أُسس استخدمت في إعادة هندسة الفلسطيني

مقدمة في التأسيس لتجاوز المرحلة

(13 أيلول)

عادل سمارة

أصبح الحديث عن تفكيك أو حل سلطة الحكم الذاتي لنفسها أمراً ضعيف المعنى بعد أن صار التطبيع أمراً طبيعيا يُنظر إلى من يثير حواراً حوله كمن يعيد حرب داحس والغبراء في عصر المابعديات! وعليه، صار الاشتباك المطلوب مع المرحلة بمختلف تمفصلاتها التي تشكل أوتار شد السلطة إلى ما هي فيه وعليه. لم تعد القشرة السياسية هي التي ترشي مثقفاً لينادي بمفاوضات مباشرة أو لا مباشرة، أو ليلتقي المستكبرين عليه من مثقفي الصهيونية، بل يفعل المثقف نفسه هذا ويفتح علاقات مع منظات أنجزة وحكومات وجامعات ومراكز ثقافيةأجنبية معادية بالطبع وأحياناً علانيةً إلى حد يُحرج حتى القشرة السياسية” ويخيفها من منافسته إياها.

لا بد من تفسير أوسع من سياسي وشعاراتي لما آل إليه الوضع لا سيما في عصر أل “ثنك تانكس – مفارز التفكير”. أي لا بد من تتبُّع “مشروع التطبيع” في جذوره الفكرية السياسية والاقتصادية بالطبع، بمعنى أن هناك نظريات استقت منها صناعة التطبيع أُطرها النظرية لاستخدامها في قراءة الواقع المستهدف وتحويله وتغييره أو إعادة هندسته كما تقول إحدى النظريات التي سنعرض لها في هذه المقالة.

ترمي هذه المقالة من جهة إلى تلخيص شديد الإيجاز لنظريات لا بد استخدمت في صناعة التطبيع وخاصة على الصعيد الفلسطيني، ومن جهة أخرى، نحاول من عرضها توفير دليل أولي لإطار نظري لمن يرغب في متابعة هذا البحث عن جذور والمناخات النظرية لصناعة التطبيع أو قراءة الواقع التطبيعي الحالي بإنارة تكشف كيف استخدمت هذه النظريات في تمكين صناعة التطبيع. ومن ضمن هذه الإنارة ما نأمل تقديمه لاحقاً في قراءة بدأناها بمقالتين في هذه النشرة عن المفاوضات (العدد 2331 والعدد 2345) إضافة إلى عدة حلقات بعنوان إعادة بناء البلد.

هذه المقالة عرض لمجموعة من النظريات التي تم تطبيقها، كما نزعم على الأقل ولا نحصر ذلك التطبيق فيها وحدها، لتصفية الكفاح الوطني الفلسطيني نوردها مختزلة هنا كي يتمكن القارىء من رؤية ملامحها في الكثير من اشكال انهيار الكفاح الوطني وانتشار التطبيع.

***

يمكن لقراءة التطورات التي تحيط بأي مجتمع أن تُقارب ذلك من مقتربات متعددة يكون اعتماد بعضها اختياراً ويكون اعتماد البعض الآخر اضطراراً بناء على درجة انطباق هذه المقاربة أو تلك.

في قراءة الحالة الفلسطينية لا سيما داخل الأرض المحتلة يجد المرء أن القراءة الأكثر انطباقاً هي قراءات أشد أعداء الإنسانية عمقاً ووضوحاً، ذلك لأن الأشد عداء للإنسانية لا بد يصطف إلى جانب الصهيونية، وربما هو إحدى أدواتها.

