطل من نازحي الجنوب ومن المتموقعين الجدد في العاصمة واستطاع الكاتب أن يرصد ذلك التمزق بين البيئتين من خلال شخصياته وأن يعكس أصداء نقدية لمناخات قريبة شملت من خلال الاسترجاع والتذكر عشريات سابقة من تاريخ تونس الحديث بداية الإستقلال وما رافقه من جهود البناء وما داخله كذلك من خلط انتهازي بين فئات كثيرة بعضها ضحّى من أجل الحرية وبعضها زاحم بغير وجه حق ليجني المكاسب بادعاء النضال والتضحية…

واستطاع الراحل بحسّ فني متميّز أن يعكس تلك القضايا من خلال الأسئلة الحائرة لبطله في علاقة بالمدينة كفضاء منفتح للآمال والتطلعات من جهة وكمجال للحركة والزحام الجديد لكن بقيم أخرى بدأت في التشكل – من جهة ثانية – في تعارض مع قيم القرية، تعارض بين الجنوب والشمال وبين أصالة وتفتح أنهى الرواية بأحلام وآمال تقف أمام أبواب المدينة المنفتحة على كل شيء والحاضنة لكل جديد…

وفي رواية “عيد المساعيد” الصادرة سنة 2000 ملمح شديد الأهمية والاختلاف من خلال خيار الشخصية والقضايا فكانت شخصيات هذه الرواية مدنية راسخة في التمدّن متموقعة في العاصمة جغرافيا متجاوزة قضايا الرواية الأولى ومنخرطة في قضايا أخرى شغلت كل مثقف ونعني بها قضية الحريات السياسية في اندماجها مع إيقاع الطبقة الوسطى المنهكة بالأحلام والقيم لحظة عجزها أمام سلطات متنامية انتزعت لذاتها أحقية الفعل ومشروعية الوصاية على الحركة الممكنة، وكان البطل مثقفا مصارعا من أجل حريته يبدأ من العمل في الصحافة وينتهي إلى السجن، وفي الرواية مجاز فني ينقلنا بروح ساخرة جادة بين لعبة وأخرى من لعبة الكرة كرياضة جماهيرية إلى لعبة السياسة والمال وما يحف بالمجالات المتداخلة من صراع نفوذ بين فئات تتشكل في ظل العولمة من جهة وأخرى تصارع من أجل الحق والخير والعدل من الجهة الثانية…

وفي الرواية الأخيرة “دراويش الساحة” الصادرة سنة 2010 مجاز آخر يعكس عجز الفئة المثقفة عن التغيير الممكن والفعل وتخليها عن كل ذلك بحثا عن توازن مستحيل، مجاز الهامش المغيب الذي يتطلع إلى ما يسمّى بيوتوبيا الفن في مواجهة رداءة الواقع، هروب مجازي يؤشر على نهاية الصراع وانحسار الأمل ضمن الداخل المغيب من خلال الدراويش الذين ينطوون على أحلامهم وينعزلون في المقاهي والساحات ولا أمل لهم غير الحب والتوادد والتواصل عساهم ينيرون بذلك ما ادلهمّ في مسيرتهم كذوات اجتماعية فيبحثون عن طاقة بديلة تجمعهم بقدر ما تعزلهم وتوحدهم بقدر ما تعلن خيبتهم وعجزهم عن التواصل مع التاريخ ومساراته الحركية… دراويش بحلمهم ونواياهم الخيرة ودراويش بإقرار عجزهم وقعودهم عن الفعل…

اخترنا هذه المحطات الواضحة كمفاصل إبداعية دون أن نهمل الإشارة إلى رواية “صهيل الرمان” المحملة بأصداء ذاتية شعرية ووجدانية، وكذلك الإبداع القصصي من خلال مجموعتين متميزتين “الكراسي المقلوبة” و”النفق” وما فيهما من أصالة المبدع الذي يلتزم النهج الواقعي ويعمد إلى التجديد الفني…

وما يعنينا في هذه المسيرة التنوع داخل الوحدة، ونعني بذلك المشروع الإبداعي الذي ينشد بمجمله إلى صدق فني في التقاء مع رؤية ذاتية تتطلع إلى الصدق والجمال، أقول ذلك في إشارة إلى ما داخل الكتابة – عند البعض منا – من ادّعاء وتمظهر والسعي من خلالها إلى وجاهة زائفة من خلال تحبير ركام غير مقروء.

