الصحافة من اخطر المهن في العراق الجديد!

جمال محمد تقي

لا توجد مهنة آمنة في عراقنا المنكوب، فكل اصحاب المهن في خطر، بل لا يوجد عراقي واحد في مأمن، ان كان هذا العراقي من اصحاب المهن او بلا مهنة، ففوضى القتل الاحتلالي والطائفي والانتقامي تتعمد اتباع اسلوب الارهاب الجماعي، وعليه فهي لا تميز بين مهنة واخرى، ربة البيت قد تقتل وهي تنشر الغسيل باطلاقات طائشة من مرتزقة الحمايات الخاصة، والطفل الذاهب الى مدرسته قد يقتل في الطريق نتيجة مواجهات حية اثر عملية سطو ميليشياوي مسلح على بنك من البنوك، او محال للصيرفة، او لبيع المصوغات الذهبية، وقد يقتل صاحب التكسي لعدم توقفه اثناء مرور رتل عسكري امريكي او تجاوزه لموكب حمايات مسؤول عراقي كبير، وقد يقتل الباعة المتجولون اثر تفجير سيارة مفخخة موضوعة قرب مكان مزدحم او في مأرب دائرة حكومية!

ينفرد اصحاب مهنة البحث عن المتاعب في العراق بتوفر الاسباب المضاعفة والمزدوجة والمتواصلة لاستهدافهم وتصفيتهم، مرة لانهم كباقي العراقيين الذين يتعرضون للموت اليومي، ومرة اخرى لان طبيعة مهنتهم تستدعي البحث والتنقيب والمتابعة لهموم الناس وما يشغلهم وينغص عليهم حياتهم، وبالتالي فهم من يعكس ويؤثر في اتجاهات الرأي العام والخاص في المجتمع، من خلال كتاباتهم وبرامجهم ورسومهم الكاريكتيرية او من خلال لقاءاتهم وتحليلالتهم، والاخطر من كل ذلك، من خلال الصور الحية التي ينقلوها ومن مكان الحدث بحثا عن حقيقته.

الاعلام ان كان مقروءا او مسموعا او مرئيا هو واحد من ادوات الصراع المتعدد الاشكال والاطراف الجاري داحل العراق منذ احتلاله وحتى الان، وزحمة وسائل الاعلام وبكل وسائله لا تعني الانفتاح واحترام حرية الرأي كما يدعي المستفيدون من عملية التحرير الامريكي للعراق، فالشرذمة لا تعني التعددية، وحرية دعاة الملل والنحل في اطلاق ابواقهم الفضائية والاذاعية والصحفية هي متمم فعال لاعادة تشكيل المجتمع العراقي على اسس عرقية وطائفية ومذهبية باتجاه تقسيمه، وبالتوازي مع ممهدات العملية السياسية التي تدور رحاها بالتناغم مع المشروع الامريكي نفسه، عشرات الفضائيات والصحف والمجلات والاذاعات واغلبها ممول من احزاب وميليشيات العملية السياسية، ومن يعمل بها يجب ان يراعي مصلحة الخط السياسي والمذهبي الذي تمثله تلك الوسيلة الاعلامية، ومثلما تتقاتل احزاب السلطة الجديدة على غنائمها فانها تتقاتل اعلاميا ايضا من اجل تبييض صفحاتها وتسويد صفحات المنافسين، والتصفيات الجسدية للعاملين المختلفين في مجال الاعلام هي واحدة من معالم تلك المنافسة غير الشريفة. الاعلام المستقل وحده من يحاول الوقوف بوجه ماكينة الاعلام الطائفي والتقسيمي والاجتثاثي السائد رسميا في مجمل الخطاب المبثوث بين اهالي العراق، وهذا الاعلام يتعرض هو الاخر لاشد حملة تصفية وتنكيل من قبل القوى المتنفذة في السلطة، اما اعلام المقاومة الذي في مجمله اعلام غير مرخص فانه محظور ومطارد ويتعرض لتشويه مزدوج تشترك به وسائل اعلام ومخابرات المحتلين الى جانب وسائل اعلام وميليشيات احزاب العملية السياسية.