المقاربات التي سنقوم بعرضها لا يُقصد عرضها بما هي مناسبة لتحليل الفتك الذي يتم ضد الشعب الفلسطيني، بل كذلك لأنها حين استخدامها كمادة للتحليل ولكن بأدوات من عندياتنا، تكشف لنا عن التهتك الذي اصاب الأجسام الفلسطينية السياسية والطبقية والحزبية والأكاديمية والثقافية والنسوية…الخ

وأهمية هذا الكشف كامنة على الأقل في ثلاثة:

· مواجهة الحالة/ المرحلة بوجوب تفكيك مفاصلها وشطبها

· نقد الأدوات المحلية المحلية والكشف للمواطن عن خطورة هذه الأدوات

· تحصين الجيل الآتي من مخاطر الأبيض الرأسمالي الشعبي والرسمي سياسة وثقافة ومالاً بهدف الانسحاب إلى الداخل واستنهاض الموروث والإمكانات الذاتية كقوة دفع ومقاومة ونهوض.

هذه المقالة مثابة عرض لأخطر النظريات التي استخدمت (كما نزعم) لتفكيك وإلحاق الهزيمة بالقوى التي حملت المشروع الوطني الفلسطيني بهدف تصفية القضية الفلسطينية.

وهنا لا بد من إشارة ومحاذرة بأن هذا الاستخدام الذي نحن بصدده لم يتم ابداً بإشارات مرجعية إلى من دمروا البنية المجتمعية والنضالية لهذا الشعب ، إشارات توثيقية بمعنى أخذ مقتطفات من هذه النظرية أو تلك، بل هناك الاستخدام الأخطر الذي لا يُنطَق ولا يُستشهد به، كما تؤكد الوقائع أن هذه النظرية الخطيرة أو تلك هي مُلهم من قاموا بالتدمير المذكور بمعنى وجود تلامذة وخبراء محليين تخصصوا في تطبيق هذه النظريات لتدمير الحالة الفلسطينية.

لقد لجأت إلى هذا المقترب النقدي والتحليلي المزدوج كي أؤسس لقراءة عدة جوانب في حالتنا الفلسطينية ولتكون قراءة يتم تطبيق كل جزء منها أو مقارنته/معايرته بنظرية أشعر ان لها علاقة بهذا الخراب الكبير.

وحيث أوجز هنا ثلاثة أو أربعة نظريات متخصصة في الجريمة ضد الإنسانية، فإنني أعتقد أن هذا سيفيد القارىء في المقالات المقبلة بما يسهِّل عليه المقايسة والمقارنة بين نقطة تُناقش لاحقاً، مع نص في هذه النظرية او تلك جرت مناقشتها في المقالة الأولى أقصد هذه.

والمقالات هي محاولات لتحليل ما آل إليه الوضع الفلسطيني واستشرافات لصياغة مرحلة أخرى تنقد الحالية وتقطع معها إلى درجة الشدة.

فضلنا اختيار أربعة منظِّرين في السياسة والاقتصاد والاجتماع ومنهم من لعب دوراً سياسياً رسمياً، يشكلون قوة شر هائلة في خدمة رأس المال. ومصطلح راس المال هنا لا يكفي إذا لم يُربط بِ ويُبيَّن مصالح الطبقات الحاكمة/المالكة في المركز، في الثلاثي المتحكم بالعالم (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان) ثلاثي قوي متطور جشع ويعمل بخبرة وذكاء جنَّد إمكانات هائلة كالمال والتقنية والخبراء والجواسيس كي يوفروا له ما يحتاجه من معلومات ومعطيات تذهب تفصيلاً إلى ما في فراش نومنا نحن أهل البلدان المستهدفة من الإمبريالية والصهيونية وخاصة نحن الفلسطينيين. ولتلافي المبالغة ليس المقصود بالتركيز على المقاومة الفلسطينية تصويرها بانها وحيدة عصرها ويتمية الدهر، بل لأن القضية الفلسطينية لم تفقد زخمها العروبي، ولأنها في اشتباك مع أخطر حركة سياسية عنصرية في التاريخ هي الصهيونية.

