شهادة سينمائية من زمن الحرب

عرب لطفي ـ القاهرة

سألني صديقي المخرج السينمائي بعد أن شاهد فيلمي الأول ” بوابة الفوقا”، ما الذي ألهمك لعمل هذا الفيلم. أجبته مازحة: لم يكن إلهاما، كان نوعا من العلاج النفسي.

الحقيقة أنه بالرغم من السخرية التي شابت إجابتي إلا أنها كانت بمعنى ما تعبر عن الدافع العميق و الحقيقي الذي ساهم في تبلور مشروع فيلمي هذا.

لقد بدأت الفكرة تلح علي منذ اللحظة التي وطأت رجلي فيها مدينتي صيدا بعد أشهر من احتلال الجيش الصهيوني لها.

كنت قد غادرت مدينتي في 29 مايو 1982 إلى القاهرة و في نيتي الاستقرار لفترة مفتوحة. وصلت وقابلت الأهل و الأصدقاء و أذكر أننا ذهبنا يوم 4 يونيو لقضاء يوم هادئ في العين السخنة و كان يوما جميلا بالفعل حتى الساعة الخامسة أو السادسة مساء حيث رأيت زوجي يقترب منا ونحن في مياه النبع ليقول بأن الأخبار في الراديو تتكلم عن بداية هجوم جوي إسرائيلي على الجنوب اللبناني.

كانت هذه هي البداية للاجتياح الشرس الذي دمر الكثير و قضى على الكثير من البشر والحجر وعلى الكثير من العلاقات الإنسانية و الذكريات و غير مجرى الحياة اليومية لمئات الآلاف.

عندما تحدث الكوارث يتكلم البعيدون عن الدم، ولكن ماذا عن الحياة، ماذا عن تدمير الحياة نفسها، هذا ما شغلني كثيرا عندما عدت إلى مدينتي في شهر سبتمبر.

لحظة دخولي الحدود اللبنانية كنت أسير و كأنني أدخل إلى عالم غير واقعي، إلى نوع من المنام الخانق المشوش الذي لا يستطيع عقلك أن يتوازن معه. إنها شوارعي نفسها و لكن يتمشى عليها هؤلاء الآخرون الذين كانوا دائما كابوس حياتنا منذ الطفولة ويختفي منها من تعودت على أن يكونوا حياة المكان. كان هذا غير طبيعي و كنت في حالة من الذهول الداخلي، كانت كل تصرفاتي الخارجية عادية ولكن في أعماقي كنت أتحرك داخل منام غريب.

عندما وصلت إلى منزل طفولتي سعدت برؤيته أمامي كما تعودته، أعاد إلي هذا شيء من الإحساس بالتوازن خصوصا أنه كان قد وصلني يوم 26 يونيو وأنا في القاهرة خبر مغلوط بأن منزلنا قد انتهى وجوده في القصف و أذكر أن هذا الخبر بالنسبة لي كان فاجعتي الثانية بعد مقتل صديق طفولتي رشيد وزوجته صديقتي سعاد وطفليهما غسان وسامية بقذيفة واحدة، ماتوا كلهم وفي لحظة مشتركة لم يعودوا هناك.

يوم وصلني خبر المنزل حلمت حلما سرياليا بأنني أحضن المنزل، كان حلما غريبا و غير معقول من ناحية النسب الهندسية و لكنه كان حقيقيا بشكل غريب. الآن وأنا عند عتباته أرى أنه كان خبرا مبالغا لأن الإصابة هامشية و البيت لا يزال حي وهذا أعطاني شعورا بالتماسك والاسترخاء.

رحلتي داخل المدينة

“لصوص المدافن لم يتركوا للمؤرخ شيئا يدل علي” هذه الكلمات لمحمود درويش كانت توجز ما ثار بداخلي مع كل التفاصيل التي عشتها في تلك الفترة.

