بداية انحسار موجة العداء للشيوعية في المانيا

جورج حداد*

منذ فشل جمهورية فايمار (1919 ـ 1933) في المانيا، وتاريخ المانيا يتميز بموجات عارمة متتالية من العداء للشيوعية. وفي هذا الصدد يمكن التوقف عند ثلاثة تواريخ:

ـ1ـ 1933: احراق الرايخستاغ وتوطيد الدكتاتورية الهتلرية في المانيا، واطلاق الحملة الوحشية المعادية للشيوعية ـ تحت ستار معاداة اليهود. والواقع ان اليهود كانوا ضحية ثانوية للنازية، اما الضحية الاولى فكان الشيوعيون. وما يسمى “الهولوكوست” كان موجها (كجزء من حملة معاداة الشيوعية) ضد اليهود الشيوعيين والاشتراكيين بصورة خاصة، لا سيما وان اليهود العاديين، الالمان والاوروبيين، “فشلوا” ـ بدون الهولوكوست ـ في الهجرة الى فلسطين تلبية لنداءات الصهيونية ووعد بلفور، وبدلا من الافكار الاستعمارية ـ العنصرية حول “الوطن القومي اليهودي”، التحقوا اليهود العاديون في تلك المرحلة بالافكار الشيوعية والاشتراكية والحل الاندماجي ـ الاشتراكي لما كان يسمى “المسألة اليهودية”.

ـ2ـ 1949: تأسيس جمهورية المانيا الاتحادية، التي لم تكن سوى قلعة امامية معادية للشيوعية، قامت على اكتاف الفاشست والنازيين القدماء الذين خلعوا قمصان وسراويل هتلر السوداء ولبسوا القمصان الاميركية “الدمقراطية” الملونة والمضحكة، وبتأسيس المانيا الاتحادية تحولت المانيا من قاعدة للنازية الى القاعدة الرئيسية في العالم للحلف الاطلسي والامبريالية الاميركية والصهيونية والحرب الباردة ومعاداة الشيوعية.

ـ3ـ 1989، عملية هدم جدار برلين بطريقة استفزازية مسرحية هوليودية، كان الهدف الاول منها: التشويه التام لعملية توحيد المانيا على اسس دمقراطية وحقوقية حقيقية لفتح صفحة جديدة في التاريخ العالمي تقوم على احترام ارادة الشعوب كبيرها وصغيرها والتخلي عن الدكتاتوريات اينما كانت والتخلي عن المؤامرات والسياسات التوسعية والعدوانية الاستعمارية؛ والهدف الثاني: اضفاء الطابع الشيطاني على الشيوعية، واجراء عملية استبدال للعناوين، ووصم الشيوعية (بدلا من الرأسمالية) بكل الصفات السلبية للرأسمالية والاستعمار والامبريالية، والقضاء على المكتسبات والمنجزات السياسية والاجتماعية في العالم الغربي وشن حملة امبريالية ـ صهيونية جديدة لغزو العالم باسم “محاربة الشيوعية” المهزومة (!!!).

ولكن سلاح “معاداة الشيوعية” سرعان ما تثلـّم، ولم يعد يصلح لاستعمار البلدان “الاشتراكية” السابقة ونهب خيراتها، وتكشفت تماما وجوه وأقفية الرأسماليين الاحتكاريين والامبرياليين والصهيونيين، وبعد هزيمة واستسلام العميل بوريس يلتسين، مقابل ضمان السلامة الشخصية له ولافراد عائلته، بدأ الاوليغارشيون اليهود الروس يأخذون طريقهم الى السجون والمحاكم او يفرون بجوازات سفر غربية الى انجلترا واسرائيل؛ وبعد ان اوهن الشيطان الاميركي ـ الصهيوني قرونه على جدران الكرملين، اتجه نحو تجديد واعادة استعمار البلدان العربية والاسلامية، التي انهكت شعوبها الدكتاتوريات والرجعيات الاسلامية المرتبطة بالغرب، فقامت “الدوائر المختصة” الامبريالية ـ الصهيونية بتدبير احداث 11 ايلول 2001 المؤلمة في اميركا، والتي جرت تحت اضواء اجهزة الاعلام المأجور المجهزة سلفا؛ وكما يتم استبدال الدواليب في سباق السيارات، تم استبدال شعار “معاداة الشيوعية” بشعارات “معاداة الاسلام والمسلمين” و”معاداة العرب” و”مكافحة الارهاب”؛ ووقعت الدوائر الامبريالية ـ الصهيونية حيص بيص ضحية “ذكائها”: فهي تقول للشعوب الشرقية “المتدينة”: ان “العدو المشترك” هو الشيوعية؛ وبذات اللسان الانجليزي واللكنة الاميركية تقول للشعوب الغربية “العلمانية”: ان “العدو المشترك” هو الاسلام والمسلمين.