هذه المجموعة مكونة من بريجنسكي مستشار “الأمن” القومي للولايات المتحدة عن الديمقراطيين في بداية سبعينات القرن العشرين، وكارل بوبر النمساوي الشهير بنظريتي التلاعب/التزييف وإعادة الهندسة، وملتون فريدمان عن مدرسة شيكاغو في النقودية وإدوارد برنياس مخترع الدعاية والتزييف الحديثتين. وبالطبع لهؤلاء تمفصلاتهم الكثيرة من الكتاب والمنظِّرين…الخ وكذلك تابعيهم من المحليين والعرب ومن العالم الثالث كذلك أما توابعهم في فلسطين فكثيروا العدد.

لا نعلم عن درجة تعاون هؤلاء المنظرين فيما بينهم في صياغة أطروحاتهم، ولكن (لِمَ لا يفعلوا!) . هناك شواهد على “تعاونهم على الإثم” فقد أسس كل من كارل بوبر، وملتون فريدمان وصنوه الاقتصادي فريدريك فون هايكً جمعية ( مونت بيريلن سوسيتي Mont Pelerin Society) في سويسرا منذ عام 1947، وخصصوها لترسيخ ونشر أفكارهم ” في الأسواق الحرة والمجتمعات الحرة” وهي الأفكار التي اسست لللبرالية الجديدة والتلاعب بوعي الجماهير باسم الحرية والديمقراطية واستغلال الطبقات الشعبية باسم حرية السوق وانفتاحها. لعل لحظة الخصاء الحقيقية لوعي الجماهير في تعويدها باسم “المجتمع المدني” “المجتمع الحر” على أن يكون المواطن الناشط سياسيا هو الذي يشارك في الانتخاباتت طبقا للنموذج المثالي الغربي ويكتب العرائض والاسترحامات لممثليه في البرلمان ويكون عضوا أو مؤسسا في منظمات المجتمع المدني” أي أن يكون دوماً تحت سقف النظام/المرحلة.

وهنا لا بد من إبرازملاحظتين:

الأولى: إن هؤلاء المفكرين الآثمين إنسانياً قد احتلوا نظرية غرامشي في المجتمع المدني حيث تقوم على صراع حاد بين هيمنة البرجوازية التي يمثلها هؤلاء وهيمنة الطبقات الشعبية التي تقاتل البرجوازية تناحرياً. فقد أغفلوا هيمنة الطبقات الشعبية الطامحة والمناضلة لبناء مجتمع مدني حقيقي وأبقوا على الشكل المخصي الذي عملوا على تأبيد عقمه.

والثانية: أنهم ضمن هذا المشروع لخصي وعي المجتمع أسسوا لتشكيل المنظمات غير الحكومية كأدوات لدول المركز وللدول التابعة لها من الغرب كدول/ أدوات (النرويج والسويد والدنمارك- في حالة علاقتها ببلدنا) والتي تمثل ظواهر استعمارية ناعمة بقفازات، ولكنها خطرة على الثقافة والعقول والمستوى الكفاحي. وهذا ما التقطه بريجنسكي (أنظر لاحقا) في استهداف المثقفين الثوريين في بلدان العالم الثالث وخصيهم بالرشى والبعثات والمنح والامتيازات.

مما بوسعنا قوله أن أطروحاتهم قد تمت الاستفادة منها كثيراً في تخريب البنية المجتمعية والنضالية والثقافية الفلسطينية لدرجة يمكننا القول إن لهؤلاء تمفصلاتهم هنا في الثقافة والسياسة والأكاديميا والمرأة والاقتصاد وهي تمفصلات تصل إلى درجة القول أن الذين هنا هم مجرد امتدادات نقلٍ باهتة لأفكار أولئك.

زبجنيو بريجنسكي

في الوقت الذي كانت تحتفل فيه أكثرية الشيوعية التقليدية بعظمة الاتحاد السوفييتي وابديته دونما التفات لكونهم كانوا يمشون على الماء، كان بريجنسكي 1970 يرى ملامح ضعفه بل وهَنه ويؤكد تحرك أوروبا الشرقية لصالح أوروبا الغربية. أما الشيوعيين الذين كانوا ينقدون السوفييت من مدخل أنه ليس دولة اشتراكية فطالما حلت عليهم اللعنة من اليمين (خوفاً من وعيهم المتماسك والصلب) ومن اليسار (كرهاً لسماع الحقائق الخطرة).