في بيتنا اكتشفت أن الحياة لم تعد كما السابق لن يعود زوج أختي أبدا لهذا المنزل لأنه لن يدخل لبنان ثانية (وفعلا هو لم يعد للزيارة إلا بعد سبعة عشر عاما كانت قد تغيرت فيها أشياء كثيرة)، وابن أختي عليهم أن يرسلوه إلى سوريا ليكون في أمان. أختي بقيت في المدينة لتمارس عملها وحياتها ولكن أصبحت عائلتها مشتته و أصبح اللقاء طريقة أخرى في الحياة عليهم أن يعتادوا عليها.

أردت أن أبحث داخل أوراقي لأفاجأ أنه كان عليهم في المنزل تدمير الكثير من الأوراق والمستندات لكي لا تقع في يد الأعداء وهذا فرض نوع من السرعة والفوضى التي أضاعت الكثير من الذكريات إلا أنها كانت بهدف الحماية.

مراسلاتي اختفت واختفى معها ذكريات صغيرة وعوالم حميمة أذكر منها مراسلاتي مع أخي زياد الذي كان أيضا صديقي الحميم و أذكر مشطا صغيرا جدا كان قد أحضره لي محمد عودة من رحلته في فيتنام مصنوع من حطام الطائرات الفانتوم الأمريكية. لا أزال حتى الآن أتذكر هذا المشط و أتذكر محمد عودة عمي القاهري الذي كان يأخذني معه منذ طفولتي في جولاته القاهرية التي شكلت ذاكرتي مع القاهرة التي أحب.

فقدت أشيائي الصغيرة، فقدت أماكن أحبها قد دمرت بالكامل، فقدت أحبائي، كل هذا في لحظة غشيمة أصبح جزء من الماضي لم يعد له حاضر ولا مستقبل، ولم يعد لهؤلاء أثر يستدل به عليهم سوى ذاكرتي الداخلية.

ذاكرتي الداخلية و بقايا الحكايات وبقايا الصور وبقايا الأماكن، من هذه الخيوط أبني فكرتي لإعادة المدينة.

أن نكون هنا و أن يعود الغائبون، يعودوا عبر الحكايات و الصور، أن نرحل في تدفق الذاكرة الجمعية لاستعادة الحكاية.

لم تكن الفكرة بهذا الوضوح في البداية، كان هناك حالة من التداعيات المتناثرة و الانفعالات العاطفية و شعور بالتوتر.. الغضب.. المرارة.. التحدي.. الحزن.. الذهول.. الإصرار على متابعة الحياة و كأن شيئا لم يكن. كل أنواع العواطف والانفعالات والتداعيات. كانت بطريقة أو أخرى حالة من عدم التركيز.

كنت أريد أن أفعل أي شيء لأوقف اللصوص، كنت أريد أن أصل إلى شيء و لم أعلم ماذا أفعل. عودتي نفسها كانت نوع من الفعل التطميني. أردت أن أقول لنفسي أنني أستطيع أن أعود إلى مدينتي متى أريد. تجولي في المدينة كان نوع من التهدئة للنفس وتأكيد لعلاقة آمنة مع المكان ولكن كل ما يدور بداخلي كان غير محدد الملامح.

بعد أسبوع تقريبا من وصولي حصلت حادثة أضاءت في نفسي فكرة. كنت قد اتفقت مع صديقتي الحبيبة و أستاذتي في مادة الفلسفة فاطمة غندور كي نلتقي صباحا كعادتنا ونتمشى في شوارع المدينة و نتأمل العالم عبر حوارات متناثرة أقرب للتداعيات. كانت فاطمة تلهمني دائما بقدرتها على التأمل الهادئ في أكثر اللحظات صخبا، و كان لقاؤنا يغني عالمي الداخلي دائما ويعطيني طاقة خاصة. كانت تأملات فاطمة مختلفة عن كل تأملات الأذكياء المحيطين بنا، لم يكن ذكاؤها عاديا كان يحمل من الهدوء الصوفي و القدرة على الوصول إلى جوهر الأشياء دون التشوش بالتفاصيل التي تسرق عقول الآخرين و قلوبهم. كانت دائما تستهدف الجوهر، وكان هذا ملهما.