وفيما العالم مكبل بحيص بيص السؤال: “من هو “العدو المشترك”: الشيوعية او الاسلام؟”، حققت اميركا، بعد استعمار افغانستان وتحويلها الى مزرعة خشخاش كبرى، نقلة نوعية بالتحول من الاقتصاد الامبريالي الكلاسيكي، القائم على الانتاج والتجارة والمالية والفساد واللصوصية، الى الاقتصاد المافياوي التام، القائم على زراعة وصناعة وتوزيع المخدرات. وبذلك قدمت اميركا (ببراغماتيتها) ترجمة عملية لشعار: “الدين افيون الشعوب” بشعار “الافيون دين الشعوب” الذي يكمله (اميركيا) شعار “عش ودع غيرك يسطـّل ويموت”.

وامام هذا الحيص بيص العالمي جاء الجواب من انصار البيئة: ان “العدو المشترك” هو الرأسمالية التي اثبتت الكوارث الطبيعية وانتشار الامراض والاوبئة والتصحر والجفاف والجوع انها ـ اي الرأسمالية ـ هي العدو الرئيسي والمخرب الرئيسي ليس فقط للمجتمع البشري، بل كذلك للبيئة والطبيعة والكرة الارضية والفضاء الكوني ذاته.

وقد بدأت الاقنعة تتساقط وكل مستور ينكشف، وبدأت موجة العداء للشيوعية تنحسر حتى في معاقلها التقليدية كألمانيا. وفي السنة الماضية اشتهرالالمان انهم اشتروا بكثرة “الرأسمال” لكارل ماركس. والان يمكن ان ندرك انهم كانوا يدرسون بجد المؤلف الكبير لهذا الفيلسوف العظيم. اذ تشير الوقائع ان سكان المانيا يتجهون اكثر فأكثر نحو “اليسار”.

فقد اعلنت مجلة “شبيغل” في الاسبوع الماضي ان 88% من الالمان يريدون اقامة نظام اقتصادي جديد.

وتستند الجريدة الى استطلاع اجتماعي، اجرته مؤسسة استطلاع الرأي العام “Emnid” بناء على طلب مقدم من صندوق “Bertelsmann”.

وحسب رأي المستطلعين فإن الرأسمالية لم تساعد لا على اقامة عدالة اجتماعية، ولا على حماية البيئة، ولا على الحرص على الموارد الطبيعية.

ومع ذلك وبالرغم من عدم تقبل الرأسمالية، فإن الالمان ليسوا ميالين نحو تغيير النظام الاقتصادي بطريقة ثورية.

فبمقتضى الاستطلاع، فإن المسؤولية عما يحدث اليوم تقع، حسب رأي المواطنين الالمان، ليس على السياسيين او على ممثلي قطاع رجال الاعمال الكبار.

ويحسب الالمان ان المسؤولية عن ذلك تقع عليهم هم: فإن اربعة من كل خمسة من المستطلعين قد قالوا ان كل شخص ينبغي ان يفكر بطريقته في الحياة وان يقدم جوابا هل حقا ان النمو الاقتصادي هو اولوية بالنسبة له. وحسب رأي المستطلعين فإن العلاقات الاجتماعية، الصحة وحماية البيئة هي ذات قيمة اكبر من الزيادة المتواصلة للرساميل.

ويؤكد الخبراء ان مثل هذا الموقف هو متساو لدى ممثلي مختلف المجموعات الاجتماعية.

وفي هذا الصدد فإن غالبية المستطلعين هم مقتنعون كذلك ان النظام الاقتصادي القائم يمكن ان يتم اصلاحه وتوجيهه في الوجهة الصحيحة، ولدى وجود الارادة السياسية يمكن ان يتم التوحيد بدون معاناة بين النمو الاقتصادي القائم وبين حماية البيئة.

وفي الوقت ذاته فإن 82% من المستطلعين يعتبرون ان النمو الاقتصادي اللاحق هو ضروري لاجل دعم الاستقرار السياسي. ولكن ثلثي الالمان لا يتوقعون ان يؤدي النمو الاقتصادي اوتوماتيكيا الى رفع مستوى معيشتهم الخاص. وبالكاد يؤمن ثلث المستطلعين بقوة الاستنهاض الذاتية الخلاقة لميكانيزمات السوق. والاكثر تشككا هم الشباب. وفي حين ان الالمان تزداد باضطراد خيبة املهم بالرأسمالية، فإن الفرنسيين شرعوا في نصب تمثال للينين. اذ سينتصب تمثال للينين في مدينة مونبليه في شهر ايلول الجاري. وهذا ما اعلن عنه السياسي المحلي جورج فريش، المعروف بآرائه الاشتراكية. وكان في السابق عضوا في الحزب الاشتراكي.

والتمثال البرونزي للينين الذي يأمل جورج فريش بالحصول عليه يزن سبعة اطنان. وفي السابق كان التمثال موجودا في مدينة سياتل الاميركية، وقد عرض للبيع منذ فترة وجيزة.