لبريجنسكي آثار كثيرة وعميقة تذهب إلى اجتثاث إنسانية الإنسان حرصا على مصالح راس المال. هو أحد أهم أنبياء راس المال وبالطبع العولمة والإمبراطورية فهو القائل قبل هاردت ونيجري: ” في البدء كل العالم هو أميركا… كل العالم أميركا”. هو صاحب نظرية قوات التدخل السريع الأميركية في الخليج… لكن ما يهمنا هنا أكثر هو نظريته في:

· استهداف المجتمع المدني على الصعيد الشعبي العالمي والتلاعب به وخصي وعيه وفي هذا يتقاطع مع كارل بوبر .

· وعلى الصعيد الرسمي ركز على احتواء الأنظمة والحفاظ على تبعيتها بأي ثمن.

أبدى قلقه من الحركات الشعبية جدا في العالم الثالث والتي بوسعها تهديد الحكام والنخب في البلدان المحتواة من الغرب. فهو يرى أن التوهج والحماسة لدى حركات التحرر الوطني والُملهَمة بالعديد من المفاهيم الإيديولوجية الكونية والمتركزة على الجماهير تشكل خطرا على الحكام المحليين في المحيط اللذين هم محتويين لدى الغرب وهذا يؤثر على مصالحه. لذا يقول : في هذا الصراع يجب أن نلقي بالاعتبارات الأخلاقية جانباً.

إن قراءة افكار بريجنسكي هذه تؤكد أنه وضع منظمة التحرير الفلسطينية ضمن الحركات القومية التي يجب تصفيتها. سنرى في مقالات لاحقة كيف تم تطبيق مشروع التصفية هذا بغض النظر إذا كان قد أعلن حاملوه أنهم تبنوا نظرية هذا أوذاك.

لقد ركز على أن الخطر الأشد في المحيط هو تجذُّر المثقفين والجماهير، ورأى ان الحركات الثورية وخاصة الماركسية تحاول رتق الفجوة مع الغرب عبر تجذير الجماهير. وهو يرى ان “جريمة” هؤلاء الثوريين في انهم يرفعون سقف التوقعات في المحيط عبر طموحات لا تشبع. ويرى ان المثقفين المغرضين/المزيفين والقوميين هم الملومين على تجذير الجماهير. باختصار رأى ان القومية، والجماهير الشعبية الواعية ومثقفي العالم الثالث هم القوى التي تهدد المصالح المادية والثقافية والامتيازات للطبقات الحاكمة في العالم المتقدم.

يبين هذا الحديث لماذا جرى تركيز كبير على احتواء مثقفي العالم الثالث ومنهم المثقفين الفلسطينيين سواء بتشغيلهم في منظمات الأنجزة أو بالبعثات والمنح من فورد فاونديشن ويو أس إيد وغيرها ليتم خصي وعيهم وتعويدهم على الاستهلاكية ومن خلال ذلك يستسهلون كتابة التقارير في أثواب أبحاث. وهذا تطبيع من الطراز الذي لا ينتهي.

الأخطر هو حله للمشكلة. فهو إذ يرى أن العدو الحقيقي هي الجماهير لأن الغرب لا يستطيع احتوائها بمعنى إعادة توزيع الثروة لتأخذ حقوقها، لذا ركز على احتواء المثقفين والنخب السياسية القومية. فالمركز لا يستطيع رشي الأمم وإنما النخب. وهو ما اشرنا إليه أعلاه ولا سيما عبر تعميق الرخاوة الفكرية والسياسية والكفاحية في هذه النخب.

ملتون فريدمان

تناولنا في حالة بريجنسكي تركيزه على احتواء النخب من المثقفين والقوميين، أما فريدمان فقد ركز على السياسات الاقتصادية للطبقات أو النخب الحاكمة سواء في فلسفة الاقتصاد أو في التطبيق الاقتصادي الميداني، وهذا ما يبين التكامل بين تنظيراتهم في التحليل الأخير.

