العرب مدينون لبريطانيا بوجودهم كدول

نصر شمالي

في تصنيف العرب والمسلمين، وفي الموقف منهم والتعامل معهم، هناك سياسة تقليدية ثابتة التزمت بها حكومات لندن المتوالية منذ أواسط القرن التاسع عشر. فإذاً لم يكن غريباً أن يكرّر المسؤولون البريطانيون المعاصرون تلك المواقف الاستعلائية العنصرية الاستعمارية المزمنة، وفي جملتهم توني بلير في تصريحاته وفي مذكراته، فإنّ الغريب أن يفاجأ أحد من ضحاياهم بها، سواء عن جهل مفجع أو عن نسيان مدان!

لقد تعامل الحكام البريطانيون دائماً مع الوطن العربي ومع الأوطان المشابهة الأخرى خارج قارتهم على أنها أراض خلاء تشغلها عشوائياً أقوام أدنى، مثلما تشغل الوحوش الغابات! ففي رسالة تاريخها 11/8/1840، موجهة إلى سفيره في الاستانة، قال وزير الخارجية البريطاني بالمرستون ما يلي: ‘توجد في هذه الأيام بين اليهود المبعثرين في أوروبا فكرة قومية فحواها أنّ الوقت أوشك أن يحلّ كي تعود أمتهم إلى فلسطين. فإذا أتيح للشعب اليهودي أن يعود، بموافقة السلطان العثماني وحمايته، فإنّه سيشكل حاجزاً أمام أيّ مشروع شرّير قد يقدم عليه محمد علي أو خليفته’!

لن ندقّق هنا في أوضاع المنطقة التي استدعت حينئذ مثل هذا التوجيه الخبيث للسفير البريطاني، ولا في السبب الذي يجعل المشروع المصري شريراً والمشروع البريطاني طيباً، بل لنلاحظ فقط كيف أنّ بالمرستون في رسالته يتحدث عن شعب يهودي لا وجود له، شكلياً ورسمياً على الأقل، وفي الوقت نفسه يتجاهل تماما وجود شعب عربي يعيش واقعياً في فلسطين، ثمّ يذهب في تجاهله أبعد من ذلك بكثير عندما يتحدث عن حاجز بشري يهودي ينبغي أن ينهض لمواجهة مصر، الدولة الشريرة المارقة! فهل ينهض الحاجز البشري اليهودي (الشعب اليهـــودي!) إلاّ على أرض خلاء؟ وإذا كان ثمّة سكّان في الأرض الفلسطينية الخلاء فهل يعني كلام الوزير سوى أنّهم دون البشر، وأنّ إزالتهم سوف تتحقق بداهة؟

وتنبغي الإشارة هنا إلى أنّ بالمرستون كان يوصف بالرجل الذي لا يميّز بين النبي موسى والنبي إبراهيم، ويوصف ما قاله عن اليهود بأنّه ينطلق من مجرد تطلعه إلى تجنيدهم في مشروع استعماري بريطاني يصلحون له أكثر من غيرهم بحكم ما ورد في لاهوتهم! وفي ما بعد كان الوزير البريطاني الآخر ايمري أكثر وضوحاً بصدد هذه الحقيقة السياسية الاستعمارية، حيث قال في مذكراته:’نحن نرى من وجهة النظر البريطانية الخالصة ان إقامة شعب يهودي ناجح في فلسطين، يدين بوجوده وبفرصته في التطور للسياسة البريطانية، هو كسب ثمين لضمان الدفاع عن قناة السويس من الشمال، ولأداء دور المحطة للطرق الجوية المقبلة مع الشرق’!

وهكذا فإن عامة اليهود البسطاء من مختلف الجنسيات كانوا بدورهم ضحايا للسياسة الاستعمارية التي عملت على تجنيدهم لاستيطان فلسطين، مثل العرب إنما بصورة مقلوبة، أي بتجنيدهم كمرتزقة وقتلة ومتعهّدين من الداخل! ولقد كانت بريطانيا سباقة في ميدان تجنيد ضحاياها لخدمة مشاريعها الاستعمارية، سواء أكانوا من اليهود أو غيرهم، وهي منذ أواسط القرن التاسع عشر ذهبت أبعد من ذي قبل، فصارت تتصرف على أساس أنها مصنع العالم ومصدر المنتجات الجاهزة الغالية إليه، وصارت تفرض على جميع البلدان في المقابل تموينها بالمواد الخام الرخيصة، ولتحقيق ذلك جندت ضحاياها، فكانت تخوض حروبها الاستعمارية بجيوش مشكلة من أبناء مستعمراتها بالذات!

