مع من يتفاوض العرب بصدد فلسطين؟

نصر شمالي

قبل حوالي قرن، في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1914، أجمل حاييم وايزمان الموقف الصهيوني اليهودي، الذي سيناقشه مع الحكومة البريطانية، قائلاً: نستطيع القول أنّه إذا ما وقعت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني(بعد نهاية الحرب) وإذا شجّعت بريطانيا الاستيطان اليهودي فيها، كمحمية بريطانية، فمن الممكن أن يكون لنا هناك مليون يهودي خلال عشرين إلى ثلاثين سنة، وربّما أكثر من مليون. وهؤلاء المستوطنون اليهود سيطوّرون البلاد ويعيدون إليها الحضارة، وسيكونون حارساً فعّالاً لقناة السويس!

في ذلك التاريخ من ذلك العام كانت نشاطات المنظمة الصهيونية اليهودية تتمحور حول أربع نقاط هي: 1 – انتصار الحلفاء 2 – إقامة انتداب بريطاني في فلسطين 3 – التعامل مع الانتداب البريطاني على أنّه سيرعى دخول مليون يهودي إلى فلسطين خلال عشرين أو ثلاثين سنة بعد قيام الانتداب 4 – الانطلاق من أنّ الانتداب سينتهي في فلسطين ليحكمها اليهود، وأنّ دولة اليهود سوف تستمرّ في خدمة مصالح بريطانيا، وسوف تكون القلعة الحصينة للدفاع عن قناة السويس لصالح بريطانيا.

وفي ما بعد، بعد ثلاثين عاماً، كان مذهلاً ومثيراً للكثيرين أنّ تلك النقاط الأربع تحقّقت بكاملها! غير أنّ الإثارة تنتفي تلقائياً عندما ندرك أنّ الأهداف التي تضمنتها النقاط الأربع كانت أهدافاً لكلّ من الحكومتين البريطانية والأميركية، ناهيكم عن بقية الحلفاء الغربيين، بل وعن دول المحور التي خسرت الحرب، والتي كانت ستعتمد إلى حدّ كبير الأهداف ذاتها، بصدد فلسطين واليهود، لو أنها ربحت الحرب!

في ذلك التاريخ، وبعد اجتماعه مع القادة الصهاينة اليهود، أعلن ادوارد غراي، وزير الخارجية البريطاني، أنه سيعمل على إقامة الدولة اليهودية في المستقبل! أمّا المسؤول البريطاني الصهيوني الآخر، هربرت صموئيل، فقد أصدر مذكّرة رسمية، حملت عنوان “مستقبل فلسطين”، تضمنت دفاعاً حاراً عن فكرة هجرة ثلاثة إلى أربعة ملايين يهودي إلى فلسطين واستيطانهم فيها تحت الحماية البريطانية. إنّ هذه الفكرة هي نفسها التي كان يتبناها وظلّ يردّدها الصهيوني الأعظم ونستون تشرشل.

وفي شباط/فبراير من العام 1916 جرى تعيين حاييم وايزمان، القيادي البارز في المنظمة الصهيونية اليهودية، في أحد المراكز الحكومية البريطانية، تحت إشراف الوزير آرثر بلفور، الذي اقترن باسمه إعلان لندن رسمياً قرارها بإقامة القاعدة الاستيطانية الصهيونية اليهودية! يقول حاييم وايزمان أنه، بعد تعيينه موظفاً في وزارة بلفور، تجنّب متعمّداً طرح مسألة الدولة اليهودية، لكنّ بلفور قال له ذات يوم، من دون مناسبة: هل تعلم أنّك قد تحصل على “أورشليمك” بعد الحرب؟

وكان مارك سايكس قد عيّن في خريف عام 1915 وزيراً مساعداً لوزير الحرب البريطاني. وقد أسندت إليه مهام دائرة شؤون الشرق الأدنى، أي المشرق العربي تحديداً، فأخذ سايكس على عاتقه إقناع الدول الأخرى بالمشروع الصهيوني الاستيطاني، وفي جملة الحجج التي كان يعرضها: ” حاجة الحلفاء إلى دعم اليهود في العالم”! وهو كان يقصد: الحاجة إلى دعم الولايات المتحدة!

لقد اتصل سايكس بالحكومة الروسية القيصرية وحصل على موافقتها عموماً. ثمّ اتجه إلى الفرنسيين وأقنع جورج بيكو، الذي سيكون زميله في إعداد اتفاقية سايكس/ بيكو، بأن شرح له أنّ اليهود الأميركيين سوف يلتحقون بقضية الحلفاء بمجرّد وعدهم بأنّ فلسطين ستوضع بعد الحرب تحت إدارة مواتية للمشروع الاستيطاني الصهيوني اليهودي! وبناء على ذلك أوفدت الحكومة الفرنسية إلى الولايات المتحدة بعثة ترأسها فرنسي يهودي يدعى فكتور باش، وكانت مهمة البعثة التأكيد للأميركيين أنّ المستوطنات أو المستعمرات اليهودية في فلسطين ستمنح الحماية الكاملة من قبل بريطانيا وفرنسا بعد الحرب! أمّا أغرب ما في الأمر فهو أنّ تلك البعثة استقبلت بفتور من قبل معظم اليهود الأميركيين، الذين لم يكونوا يهتمون حينئذ بالمشروع الاستيطاني، بعكس الصهاينة اللوثريين الأميركيين غير اليهود! لقد اعتبرت مهمة البعثة الفرنسية فاشلة، وفتر اهتمام سايكس بالصهيونية كوسيلة لزجّ الولايات المتحدة في الحرب!

كانت الترتيبات والاستعدادات قائمة في معظم دوائر الحكومات الغربية، وبخاصة في لندن، حيث أكّد الوزير لويد جورج أنّه، عندما يحين الوقت لمنح فلسطين مؤسسات تمثيلية، وعندما يصبح اليهود أكثرية السكان المطلقة، فإنّ فلسطين سوف تصبح كومنولث يهودي! ثمّ صدر وعد بلفور، وكانت الجريمة العظمى بإنكار وجود شعب فلسطين على أرض وطنه وإحلال المرتزقة من جميع البلدان والأجناس محلّه، لتبلغ المأساة الرهيبة ذروتها بحلول الأميركيين محلّ البريطانيين في رعاية المشروع الاستيطاني!

والآن، بناء على ما أشرنا إليه وهو غيض من فيض، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه بداهة هو: هل زعماء عصابات المرتزقة الصهاينة اليهود هم الجهة التي ينبغي على العرب مواجهتها أو التفاوض معها بصدد فلسطين؟

:::::

ns_shamali@yahoo.com