فريدمان، النبي الاقتصادي للعولمة، فقد برز نجمه بالتوازي مع اضطلاع بريجنسكي باستشارية الأمن القومي للولايات المتحدة. هو الذي دفن النظرية الكينزية في تدخل الدولة في الاقتصاد وشطب اللبرالية في الاقتصاد ليُحل محلهما عدم التضبيط De-regulation، أي عدم لعب الدولة دوراً في تضبيط عمل الاقتصاد وبالتالي إطلاق حرية السوق التي هي وهم وإيديولوجيا وذلك عبر تجريد الدولة من القطاع العام واستبدالها بالخصخصة في المركز والانفتاح وإعادة الهيكلة في المحيط وما يترتب على كل هذا من وجوب انفتاح اسواق المحيط للمركز.

وتطبيق هذه السياسة يعني فتح المحيط للشركات الآتية من المركز، زيادة الضرائب على الناس، عدم قيام الدولة بالتشغيل، اي السماح للبطالة بالتوسع، وسيطرة البنوك وإعطاء قروض بلا تغطية ولا ملاءة…الخ وهو ما اشعل الأزمة الاقتصادية الحالية في الولايات المتحدة ومعظم دول العالم.

لعل هذه الأفكار هي التي جعلت منه مستشاراً لأفظع نظامين في التاريخ الحديث (في سبعينات القرن العشرين)، نظام الديكتاتور بينوشيت في تشيلي ونظام الكيان الصهيوني في فترة رئاسة بيجن للوزراء. نظامان هما نموذجين مصغرين عن النازية.

لو راجعنا السياسة الاقتصادية لسلطة الحكم الذاتي لوجدناها وقد طبقت العديد من أوجه نظرية فريدمان، فهي لم تُقم قطاعا عاماً رغم أنها في مرحلة ما يسمى “بناء دولة” بل خصخصت ما هو شبه قطاع عام، وهي اعتمدت السوق المفتوح أمام بضائع الكيان الذي هو أعلى تطوراً ومعادٍ قومياً، وهي تشجع البنوك الآن على منح قروض وتسهيلات جعلت كل مواطن اسيراً لدى البنوك، هذا في الوقت الذي يصيح العالم بأسره من هذه السياسات الاقتصادية تحديداً. وكأن سلطة الحكم الذاتي اليوم مشغولة في إشغال الناس بتدبير الحياة اليومية كي لا يفكروا باية قضية عامة، وربما كان هذا وراء عدم الاعتراض على الجولة الحالية من مفاوضات الحكم الذاتي مع الكيان الصهيوني.

كارل بوبر

ربما كان النمساوي كارل بوبر الأكثر فظاظة في احتقار الجمهور وذلك في جهده المتواصل في خدمة الراسمالية من مداخل لبرالية ولكن رجعية بامتياز. فهو يدعو النظام السياسي إلى التزييف والتلاعب في وعي الجمهور لتحييده عن القراءة الدقيقة للواقع. ويبدو أن سلطة الحكم الذاتي وخاصة حالياً قد قرأت هذه النظرية جيداً وحققت قسطاً كبيرا من النجاح في الأخذ بها وبيعها للناس. فقد جرى تصوير أوسلو على أنه استقلالاً، وعودة بضعة آلاف من الفلسطينيين كأنه حق العودة، وإعادة انتشار جيش الاحتلال كأنه تحرير المدن. واليوم يجري الحديث عن دولة وعن استقلال وعن نهضة اقتصادية بينما لا شيء ملموس على الأرض.

لكن التلاعب بوعي الجمهور يصل مداه الأقصى حين نرى الفلسطينيين يراوحون بين حدَّين بينهما مسافة شاسعة للتجهيل:

· حد إجراء انتخابات تحت احتلال استعماري إستيطاني ووصفها بالأكثر ديمقراطية في العالم

· وحد الاحتفال بأكبر طبق من الدجاج المشوي (المسخن) وأكبر طبق من حلويات الكنافة بينما لا يتم إنتاج مكوناتها محلياً رغم أنها مكونات تافهة.