ومن جهة ثانية بدأ “اليساريون” الالمان يدعون الى التوقف عن تشويه سمعة الجهاز السري لالمانيا الدمقراطية السابقة المسمى “شتازي”.

وفي هذا الصدد فإن يولا ييلبكه، السكرتير الاعلامي لمسائل السياسة الداخلية في الحزب اليساري في البوندستاغ (البرلمان)، دعت الى وقف حملات تشويه سمعة جمهورية المانيا الدمقراطية السابقة وخاصة الوزارة الالمانية الشرقية السابقة لامن الدولة ـ الشتازي. وقد كتبت هذه النائبة ونشرت على موقعها الالكتروني رسالة تحية الى العاملين السابقين في قسم التجسس الخارجي للشتازي ـ المسمى HVA، ومدحتهم لما كانوا يتحلون به من كفاءة مهنية، كما اعلنت وكالة DPA. وقد اكدت النائبة بالاخص على الخدمات المميزة التي قدمها اولئك الجواسيس بتقاريرهم التحليلية، التي كانوا يرسلونها الى برلين، حول الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلدان الرأسمالية.

وكما تلاحظ يولا ييلبكه، فإن التوقعات الواردة في تلك التقارير لم تكن دائما مصيبة، الا انها لم تفقد الى اليوم اهميتها، بالرغم من كل “مجهودات المعادين للشيوعية، الذين لا يزالون يرغون ويزبدون وهم يستمرون في تشويه سمعة جمهورية المانيا الدمقراطية، ووزارتها للامن القومي”.

وتلاحظ ييلبكه في رسالتها: “بعد نهاية جمهورية المانيا الدمقراطية فإن الكثيرين منا تحملوا السجون بسبب مواقفهم وجهودهم لاجل قضية دعم السلام. في حين ان عملاء الجاسوسية الالمانية الغربية ـ التي هي جهاز امبريالي عدواني، مشكل من النازيين القدماء ـ لم يتعرضوا لاية عقوبات مقابل نشاطاتهم، التي كانت موجهة لتهديم الاشتراكية”،. وهي تقول ان هذا الوضع للامور هو ظلم واضح، ويبين تماما ماذا تمثل “دولة الحقوق الدمقراطية”.

ان الكثيرين يعتبرون ان الحزب اليساري الالماني هو وريث سياسي للحزب الحاكم في المانيا الدمقراطية السابقة اي الحزب الاشتراكي الموحد الالماني. وفي الغالب يستخدم خصوم اليساريين ذلك التقييم لاجل الطعن بهم. فهذا الحزب الجديد ـ القديم لا يزال يستثير ردود فعل معادية للشيوعية عند العديد من الاحزاب المدنية، كما تعترف “دويتشه فيله”.

لقد تشكل هذا الحزب الجديد سنة 2007 بنتيجة توحيد تنظيم “المبادرة الانتخابية لاجل العمل والعدالة الاجتماعية” (WASG)، الذي بدأ وجوده السياسي في المانيا الغربية في شهر تموز 2004 كاتحاد تنظيمي للاشتراكيين الدمقراطيين المستائين من سياسة حزبهم، واعضاء في النقابات، وحزب الاشتراكية الدمقراطية PDS، الذي تشكل سنة 1990 بمبادرة من الحزب الاشتراكي الموحد الالماني الذي كان يحكم المانيا الدمقراطية.

ويقف الان على رأس “الحزب اليساري” اثنان من اكثر القادة اليساريين ذوي النفوذ في المانيا وهما: ـ1ـ اوسكار لافونتين، الرئيس السابق للحزب الاشتراكي الدمقراطي الالماني والوزير السابق للمالية في المانيا الغربية. ـ2ـ غريغور غيزي ـ اول رئيس للحزب الاشتراكي الدمقراطي، اي اول قائد للشيوعيين السابقين ما بعد الشيوعية في المانيا الشرقية. والاثنان هما خطيبان موهوبان ولهما حضور كبير في وسائل الاعلام.

ولكن ما هي اهداف حزب اليساريين الجديد؟

انه لم يتم حتى الان الاجابة بوضوح عن هذا السؤال داخل الحزب، كما يقول المراقبون. ووجهات النظر المفصلية لا تزال مبلبلة جدا. فمن جهة يؤيد الحزب اقتصاد السوق؛ ومن جهة ثانية يريد ان يتغلب على الرأسمالية. وبالرغم من هذه البلبلة فإن الحزب يزداد كسبا لتأييد الناخبين. وقد استطاع الحزب اليساري، بعد حزب الخضر، ان يكسر قاعدة نظام الحزبين في البلاد وان يأخذ دوره في الحياة السياسية الداخلية لالمانيا. وفي الوقت الراهن فإن نفوذه يزداد باضطراد.

:::::

* كاتب لبناني مستقل