قراءة في ديوان “هكذا أحبه”، لسعاد جروس

مراجعة: كلاديس مطر

الكتاب: “هكذا أحبه”

المؤلفة: سعاد جروس

الناشر: دار الكوكب ـ رياض الريس للكتب والنشر

بيروت ـ لبنان

سنة النشر: 2010

لشراء النسخة الالكترونية: www.arabicebook.com

تكتب سعاد كإنسان وليس كامرأة. ولعل عملها كصحفية محترفة جعلها أقرب لسفل الحقيقة ولقاع الحياة بحلاوتها التي تذوب سريعا في الفم ومرها المقيم أبدا. حين تكون المرأة قريبة من ” مصادرالحياة “، حين تكون ذات رؤية وميل دفين للتأمل بها، فإننا نتوقع أكثر من مجرد نصوص انثوية منشغلة بالعلاقة مع الرجل والندب على حال مضى وحال قائم. الفهم يحول “إمرأة المرحلة الثقافية النمطية” الى استثناء، مضخما وعيها ومعمقا تجربتها الشعورية، ومحولا إياها الى ما يتجاوز “العطر المحلي الردىء” كما وصفت الشاعرة الشرف الذي يتلاشى في أفق المدينة العربية.

في هذه المدينة

للكذب ملامح البشر

يحضر بكامل لياقته

و بهاء طلته

في هذه المدينة

قديس القائل

الكذب ملح الرجال وخلاص النساء

إذاً، هي تعي ما هو الشرف لا كما بصمت فوق تعريفه قوانين المجتمع المكتوبة وتلك التي تناقلتها الجروح النسائية جيلا بعد جيل، وإنما كما هو مرتبط بالموقف والكلمة. إنها تتجاوز نسويتها المقيدة فطريا الى نسوية إنسانية أعلى سقفا وأكثر اقترابا من علة الأشياء وأعمق حساسية تجاه الصواب والخطأ. وهي، وإن مرت على الكثير من المدن مثل موسكو “حيث تنطفىء حرارة الأحمر ويدثر الثلج ثورة المطرقة والمنجل، “وباريس حيث صادفت الرب يتكسع عند ضفة السين والمسيح يتأمل تمثاله المصلوب”، ونوتردام “حيث تبرعت بيورو ثمن شمعه وعادت لا رب أو شفيع لتُصلب كل يوم من جديد”، ونيودلهي “حيث بلد الآلهة والشحاذين”، إلا أنها انتهت في غزة والعراق حيث يكمن هناك مربط الخيل العربي منذ دهور، بينما “الدمى مرمية على قارعة الطريق” والإرث المهول الذي “تركه عزرائيل للعرب” وحيث “كربلاء الزمن القادم”.

شاعرية سعاد جروس تتجاوز الوزن الى الفكرة، وتتجاوز القافية الى الحالة وتكثر من الأسئلة الماكرة، الأسئلة التي تحرض على الغضب لا كما تفعل أفلام يوسف شاهين حين تتكثف اللحظات السريالية بقوة وحرقة، وإنما مثل مشاهد الكوميديا السوداء حيث الموت أحد اللاعبين وأولهم، وحيث الكل مراوح مكانه بينما نلوذ بوهم التغيير:

ما بال ماضينا

مسترخيا هكذا

ما باله حاضرا لا يمضي

لماذا كلما لهثت الاكتشافات الى السماء

لاذ فكرنا الى المدافن

ما العمل؟ لربما هو السؤال الأكثر حدة في الديوان كله. إنه ليس “استغراب ماركسي” فحسب وإنما موقف أمام ما يحدث في البلدان التي تصدر العولمة القاتلة مع أجهزة الكومبيوتر وشطائر الهمبرغر وأنماط الدميقراطية ” المغشوشة “. إنه فهم عميق لواقع لا يريد أحد أن يفسره على ضوء الصراع الطبقي أو استغلال رأس المال أو قمع الشعوب.

في بلاد النظام الحر

التحرر عام

تطفو على السطح

السياسة

الاقتصاد

رأس المال

و كل ما يتصل بينهم و يتصل بهم

الكل يسبح بحرية

ماعدا

سواد الشعب المديون

وحيدا أوحد

يتلو آيات (ما العمل)

روح لينين تطلب الرحمة

أما الحب، ملعب المرأة الأهم ومغزل أفكارها، والحقل الذي تتبدى فيه لغتها الأنثوية بأقوى ما تكون، فقد تعمد بوهج الموقف الأكثر وضوحا وشفافية وذلك على عكس اللغة التي تستعملها المرأة والمرتبطة بثبات بتجاربها الشعورية وحياتها الداخلية وعواطفها حيث لعبة المجاز واضحة في توظيف الكلمات واستعمالها، وحيث التقويض بين الدال (اللفظة) والمدلول (المعنى).

سعاد جروس في ديوانها لم تلجأ الى هذه اللغة الأنثوية التقويضية ولم تحمي نفسها في كهوف التدليس اللغوي حيث المباشرة عدو البوح، واللف والدوران ملح التعبير. لقد كانت أكثر شفافية من البلور وأكثر وضوحا من الشمس بينما استعملت المجاز الشعري “المنطقي” ولم تعمد الى تركيب عبارات لا وجود لها.

كنت سأحبه

و ربما أموت من حبه

أو أموت في حبه

لو أنه فقط أحب نفسه كما تستحق نفسي

و في مقطع آخر يختفي فيه التقويض والتدليس اللغوي والمجاز اللامنطقي وتظهر الصورة المتخيلة مبتكرة، واقعية وموحية في آن؛ مقدرة لا تأتي الا لمن عشعشت في روحه حساسية شعرية عالية:

أبحث عن قرط ضيعته على تلك التلة

في تلك الليلة

مازال في أذني

و أنا أبحث عنه

في الحقيقة

لم يكن قرطا

و إنما همسة تشبه قبلة

ضاعت

أو ربما طارت في الأثير

لكن المراجعة تعني أيضا أن نبحث عن نقاط ضعف النص المكتوب وأن نقيسه بمساطر نقدية كثيرة، تارة تعطي النص حقه وتارة أخرى تجد فيه ما ليس فيه. لكن مسطرتي ها هنا هي التالية: قدرة النص على الحوار مع المتلقي. كلما كان الحوار عاليا في النص كلما كانت جودته الفنية أكبر. و كلما كان أثره ضحلا في ذات المتلقي، كلما خفت جودته وبهتت، وإلا ما معنى أن نقرأ نصا أو نرى أثرا فنيا ما وبعد أن نغادره يضيع من ذاكرتنا؟؟

سقف الحوار في ديوان ” هكذا أحبه ” عال لانه يلامس أبعد نقطة من جوانيتنا ويهزها هزا. انه لا يفعل هذا فقط لمن لديه ميل للتأمل في نفسه، وإنما لرجل الشارع ايضا. تُرى ألم يكن الشعر فيما مضى خبز الناس ووقع خطاهم؟ ألم يكن ” فالسا ” جميلا تتناغم فيه خطوات الهم اليومي مع الكلمة الجميلة؟ ألم يكن صدى لقاع المجتمع حيث يبذل الشاعر أقصى جهده لكي يجعل من كلماته سوطا فوق ظهور الظالمين؟

في هذه المدينة

لا يحار الزناة

لكل في قلبها الآمن مكان

إلا فقراء العشاق

الحدائق تتحشرج بهم

يتعقبهم الجياع و المحرومون

ظعم الحياة لا يبذل في الطرقات

في هذه المدينة

للسر سلطان كل السلطان.

:::::

موقع الكاتبة:

www.gladysmatar.net