على أن التلاعب بوعي الجمهور عند بوبر لا يتم دفعة واحدة، بل بتجريع الناس كأس خلخلة الوعي ومن ثم تنويمهم درجة درجة وهو ما اسماه أل Piecemeal Social Engineering & re-engineering.

نزعم بأن هذا ما حصل مع الفلسطينيين منذ سبعينات القرن العشرين. فقد بدأ الحديث منذ 1973 عن إقامة سلطة وطنية على أي شبر محرر في لحظة كان بين التحرير وبين هؤلاء مسافة لا تُقاس، لكن مجرد وضع الفكرة في الأذهان كان بداية تطبيع الناس بقبول التخلي عن حق العودة، وهو الأمر الذي انتهى إلى الاعتراف بالكيان الصهيوني على المحتل عام 1948 وأكثر. واليوم يتم تجريع الناس كأس الدولة، دون مقومات دولة بل حتى بمفاوضات فرض الصهيوني فيها منع المفاوض الفلسطيني من المجيىء بأية شروط وربما بلا أجندة، بينما الصهيوني يصر بوضوح على الدولة اليهودية ويهودية الدولة. لعل الهندسة وإعادة الهندسة هي الأكثر انطباقاً على الوضع أو الحالة الفلسطينية.

إدوارد برنياس

لم نجد بُدّاً أن نختم بخطير آخر، منظِّرٍ غربي آخر ربما كان نظير كارل بوبر

هو إدوارد برنياس ابن أخت سيجموند فرويد. إنه مخترع الدعاية الحديثة، وهو لبرالي نخبوي يعتقد بأن “هندسة الإجماع العام” عظيمة الفائدة. وهذا يمكن إنجازه بخلق “حقائق زائفة” والتي تصبح مع الوقت “أحداثا للأخبار”. وفي هذا يتقاطع جيدا وتماماً مع كارل بوبر الذي يقول: “يجب اعتماد التزييف وليس التثبت من الحقائق، واعتماد أل بيس ميل piecemeal بدل تمسك الجماهير بأي برنامج يوتوبي”. فهو يرى اي برنامج ثوري تغييري هو طوبى لا أكثر، وبما أن الجماهير بالنسبة له تؤمن بالطوبى، أو بالنسبة لبريجنسكي تتحول إلى جذرية لا تساوم بسبب تعبئة المثقفين الثوريين لها، فإن هؤلاء يخترعون لها التزييف والتلاعب، والتحسينات الصغيرة التي يقبلها الناس في حالة خصاء الوعي، وهو الخصاء الذي يُعوِّدون الجماهير على الاستنامة له. وكل هذا باسم الديمقراطية والحرية!

برنياس من اللبراليين المؤثرين الذين اقنعوا الأميركيين المعارضين للحرب بإرسال الجيش للحرب العالمية الأولى في أوروبا عبر حملة حكومية سرية. وكتب عام 1928 أن التلاعب الثقافي بالعادات والآراء المنظمة للجماهير عنصر هام في المجتمع الديمقراطي وأن التلاعب يشكل حكومة غير مرئية والتي هي القوة الحاكمة الحقيقية في بلادنا. وبدل الدعاية اخترع لتمرير المعنى والتأثير مصطلح “العلاقات العامة”. ألا يشبه هذا استخدام الفلسطينيين لمفردات الاستقلال والسلطة الوطنية بدل الحكم الذاتي والسلطة الفلسطينية؟

لقد سقنا هذا العرض المقتضب لنظريات هؤلاء القوم أملاً في استخدامها في قراءة أسباب انهيار السقف الفلسطيني النضالي بشكل لافت. هو الانهيار الذي دفع الأكثرية الشعبية للتعايش مع الفساد والتطبيع بألوانه إلى حد غض الطرف عن حق العودة أو عدم الجرأة على الجهر به!