دشنت القوات الامريكية دخولها مركز بغداد بترويع الصحفيين والمراسلين الاجانب الذين كانوا يغطون الاحداث من مقرهم المعلن في فندق فلسطين، فقتلت وجرحت عدد منهم، مبررة فعلتها، بالخطأغير المقصود، وقبل هذا كله كان بوش وبلير يناقشان امكانية قصف قناة الجزيرة، لانها تغطي ماتراه بشكل مستقل وبما لايصب بالمصلحة الغربية!

كان الغضب ظاهرا على وجوه القادة العسكريين الامريكان في العراق من جراء التقارير الصحفية المصورة والمباشرة التي كانت قناة الجزيرة تبثها اثناء معارك الفلوجة، وطالب الامريكان وقتها بعدم السماح لاحمد منصورمن دخول العراق ثانية، لانه اعلامي لا يراعي المصلحة الامريكية فيما ينقله من تغطيات اخبارية.

350 اعلامي هم ضحايا مهنة المهالك، التي تدور عليها الدوائر بدوافع اسكات الاصوات التي لا تخدم اصحاب مشاريع دولة الطوائف والاعراق واسيادهم المحتلين، يحاولون مصادرة دور نقابة الصحفيين وتجريدها من استقلاليتها المهنية والنقابية، يعطلون اصدار قانون حماية الصحفيين، ويتلاعبون بموضوعات منح الرخص الاعلامية، يعملون على تعجيز الصحف المستقلة ذات النهج الوطني النقاد برفع دعاوى قضائية ضدها لتغريمها مبالغ كبيرة لا تستطيع دفعها بحجة القذف والتشهير، والغرض هو اسكاتها تماما، وهذا ما حصل مع عدد من الصحف الصادرة في بغداد واربيل والسليمانية، ولم يكتفوا بهذا وانما راحوا يبتزون الصحف والمجلات العربية التي تتناول الشأن العراقي بروح تناقض الروح الفاسدة السائدة في الاعلام الرسمي العراقي، ومثال رفع الدعوى القضائية على مجلة الاداب البيروتية بسبب مقال نقدي عن الاوضاع في كردستان العراق، ومطالبة المجلة بدفع غرامة مالية كبيرة، مثال حي على تمادي زمر المتأمركين في العراق.

اغتالوا نقيب الصحفيين السابق شهاب التميمي، وحاولوا اغتيال النقيب الجديد مؤيد اللامي، اغتالوا اطوار بهجت، وطواقم من محطات الشرقية والبغدادية، والعشرات من المراسلين والفنيين والمصورين، اعتقلوا العشرات من الصحفيين والاعلاميين، حتى اعتبر معسكر بوكا في البصرة نموذج لحالة الصحافيين في العراق، لانه اكبر سجن للصحفيين في الشرق الاوسط، حيث يعتقل فيه العشرات منهم ومن دون محاكمة.

رياض السراي كتب مقالة ينتقد فيها اداء القضاء في محافظة واسط، فأصدر احدهم أمرا قضائيا بأعتقاله ومن دون اي مسوغات قانونية، وقبله تم خطف وقتل الصحفي الشاب سردشت عثمان بسبب مقالة ينتقد فيها فساد الحكم العشائري للبرزاني وعائلته، سجاد سالم صحفي في قناة العراقية اغتيل في وضح النهار، والقاتل مجهول كما في كل الحالات، صفاء الخياط صحفي في قناة الموصلية اغتيل في وسط مدينته، وما زال الدم يسيل وبلا حدود!

في تقريرها الاخيراعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود، ما يتعرض له الاعلاميين في العراق هو افظع مجزرة للصحفيين في العالم، لانها فاقت كل ما سبقتها من مجازرللصحفيين في اثناء الحروب والمنازعات، اما مرصد الحريات الصحفية المستقل في العراق، فانه قد سجل 252 حالة انتهاك فض ضد الصحفيين العراقيين خلال السنة الماضية فقط.