بينما كنا نتمشى أنا و فاطمة سمعنا دوي انفجار هائل قريبا منا و ابتدأت حالة من الهرولة والفوضى. فجر شاب دورية إسرائيلية و اختفى لم يستطع أحد أن يراه و لم تستطع القوات الإسرائيلية أن تلقي القبض عليه. ابتدأت القوات الصهيونية بالتفتيش حولهم بطريقة هستيرية والناس تتفرج عليهم و أنا و فاطمة من الناس. فجأة سمعت فاطمة تقول بالعامية “نياله” ومعناها التقريبي يا لسعادته نظرت إليها متسائلة فقالت لي”هذا الشاب يشعر الآن أنه الوحيد الحر بيننا جميعا وهو الآن يعيش لحظة حريته الخاصة”، نعم انه الوحيد الحر بيننا الآن لقد أسقط الاحتلال وحاصر حضوره المزعج لقد أعاد هذا الشاب للحياة معناها، وبطريقته أعاد لعالمه توازنه واستعاد لنفسه المكان.

لم تكن هذه هي العملية الأولى ضد الاحتلال فلقد كانت العمليات قد بدأت في صيدا حتى قبل سقوط بيروت ولكن هذه العملية هي التي نبهتني لمسألة إعادة التوازن مع العالم كيف نحاصر حصارنا كما نصحنا محمود درويش.

هذا الشاب المقاوم و فاطمة و محمود درويش و كل لحظة عشتها في تلك الفترة و حكايات الناس الكثيرة فتحت أمامي الباب لأعيد قراءة ذاكرة مدينتي من خلال ناس كثيرة أحببتها.

لم يحمل فيلمي كل ما بداخلي و لكنه فتح لبعض المساحات من البوح، الناقصة كثيرا، والتي لا تزال تحتاج الكثير لاستكمالها. إلا أنه كان بكل نواقصه محاولتي الأولى.

لقد كان فيلم” بوابة الفوقا” محاولتي الأولى إلا أنه لم يكن البداية.

البدايات

أستطيع أن أقول أنني من مواليد مدينة صيدا في الجنوب اللبناني. وصيدا مدينة بحرية جنوب بيروت وهي بوابة الجنوب وشمال فلسطين. في هذه المدينة ولدت ومن هذه المدينة بدأت رحلتي.

في البداية لم تكن اختياراتي اختيارات شخصية، كانت أميل أن تكون قدرا بالمعنى البسيط للكلمة.

هناك أربع أشياء في حياتي كانت قدري منذ الطفولة : البحر،السياسة، العالم المفتوح على حرية واسعة للاختيار، و السينما. لم أسعى لهم لأنهم كانوا حاضرين في حياتي منذ الولادة. كانوا كما نقول عادة “قدري الخاص”، التقينا بصدفة لا تسمح لي أن أعرف من ينادى من.

نشأت في مدينة صيدا وهي مدينة بحرية هادئة، وكان منزلنا على شاطئ البحر. نشأت وعندي قناعة عميقة أن كل إنسان في العالم له بحره الذي يربى بجواره. أذكر أنني بكيت عندما سمعت من أحدهم و أنا في السابعة من عمري أن هناك أطفالا في بلاد أخرى لم يروا البحر في حياتهم. بكيت بحرقة شفقة عليهم. لم يستطع عقلي الطفل أن يستوعب هذا النوع من الحرمان.

