فلسطين والمستقلون

جميل خرطبيل

الاستقلالية هي عدم الانتماء والالتزام بأي فصيل ما أو حركة أو حزب، ولكن لا تعني مطلقاً الاستقلال عن القضية الفلسطينية أو الفكر والأيديولوجيا.. وهذا الأمر البديهي متفق عليه ولا مماحكة حوله. ولكن المماحكة تدور حول هل القضية الفلسطينية حكر على الملتزمين والمنتمين إلى الحركات والمنظمات والفصائل والأحزاب..؟!

المستقلون غير المنتمين هم الأكثرية ولكن الكثيرين منهم لا يتعاطون العمل السياسي أو المقاوم مع أن لمعظمهم اتجاهات وعواطف مختلفة تميل إلى هذا الفريق أو ذاك بحسب ثقافتها ووعيها ومصالحها.. أما الذين يتعاطون العمل السياسي فهم لهم اتجاهاتهم المختلفة، ولكن لأنهم لا يملكون القوة السياسية التي يملكها أصحاب الكتل والتكتلات – لأنهم ليسوا تكتلاً- تم تهميشهم!

وللخروج من مصادرة القضية والوصاية عليها من قبل القوى المالكة للقرار، يمكن للمستقلين الوطنيين المؤمنين بالثوابت الفلسطينية تشكيل تجمع لهم ليمتلكوا قوة الكلمة والنفوذ، ولكن هذا يطرح سؤالاً في هذه الحالة فهل يبقون مستقلين أم يخرجون من ثوب الاستقلالية؟

إن التحالف والتنسيق العام بين المستقلين مهما كانت أفكارهم وأيديولوجياتهم حول قضايا محددة كالتمسك بالثوابت الفلسطينية.. يجعلهم قوة لها تأثيرها في الساحة السياسية، وفي الوقت نفسه يبقون مستقلين لأنهم لا يخضعون لبنية تنظيمية هرمية وتوجهات برنامجها السياسي كما هو الحال في الأحزاب والحركات والفصائل، كما أنهم لا يخوضون انتخابات ولو كانت ديموقراطية في حدها الأدنى لانتخاب ممثلين عنهم ليشرفوا ويقودوا العمل.. لأن هذا يعني الانتماء والالتزام وهو نقيض للاستقلالية.

والتنسيق والتوفيق بين الاستقلالية والتحالفات مهم جداً لأن العمل الجماعي المنظم ينتج أفضل وله فعالية، والعمل الفردي المستقل مهما كان لا يصل بفعاليته إلى مستوى العمل الجماعي.

ولكن هناك أخطاء يقع فيها بعض المستقلين الذين يدعون الوطنية الجذرية وهي تعبر عن قصور رؤيا عندهم فمثلاً يضعون فتح أوسلو وحماس في سلة واحدة ويدينونهما معاً ويحملانهما مسؤولية الصراع والانشقاق في الساحة الفلسطينية، وهم يدعون بموقفهم ذاك أنهم يعبرون عن استقلاليتهم بعدم انحيازهم إلى فريق دون الآخر!!

الاستقلالية شيء والحيادية شيء آخر ويبدو أن المستقل في تلك الحالة لا يدرك أبعاد الصراع الدائر في الساحة الفلسطينية وبأن جوهره صراع بين برنامجين متناقضين، صراع بين برنامجين مقاوم وضد المقاومة؛ بين متمسك بالثوابت ومفرط بها، بين رافض للاعتراف بالعدو الصهيوني ومعترف بالعدو ومتنازل عن 80 % من فلسطين وأكثر… والمستقل مهما كانت أيديولوجيته يفيد أحد الطرفين وليس الاثنين معاً.

والمؤسف أن بعض من يدعي تلك الاستقلالية ويهاجم حماس على أخطائها، تجده في الوقت نفسه يتغاضى عما تمارسه “سلطة المفاوضات” من تنازلات لصالح المشروع الصهيوني الاستعماري.. وهذه الحالة تعني أن الاستقلالية قناع، يغطي موقفهم كمستقلين، ولا يخدم الدور الوطني المرتجى أو المأمول منهم.

وهناك من يدعي الغيرة على القضية والوطن والشعب، فيدعو إلى ضرورة التوصل إلى قواسم مشتركة لخلق المصالحة الوطنية!! وذاك يخدع نفسه حيث لا يمكن التوفيق بين نقيضين جذرياً، فإما أن تكون مع أو ضد، وليس بالإمكان أن تكون في وقت واحد مع المقاومة وضدها، مع الاعتراف بالكيان الصهيوني وضده…!

وهناك مستقلون يتظاهرون بالحيادية (وكأنهم مراقبون – مثل الأجانب- وخارج المشهد والنسيج الفلسطيني!) فيوازنون بين الطرفين ويقارنون بين الأخطاء في الممارسات اليومية هنا أو هناك وكأنما هي الجوهر في الموازنة وليس البرامج والفكر، علماً أنه لا حيادية في الساحة الفلسطينية بين برنامجين متناقضين وبغض النظر عن تلك الأخطاء، التي يجب أن تقاوم وتصحح لا أن يغرق المستقل في جزئياتها أو يدير ظهره لها ومن ثم يقفز ليضع الجميع في سلة واحدة هم وبرامجهم وأفكارهم وسلوكهم وممارساتهم..!!

وهناك نوع آخر يدعي الحيادية فيرمي القضية الفلسطينية خلف ظهره لاهثاً وراء حياته الخاصة ومتعه غير مبال بشيء إلا مصالحه وأنانيته وذاته المتنرجسة، فهذا كاذب وحياديته المدعاة إنما هي خروج من الجلد الفلسطيني بل والعربي والديني والإنساني والأخلاقي..!

نعم هناك فرق بين الاستقلالية والحيادية حيث يمكن أن يكون الفلسطيني مستقلاً عن الانتماء للفصائل والأحزاب وهذا أمر عادي وطبيعي جداً، ولكن هل يمكن أن يكون الفلسطيني حيادياً؟

الحيادية تجاه من؟ تجاه قضيته ووطنه وشعبه وثوابته، تجاه تاريخه وهويته، تجاه حريته وكرامته، تجاه صراع بين وطني وخائن…!

هناك من يفهم الحيادية كما يفهمها إنسان يعيش في الغرب مثلاً السويد أو سويسرا وتسأله عن القضية الفلسطينية، وينسى أنه ابن القضية وينسى الذي يعيش فيها ومعها ولها كل أيام حياته!

فكل تلك الحالات يخدم المستقلون بها خط سلطة أوسلو المعادي للثوابت والمقاومة، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا، وإن ادعوا التمسك بالثوابت!

نعم لا يمكن للمستقل الذي يدعي الوطنية الجذرية أن يكون حيادياً؛ فعليه أن يحسم أمره ويعلنه حول المقاومة، الثوابت، التحرير الكامل، الموقف من سلطة أوسلو، عدم الاعتراف بالعدو الصهيوني، وعدم التنازل عن الأراضي المحتلة عام 48..

الفلسطيني إما وطني أو لا وطني ولكل منهما درجات وأوصاف مهما كانت أيديولوجيته (إسلامي، يساري، ماركسي، اشتراكي، علماني، ليبرالي، لا ديني..) فليكن الفلسطيني المستقل صادقاً مع نفسه ليعرف أين وكيف يصنف نفسه، وليحلل بموضوعية: هل مواقفه تخدم القضية الفلسطينية وثوابتها كما وردت في الميثاق الوطني حقاً أو هي مجرد ذر للرماد في العيون؟!