وفي حديثنا عن الصدق ووضوح الرؤيا نشير إلى إسهامات كثيرة للفقيد في مجال النقد القصصي والروائي منها كتابه الذي يعتبر مرجعا في تاريخ القصة وهو “الكتابة القصصية في تونس” والمخطوط الجاهز الذي كان بصدد إعداده لاستكمال النظر النقدي في القصة والرواية إلى حدود 2005 إضافة إلى إسهامات عديدة في مجلة قصص وغيرها من الفضاءات الأدبية…

بين الذات والنص

بين الحياة والفن صلة وثيقة، وبين المبدع كذات ونصوصه قصة وحدة خفية تتمظهر في الذات الأصيلة خاصة، نحن نعيش الموجود ونكتب المنشود، نصوصنا هي امتداد لكياناتنا بأحلامها وأوجاعها ورؤاها ومن هنا يكون الاختلاف بين ذات متعددة وأخرى محدودة، بين ذات جمعية وأخرى فردية، بين ذات تنشد إلى الأقاصي وأخرى سجينة اليومي…

لم يعان كاتبنا فصاما بين ذاته ونصه، هو “النوري ولد الشريف” المتردد بين قيم القرية وأحلام المدينة في رأس الدرب وهو “فرحات” المتمرّد في “عيد المساعيد” وهو “سالم العلوي” المثقف الطوباوي في “دراويش الساحة” هم جميعا رضوان الكوني بمسيرته الطموحة وأحلامه الكثيرة التي طوحت به من “الرقبة” في ضاحية تطاوين بالجنوب التونسي إلى حارات تونس القديمة وأحيائها ومنها إلى باريس ثم إلى المشرق العربي في مهمات تربوية عديدة هو “رضوان الكوني” مدرسا للغة والآداب العربية ثم متفقدا وموجها لأساتذتها في حرصه الدائم على سلامتها وفي صراعه الدؤوب من أجل الحفاظ على بقاياها زمن العولمة والتغريب…

هو المتمرّد والمحتج على ما ساد الجامعة التونسية من تغريب وهو المحتج على ما ساد اتحاد الكتاب من وصولية حين استقال من هيئته المديرة بعد انتخابه بأعلى الأصوات، هو الساعي إلى إعادة الاعتبار للنص الإبداعي في علاقته بالواقع من خلال لجان تحكيم جائزة كومار للرواية ومن خلال تبنيه المستمر مع رفاق دربه في “نادي القصة” للنصوص الجيدة التي لا تفصل بين الفن والواقع…

هو المدافع عن حرية المبدع في فضاء النادي، من خلال رعايته للاختلاف وحرصه على أولوية القيمة الإبداعية وسلامة الذوق وصرف النظر عن التوجهات الإيديولوجية المختلفة للكتاب والمبدعين…

عاش الكوني كاتبا حرا، صارما ومعتدلا

صارما فيما يتصل بما يراه أصولا لا غنى عنها كاللغة والهوية والقيم، ومعتدلا في قضايا كثيرة يجوز فيها الاختلاف كالرؤى ووجهات النظر والأشكال الفنية…
شخصية ثقافية بامتياز تعددت صداقاتها بين الأجيال على اختلافها في تواضع نادر وصدق مميّز، لم تزده الأوسمة إلا اقترابا من الآخرين ولم تزده الكتابة إلا شرف الانخراط في هموم الوطن حبا وحلما.

:::::
كاتب وروائي من تونس

المصدر: “البديل” التونسية

http://www.albadil.org/spip.php?article3239