أذكر أيضا الجزيرة البحرية الصغيرة، التي تبعد حوالي الألف متر داخل بحر مدينتنا، و التي كانت تشكل لي رفقة دائمة عن بعد خصوصا في ليالي الشتاء حيث كنت أتسلى بتعداد الوقت الذي يفصل بين النور و العتمة لفنارها الصغير. لذلك عندما درسنا في كتب مادة التاريخ للأطفال أن الفينيقيين جاؤوا إلى لبنان في هجرات متتالية من الجزيرة العربية في عصر القحط والتصحر واستقروا في الجزء الخصيب هنا وأنشأوا الحضارة الفينيقية كنت أعتقد أن جزيرتنا الصغيرة القريبة البعيدة الخالية سوى من الصخر والرمل هي الجزيرة العربية. كانت الجزيرة العربية إلى هذه الدرجة قريبة مني ومن خيالي الطفولي.

البحر كان هو العالم الواسع بالنسبة لي منه أرى الجزيرة العربية و من شاطئه ذات ليلة مقمرة رأيت عشتروت إلهة الجمال تولد من أمواجه و تخرج باسترخاء مقتربة من الشاطئ الرملي لمدينتنا. كما شاهدت الشمس التي كانت تخرج صباحا من وراء الجبل و هي تسبح في ماءه عند الغروب وكطفلة كنت أتخيل أننا ممكن لو ذهبنا في مركب وانتظرنا هناك بعيدا آخر البحر سنستطيع أن نلتقي بالشمس. (هذه الحكاية وضعتها في سيناريو لفيلم قصير عن طفل يذهب للقاء الشمس وللأسف لم ينجز حتى الآن لاعتراضات رقابية !!!)

بحر مدينتي له حكاياته الكثيرة، كنت صغيرة العائلة و كنت أسمع حكايات يرويها أخوتي عن المراكب التي ملأت البحر عام 1948. كانت قصة مؤثرة تحكيها أختي الكبيرة كيف أنها استيقظت في يوم ما من عام 48 لتجد البحر مليء بالمراكب الصغيرة والمتوسطة التي تقترب إلى شاطئ مدينتنا، كان هذا منظر ساحر و مدهش بالنسبة لها فركضت لتسأل أمي”ما هذا”. أجابتها أمي “أنهم أهلنا من فلسطين”. كانت هذه الجملة هي بداية لرواية طويلة ممتدة لم نتوقف عن حكايتها أملا بنهاية سعيدة اسمها العودة و كلما تعقدت الأحداث امتد السرد وابتدأت الحكاية تأخذ بعدا ملحميا.

(هذا المشهد بالمراكب كان مشهدا افتتاحيا لمشروع فيلم روائي طويل لم ينجز).

الحكاية الفلسطينية واحدة من حكايات الجنوب اللبناني التي شكلت مصيره ومصير أهله ومصيري لكوني من أهله.

لم تكن الحكاية الفلسطينية مجازر وتهجير قسري “لأهلنا” فقط، بل كانت مؤامرة على وحدة منطقة تعودنا أن نتحرك فيها بحرية لنكتشف أن الأسلاك الشائكة والحدود المصطنعة أصبحت عائقا يوميا نعيشه. كنا نسمع مقارنات أهلنا كيف كانت الحياة ما قبل اليهود وانجلترا وفرنسا. أرض ممتدة بلا نهاية ولا حدود، جغرافيا متكاملة.

كانت الكلمات التي أسمعها منذ الطفولة تتراكم حتى قبل أن أفهم معناها العميق.

الاستعمار،المؤامرة الصهيونية، عصابة شتيرن، سايكس بيكو، المخيمات الفلسطينية، حق العودة، الثورة الجزائرية، الفدائيين، العدوان الثلاثي، الوحدة العربية، حرب التحرير الشعبية.

