قراءة في كتاب عبد الله محمد الناصر: “أمريكا.. العقلية المسلحة”

مراجعة عزيزة السبيني

يضم كتاب ( أمريكا، العقلية المسلحة) مجموعة من المقالات النقدية السياسية والثقافية، يدق من خلالها الصحافي السعودي عبد الله محمد الناصر ناقوس الخطر، محذراً من العقلية الأمريكية المسلحة، حيث باتت مبادئها تخضع لمنطق القوة والتسلح.
فحضارة رعاة البقر بالنسبة للمؤلف ليست أفضل من حضارة رعاة الجِمال. لكن مع غلبة العقلية المسلحة، كما يثبت، راحت أمريكا ومعها إسرائيل والغرب يعيثون في الأرض فساداً في أمريكا الجنوبية وأفغانستان وكوريا والعراق وفلسطين ولبنان والسودان والجزائر.. و اللائحة لا تنتهي.
في مقال بعنوان ( عورة التيس) يشير الكاتب إلى اجتماع أمريكا حول حقوق الإنسان، لأن دولاً خليجية تستخدم الأطفال صغار السن في سباق الهجن. فكيف لها أن تتحدث عن الإنسان وحقوقه، وهي التي تحصد الأطفال، وتعتقلهم، وتكمم رؤوسهم في أكياس الزبالة.. ثم تتحدث عن كرامة الأطفال! وتشير الإحصائيات العلمية أن أمريكا – خلال ستة عقود مضت- قتلت، ويتمت، وأعاقت، وشوهت آثار حروبها أكثر من مئتي مليون إنسان في العالم. وحولت معظم أطفال الشرق الأوسط مع ربيبتها إسرائيل إلى مرضى نفسيين، يتبولون في فراشهم بسبب كوابيس الذعر والموت من مشاهدات الذبح الإسرائيلي في فلسطين، والأمريكي في العراق وأفغانستان، وفي كثير من بقاع العالم… أمريكا التي أسقطت على أطفال «لاوس» وحدها مليون طن من القنابل، أصبحت اليوم بقدرة قادر طيبة القلب لطيفة رحيمة، إلى درجة تجعلها تشفق حتى على صغار الجن والشياطين..!!
وفي مقال آخر بعنوان «الفلوجة وعبثية الموت» يتحدث عن مدينة الفلوجة الهادئة المطمئنة التي لا يعرف أحد عبر التاريخ بأنها مدينة إجرام، ولا مدينة تصنيع سلاح، ولا مدينة الأوبئة المغلقة، ولا المبيدات الحشرية ولا البشرية.. معظم شيوخها لا يعرفون هل أمريكا شمال الأرض أو جنوبها؟.. أمضوا حياتهم في زراعة الأرض ورعي الماشية والنوم بعد العشاء. وفجأة وجدوا أنفسهم محاصرين بأكبر ترسانة سلاح في العالم، طائرات تقصفهم من السماء، وصواريخ تنصب عليهم من كل اتجاه، وقنابل ومدافع ودبابات تفجر بيوتهم، وتقتل أبناءهم، وتحرق عظامهم. وتلك قصة الشاب الأمريكي الذي ركب طائرته وحام فوق الفلوجة، وحينما رأى جموعاً من المواطنين يكتظ بهم الشارع قال لصديقه في الطائرة الأخرى: ما رأيك أن أحولهم إلى رماد؟ قال الآخر: فكرة رائعة.. قال: إذن انظر..!! وضغط زراً من طائرته فحوّل الشارع والحي إلى جحيم وجثث محترقة. فأصبحت الفلوجة وأهلها لعبة يتسلى بها الطيارون الأمريكيون، وبذلك دخلت الحرب على الطرق منعطفاً خطيراً هو المنعطف العبثي!!.