في أواخر القرن التاسع عشر كان وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرلن ينظر إلى اليهود كجماعة من الأوروبيين مهيأة للاستيطان والتطور تحت حماية بريطانيا، وأنّ هذه الجماعة تملك كلّ شيء ما عدا الأرض الخلاء، وأنّ الأرض الخلاء الصالحة لاستيطانهم هي فلسطين! لقد كان تشمبرلن في جهوده لتوسيع الإمبراطورية يبحث دائماً عن مستعمرين/مستوطنين يحملون في الوقت نفسه، كما كان يقول، الحضارة إلى الشعوب الأقلّ شأناً، التي تعيش دون الشريعة!

إنّه لمفهوم أنّ المطلوب هو إخضاع الشعوب ‘الأقلّ شأناً’ لحاملي الحضارة ولأصحاب الشريعة! غير أنّ ‘قلّة الشأن’ لا تمنع تسليح الشعوب المستعمرة وتنظيمها كجيوش تحارب بعضها لصالح السيد المتحضّر صاحب الشريعة! وهكذا ينبغي على العرب والإيرانيين اليوم أن يقاتل كلّ منهم الآخر لصالح الأمريكيين حملة الحضارة الجدد، فهذا واجبهم حسب الشريعة الأنكلو سكسونية، إنّما ليس من حقّ العرب المطالبة بممتلكات مسلوبة وحياة مصادرة، وليس من حقّ الإيرانيين امتلاك وسائل التطور الذاتي المستقلّ!

إنّ الموقف الثابت للبريطانيين من العرب خصوصاً، ومن الأمم الأخرى عموماً، وكذلك موقف ورثتهم الأمريكيين، يظهر بجلاء تام في مذكرات الصهيوني الأعظم ونستون تشرشل، حيث يقول: ‘كانت مشكلة فلسطين من أعقد المشاكل التي واجهتها بريطانيا. ولقد كنت منذ صدور وعد بلفور، في العام 1917، من أخلص أنصار القضية الصهيونية ومؤيديها. ولم أشعر قطّ أنّ البلاد العربية جنت منّا إلاّ العدل في معاملتها. إنّ العرب مدينون لبريطانيا، ولبريطانيا وحدها، بوجودهم كدول. إنّنا نحن من خلق هذه الدول. وإنّ الأموال البريطانية والخبراء البريطانيين (المستشارين) ما دفع بها سريعاً على طريق التقدّم. لقد كانت الأسلحة البريطانية تتولّى حمايتها. وكان لنا، وما زال كما آمل، عدد من الأصدقاء الأوفياء الشجعان في المنطقة (ذكر تشرشل أسماء عدد من الحكام العرب). ومن سوء الحظّ أنّ هؤلاء الرجال كانوا من الشواذ. وهناك أمر واضح هو أنّ الشرف والحكمة يتطلّبان بقاء دولة إسرائيل والحفاظ عليها، والسماح لهذا الشعب بأن يعيش في سلام مع جيرانه. إنّ في وسع هذا الشعب أن يأتي إلى المنطقة بإسهام لا يقدّر بثمن، من المعرفة العلمية والعمل والإنتاج، ومن الواجب إعطاؤه هذه الفرصة لمصلحة الشرق الأوسط كلّه’!

لندقّق في معاني وأبعاد كلّ جملة بل كلّ كلمة وردت في هذا المقطع من مذكرات تشرشل، ولنسأل أنفسنا: هل هناك كلام أوضح، سواء لفهم الماضي أو الحاضر؟ وماذا ترك لخلفائه في لندن وواشنطن كي يضيفوه؟ ماذا ترك ممّا نحتاج إلى معرفته عن الدول العربية التي خلقها البريطانيون، وتدين بوجودها وباستمرارها كدول لهم ولورثتهم الأمريكيين ولقاعدتهم الإسرائيلية؟ وماذا بقي، بعد مثل هذا الكلام، ممّا يحتاج إلى توضيح، بصدد السياسات والمشاريع التي تشهدها البلاد العربية والإسلامية اليوم؟

:::::
كاتب سوري
ns_shamali@yahoo.com