هناك أسماء تشكل حتى الآن نقطة دافئة داخل وجداني رغم أنها لا تمت للمنطقة العربية بصلة، مثلا باتريس لومومبا الذي لن أنساه ما حييت و لا أعتقد أن أحدا من أهل مدينتي الصغيرة ممن عاصر تلك الفترة سينساه، لأن المدينة خرجت بمظاهرة كبرى ضد اغتيال باتريس لومومبا ” المناضل الأفريقي و بطل التحرر الوطني “. أذكر حكاية ماسح الأحذية الذي رأى المظاهرة فسأل أحد المشاركين عن سبب التظاهر فأبلغه المشارك بمقتل باتريس لومومبا، فسأله ماسح الأحذية ” من هو باتريس لومومبا” أجابه ” انه مناضل إفريقي ضد الاستعمار، هو مثلنا يريد أن يخرج الاستعمار من بلاده”، فما كان من ماسح الأحذية إلا أن لملم عدته وانضم بكل وجدانه للمشاركة في تأبين هذا الإنسان الذي يحمل معنا أحلامنا فقتل غدرا.

كانت الحكايات تشكل عالما خصبا أتحرك بداخله و يضيف لذاكرتي غنى لم أجد مثله حتى في الكتب الأدبية الساحرة. كانت تدهشني بساطة الحكايات و قدرتها على التأثير. اكتشفت عبر رحلتي مع الحكايات كم تكون الحكاية مدهشة و ساحرة عندما تخرج من القلب وتلمس التفاصيل البسيطة للحياة دون سعي للتزييف أو التزويق. هذه المدرسة التي نهل منها الكثير من فنانينا المميزين وتأثروا بها في إبداعهم. مثلا فناننا الرائع ناجي العلي ابن مخيم عين الحلوة الذي احتضنته مدينتي الجنوبية، إن ناجي هو ابن الحكايات الصغيرة وابن الحكمة الشعبية المكثفة، خفيفة الظل و قليلة الكلفة خرج من ثوبها المرقع لا ليرميه بل ليلبسه لحنظلة طفله الأبدي.

كان قدري أن أكبر في عالم تملأه الأحداث و الحكايات وكان الطابع المنفتح لعائلتنا يساعد على أن أكتشف العالم بدون أي حواجز أو أفكار مسبقة. عائلة ممتدة فيها الأب والأم والأخوة، العموم و العمات، الخيلان والخالات وأقارب العائلة وأصدقاؤها. حرية الحركة بينهم في مدينة مطمئنة ساعدتني على أن أبني وجودي على مزاجي وأختار من كل واحد منهم أشيائي التي أحبها، ومما ساعدني على الحركة بحرية أب وأم غاية في التسامح والانفتاح على العالم ويملكون عشق للحياة والتجربة، كل بطريقته استطاعا أن ينقلاها لي ولأخوتي. كم أنا محظوظة لوجودهم في حياتي لم ألتق حتى الآن بأب وأم مثلهم أحرار على كل المستويات، حرية المرأة ومشاعر المساواة الاجتماعية واحترام التعددية ورفض الانغلاق واحترام الآخر وكره الظلم وعشق الصدق كل هذه لم تكن قضايا للمناقشة بل كانت نمط حياة وسلوك يومي.

كان بيتنا يضج بالأفكار والاهتمامات والهوايات، وكانت المعرفة بمعناها الواسع قيمة هامة. تعلمت في بيتنا أن أحترم كل أنواع المعرفة من أين ما أتت.

كان منزلنا يستقبل كل أنواع هواة المعرفة من الأكاديميين لمثقفي الشارع ومن الرموز السياسية إلى أبناء البلد من كافة الفئات الاجتماعية.