والعرب اليوم مشغولون بالحرب.. لكنهم لا يشغلون أنفسهم بما بعد الحرب، على افتراض أنها ستحسم لصالح أمريكا. وهو افتراض محاط بالارتباك والشكوك. إنهم يعتقدون ويعتمدون على الزمن باعتبار أنه حلال المشاكل، وأنهم قادرون على التكيف مع الظروف إذا جاءت مؤاتية.. بمعنى أنهم لن يتخذوا رأياً وليست لديهم رؤية ولا خطط، فرؤيتهم تأتي تابعة للأحداث، ولديهم الاستعداد التام لأن يتأقلموا معها ليس وفقاً لإرادتهم، بل لإرادتها ما دام ذلك سيضمن لهم أن يبقوا أحياء يأكلون ويشربون ويتمتعون بما وهبهم الله. وهنا يخاطب الكاتب وبالأسماء أحياناً أولئك المتآمرين والمروجين لحضارة (الكاوبوي)، ومنبهاً إلى أن أمريكا تحاربنا بثقافتنا وعقيدتنا ومالنا وبترولنا وإعلامنا، وبعضنا ينقاد لها إما خائفاً أو منبهراً!. إلا أن أمريكا سوف تتخلى وفقاً لمصالحها عن أصدقائها السابقين بحكم الحالة أو الواقع، فلن تعود العلاقات علاقات قائمة على الصداقة والندية وتبادل المنافع المشتركة في انفصال ذاتي استقلالي لهؤلاء الأصدقاء، بل ستعمد إلى تشكيل نسيج جديد لا يعتبر امتداداً للفلسفة الأمريكية وحسب، بل ظلاً لوحدة الفكر والمنفعة والولاء المطلق، وسيتم ذلك باللجوء إلى تلك النخبة (المتأمركة) في المنطقة التي ترى بحماسة ثقافية ووجدانية عاطفية أنّ النموذج الأمريكي هو النموذج الأفضل والأمثل والأرقى.
ويتساءل في مقال سطره تحت عنوان ( الحصار والبيضة النووية) عن قدرة الإنسان العربي في فك قيده وسعيه لبدء مرحلة جديدة، مشيراً إلى أننا في العالم العربي أصبحنا نعيش حالة من الخوف والوهن، حتى بائعة البيض أصبحت تخاف من التفتيش والتنبيش بحثاً عن البيضة النووية التي من المؤكد أن الدجاج العربي لن يبيضها حتى لو اختزن جميع النفايات النووية في بطنه.. ولكن قد يجوز لنا أن نحلم بأن نصنع الأقلام التي نكتب بها، والأحذية التي نلبسها، والسيارة التي نركبها، فهل نستطيع أن نحقق حلماً كهذا؟ أم أن العالم العربي سيظل يخرج من أزمة إلى أزمة، ومن حصار إلى حصار، ومن تفتيش إلى تفتيش، إلى أن تقوم الساعة، والعربان لا يزالون في ديارهم مخنوقين.. مطحونين.. محاصرين!!
الكتاب يكشف حقيقة العقلية الأمريكية المسلحة التي تسعى لإنهاك دول العالم الثالث، واستنزاف موارده الطبيعية، وأن المرء أصبح في هذه المرحلة شاهداً على موت نفسه وموت أمته عن طريق المشروع «الصهيو أمريكي» في المنطقة، فالتدخل الأمريكي والمشروع الصهيوني متداخلان إلى حد الاندماج والتوحد.
فالإستراتيجية واحدة، والأهداف واحدة، والضحية واحدة، وهي هذا العالم العربي البائس الذي تحول إلى حقل تجارب للسلاح الأمريكي، والعنف، والاستبداد، والظلم والقهر والاستعلاء.
أمريكا تريد للعرب أن يكونوا نموذجاً للهندي الأحمر الذي طاردته مئتي عام، وقاتلته بأبشع وسائل القتل. فالعقلية الأمريكية عقلية مسلحة بكل وسائل التدمير الفكري والاقتصادي، والسياسي والثقافي. والمعضلة أن كل ذلك يحدث بعقيدة ضرورة التفوق الأمريكي، كامتثال لأمر إلهي.. لهذا فليس غريباً أن يقف الرئيس بوش ويعلن أن حربه على الإرهاب «الإسلام» حرب صليبية مقدسة، وأن دخوله العراق كان تنفيذاً لتدبير إلهي، وهذا ما جعل الحاكم الأمريكي الأول في العراق ( جاي غاريز) يحتفل بعيد ميلاده في مدينة أور التي تعتبر المدينة المقدسة لدى اليهود.
:::::

المصدر: موقع “شرفات”.

الرابط:

http://www.shorufat.com/read.php?sid=233&id=4