الأدب، الشعر، السياسة، الموسيقى و السينما كانت كلها تفاصيل لحياة يومية يمارسها كل على مزاجه و سجيته و لذلك وجدت نفسي أتحرك داخل هذا المناخ و أستمتع بعناصره دون أن يعني هذا لي أي شيء سوى المتعة الإنسانية و اكتشاف العالم. و كانت السينما في تلك الفترة متعة مميزة خصوصا أن التلفزيون(لحسن حظي) لم يصلنا إلا بعد أن بلغت سن العاشرة، مما أعطاني مساحة واسعة للاستمتاع بالسينما بكل طقوسها الجميلة. كان هناك أربع دور عرض رئيسية في مدينتنا ثلاث منهم لأولاد عم أمي و الرابعة كان خالي يديرها لصالح صديق له في المهجر. وهذا أعطاني فرصة للذهاب متى أشاء للسينما خصوصا في الأجازات. و كوني الأخت الصغرى في عائلة مهتمة بالثقافة كان هذا يعطيني مساحة لتأمل كل النقاشات والانحيازات الفكرية و الهوايات و الميول العاطفية التي يمارسها الكبار و التي كانت تتفاعل داخل مصنع الأحلام الذي ابتدأ ينمو بداخلي. لا أستطيع أن أذكر من منهم جميعا أثر في اختياراتي أكثر من الآخر. لكل منهم مناطقه التي أثرت في معرفتي و اهتمامي بالعالم،لكل واحد منهم أحلامه التي حضنت أحلامي و أغنتها. كان لأختي مها وأخي زياد تأثير كبير على تشكيل انحيازاتي الإنسانية و اختياراتي في الحياة عاطفيا و فكريا. و كان لأخي خالد، ولا يزال حتى الآن، الشعر و التاريخ مناطق تدفق بيننا، أستمتع جدا بسماعه و كان له فضل كبير في تذوقي للشعر العربي تحديدا قديمه و حديثه و في الاهتمام بالتعمق بالتاريخ القديم لمنطقتنا.

لقد تنازعتني أشياء كثيرة في لحظات الاختيار و لقد كانت انحيازاتي مزيج لأشياء كثيرة أثرت أيضا في نوع عطائي طوال رحلة الحياة. لا أستطيع أن أختزل نفسي كسينمائية و لكن من المؤكد أن السينما أعطتني مساحة كبيرة للتعبير عن ذاتي، هي لم تكن منطقتي الوحيدة ولكنها أخذت حيزا هاما في رحلتي مع الحياة. و لقد كان لأختي الكبيرة نبيهة دور مهم في لفت نظري إلى إمكانية أن أكون هناك داخل معمل السينما و ليس فقط في صالة العرض. هي بالمناسبة تكبرني بستة عشر عاما لذلك فعندما بدأت هي مشوارها مع السينما كنت طفلة وكان مبهرا أن أكتشف ما يمكن أن تعطيه السينما. لقد كنت دائما أحب السينما كعالم سحري ولكن مع نبيهة عرفت أننا نستطيع أن نكون الساحر ذاته وكان هذا شاعريا جدا.

درست السينما و عشت تجربة الانخراط في عالمها و لكن عندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان سحبتني معها إلى المنطقة الأكثر عاطفية و هي الوطن و الحياة و مصير العالم الذي كنا نحلم بتغييره إلى الأفضل. شكلت سنوات الحرب فترة انقطاع عن ممارسة العمل السينمائي و لكني لم أبتعد أبدا عن انتهاز أي لحظة كانت تعطيها الحياة لأكون في عالم السينما. أذكر في تلك الفترة حضور السينما في حياتي من خلال صديقي الحميم يسري نصر الله الذي عمل في بيروت حينها في مجال النقد السينمائي، كانت تربطنا أنا و يسري صداقة عميقة مليئة بالسينما و بأشياء الحياة الكثيرة التي صنعت عالمنا المشترك. التقيت هناك مع تجارب سينمائية كثيرة بتقطع تفرضه الأحداث، تجربة فيلم ” المنام ” لمحمد ملص عايشت جزء من التجربة وكان ممتعا بالنسبة لي أن أكون في عالم السينما حتى و لو للحظات قصيرة. هناك أيضا كان تصوير نبيهة لفيلم “لأن الجذور لن تموت”، ويضا تجارب صغيرة مع غالب شعث و زملاء آخرين كانوا يسعون للتوثيق للحرب، و لكن كل هذه كانت لحظات مسروقة داخل إيقاع الحرب الأهلية.

لقد كانت البداية الفعلية التي أعادتني إلى السينما هي لحظة ما بعد الاجتياح التي تحدثت عنها. وبالرغم من أن فيلمي الأول ” بوابة الفوقا”هذا قد صور عام 1989 إلا أن المشاعر والتداعيات التي مهدت له نشأت عام 1982 مع بداية الغزو الإسرائيلي للبنان ووقوع مدينتي صيدا تحت الاحتلال.

لم تكن الفترة ما بين العام 82 و العام 89 مجرد تحضير كانت فترة من التردد بما أبدأ و كيف. عملت لفترة في السينما مع المخرج محمد خان وكنت في هذه المرحلة أعيد اكتشاف علاقتي بالسينما من الناحية العملية بعد فترة الانقطاع الطويلة. ابتدأت بمشروع سيناريو روائي عن لحظة الاحتلال ثم ابتدأ يشدني التوثيق للذاكرة بشكل أقوى خصوصا أنني منحازة للحظة الحقيقة بشكل يجعلني أحيانا أجد في العمل الروائي ضعف ما أو شيء ناقص.

قراري النهائي ببدء العمل على الفيلم كمشروع ملموس جاء مع الانسحاب الإسرائيلي من مدينة صيدا و حكايات الشباب المفرج عنهم من معتقل أنصار وحكايات الناس التي خطف أهلها والأصدقاء…ابتدأت بتجميع المادة و ابتدأ التحضير و دخلت في تجربتي الأولى و ابتدأت الحكايات تتدفق تسبر غوري وأسبر غورها و كان “بوابة الفوقا” فيلمي الأول.

فيلمي الثاني” مرآة جميلة” كان عن المناضلات الفلسطينيات من جيل السبعينات… وثم جاءت أفلامي التالية بتنوعها و الحقيقة أنني لو حللت ما يشغلني في أفلامي سأجد أن الذاكرة الممتدة، الحكاية الشعبية، المزاج الإنساني واكتشاف العوالم المحيطة تشكل مشتركات في أعمالي.

لم أدعي الموضوعية في أي فيلم أخرجته و لكنني كنت دائما أمينة في بحثي عن الحكايات والتفاصيل و لم أزيف أبدا أي فكرة أعطتها لي الشخصيات التي عرفتها و تعاملت معها، لم ألفق وثائق ولم أدع العلم بالشيء بل اعتمدت أسلوب السؤال المفتوح وحاولت دائما أن أخلق حكاية من لحم ودم.

لم أفتعل مشاعر ولم أشحذ العطف ولكنني تفاعلت عاطفيا مع العالم الذي أصنعه.

لم أدعي الحياد يوما، أنا أحتقر فكرة الحياد فهي فكرة مدعية، لكني أحاول قدر الإمكان أن أنحاز لعالم إنساني، عادل، ممتع وغير تسلطي.

لذلك عشقت الثقافة الشعبية لأنها تفتح مساحة واسعة للمزاج الحر ولاكتشاف أصل الأشياء.

لقد شكل المزاج الإنساني أداة مقاومة للتنميط و المأسسة واستطاعت الناس عبر حركتها التلقائية و تواصلها أن تعيد تشكيل لغة الحكاية و صوت الموسيقى و مذاق الطعام وألوان الصورة،و أن تخلق علاقة حميمة و إنسانية بين البشر و أن توجه بتلقائية بسيطة ودون أن تدري ضربة عنيفة لمشكلتين أساسيتين داخل الحضارة الإنسانية هما العنصرية والتملك الأناني.

لقد عملت على دراسة هذا الموضوع من خلال الرصد السينمائي، خصوصا فيما يتعلق بمنطقة البحر الأحمر وأيضا طريق نهر النيل، في أفلامي”سبع ليالي و صبحية”، “رانجو”،” الفرح مصري”.

حلمي الآن تحقيق رحلة طويلة على شواطئ البحر الأحمر سعيت لها لسنوات وما زلت أحلم… أتمنى أن أحكي عن هذا المشروع بعد تصويره.