نهاية الأسطورة السياسية للنقابات المهنية الأردنية

هشام البستاني*

بعد أن كانت النقابات المهنية في الأردنية تمثل حالة الاجتماع السياسي الأرقى في البلاد بانتخاباتها الحرّة ولجانها المعنيّة بالعمل العام المتعيّن بثوابت أساسية كبرى هي: مقاومة التطبيع وعدم الاعتراف بشرعية إسرائيل والمطالبة بالغاء اتفاقية وادي عربة (لجنة مقاومة التطبيع)، واعتبار القضية الفلسطينية جزءً عضوياً من قضية الأردن (لجنة فلسطين، وعدم اعتراف النقابات بقرار فك الارتباط)، ومعارضة السياسات الاقتصادية الافقارية للحكومة (لجنة حماية المستهلك)، واطلاق الحريات العامة (لجنة الحريات)، ودعم المقاومة في العراق وعدم الاعتراف بشرعية الاحتلال وافرازاته السياسية (لجنة نصرة العراق)؛ وبعد أن كان العمل النقابي يتميز بالتنوع والغنى من حيث مشاركة مختلف المشارب السياسية والايديولوجية ضمن هذه اللجان في تناغم قل نظيره خارجها؛ تفقد هذه النقابات اليوم بوصلتها السياسية بفعل عاملين أساسيين:

الأول هو تحوّلها شبه المكتمل إلى ملحق للحركة الاسلامية (الاخوان المسلمون وحزبهم جبهة العمل الاسلامي) وإلى أداة سياسية في يدها ضمن توازنات صراعها مع السلطة، والثاني هو تسلل وصعود قوى محسوبة على السلطة السياسية داخل النقابات وتحوّلها إلى قوى مؤثرة بواسطة تحالفات عقدتها مع الاسلاميين أنفسهم، ومن خلال جيل جديد من النقابيين خرجوا من رحم الجامعات الأردنية التي خرّجت إما طلاباً لا مبالين، أو طلاباً ذوي نزعات عشائرية ومناطقية وإقليمية، أو طلاباً ملتحقين بالتنظيمات التابعة للسلطة (نادي الثورة العربية، شباب كلنا الأردن، برلمان الشباب…الخ)، ولخفوت نجم القوى اليسارية والقومية التي وجه لها الاسلاميون ضربة قاضية بتصفيتها من داخل الجسم النقابي (باستثناء اولئك الذين رضوا بدور المُلحق) فلم يبق طرف آخر مقابل سوى اتباع السلطة.

لهذا شهدنا تراجعاً حاداً في أداء النقابات السياسي، وتصفيةً للقيادات والكوادر النقابية الجذرية غير البراغماتية، وصولاً إلى اصدار النقابات لبيان المطالبة بحكومة وحدة وطنية في الأردن، وهو البيان الذي يقترب من أن يكون فضيحةً سياسيةً كُبرى.

حكومات الوحدة الوطنية تنشأ في دول غير تابعة، وقادرة على اتخاذ قرارها السياسي والاقتصادي المستقل، وتنشأ استناداً إلى توافقات محددة ذات طبيعة استراتيجية (مثل الاشراف على صياغة دستور) أو انقاذية (مثل مواجهة كوارث طبيعية) أو وجودية (مثل خوض حرب) أو في مفاصل سياسية هامة كبرى في تاريخ الدول (مثل توقيع معاهدة سلام مع عدو). هذه التوافقات المحددة تشكل رابطاً يوحّد أطراف حكومة الوحدة الوطنية (التي تتمثّل فيها كل القوى السياسية الموجودة) باتجاه تحقيق الهدف المشترك الكبير المحدد.

الآن نسأل: ما هو الرابط الاستراتيجي بين النقابات المهنية الأردنية التي تدّعي أنها تعارض نهج التحالف الاستراتيجي للأردن مع الولايات المتحدة، وتعارض كامل البرنامج الاقتصادي للسلطة السياسية المتمثل ببيع القطاع العام وتصفية القطاعات المُنتجة وانسحاب الدولة من مهامها الاجتماعية، وتعارض نهج السلطة التطبيعي مع اسرائيل، وتدعو لإلغاء معاهدة وادي عربة، وتدعو لإلغاء قانون الصوت الواحد الانتخابي وافرازاته البرلمانية التفتيتية والافسادية، وتدعو لمحاربة الفساد الحكومي، وتدعو لإطلاق الحريّات العامة وعلى رأسها حرية التجمع والتنظيم والتعبير عن الرأي والغاء قانون الاجتماعات العامة… ما هو الرابط بين هذا كله، وبين سعي النقابات لأن تكون طرفاً في الجهاز التنفيذي المناط به تنفيذ نقيض كل هذه التوجهات والمطالب النقابية؟

هل هناك وهم لدى النقابات بأن الجهاز الحكومي في الأردن هو جهاز يخطط ويرسم الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية مثلاً؟

يعرف مبتدؤوا العمل السياسي أن السياسات والاستراتيجيات ترسم في دوائر صنع قرار أخرى، في حين أن الجهاز الحكومي هو جهاز تنفيذي، وأن القرارات المناطة بالوزراء لا تتعدى فصل ونقل الموظفين وتمرير أو منع بعض الأمور الجانبية التي لا تؤثر على السياسات والاستراتيجيات العامة المرسومة سلفاً، وكم من رئيس وزراء أو وزير أو مدير أُقيل أو استقال حين حاول تنفيذ أو فرض سياسات أو قرارات تتعارض والنهج السائد أو المحدد سلفاً.

شكلت النقابات المهنية الأردنية ضمير المجتمع المحلي الذي لا يهادن بتركيبتها السياسية الشمولية الجامعة المعارضة، وبتركيزها على النضال المبدئي الملتزم بالثوابت والبعيد عن البراغماتية، لكنّها تحوّلت رويداً رويداً إلى ورقة يلعبها الاسلاميون في صراعهم مع السلطة، فمثلاً: يعلو نَفَس مقاومة التطبيع عند الخلاف مع السلطة أو بروز تيّار في السلطة يغطي نشاط مقاومة التطبيع ويوظفه، بينما يخفت نَفَس مقاومة التطبيع عند التهدئة والحوار مع السلطة أو التهديد الشديد من قبلها. كما تُستخدم مقاومة التطبيع ضد الأطراف المعادية للحركة الاسلامية داخل النقابات والبرلمان، في حين يتم التغاطي عن ممارسات يقوم بها إسلاميون أو حلفاؤهم وتعد تطبيعاً (تحوّلت قضية ظهور مهندس ونائب سابق ظهر في حوار على قناة الحرّة الأمريكية مع مسؤول إسرائيلي -وهو تصرّف مدان طبعاً- إلى معركة طاحنة، فيما يتم السكوت عن مشاركة الاسلاميين في ندوات لمنظمات محليّة تموّلها السفارة الأمريكية، ويتم السكوت عن أية تصريحات لمسؤولين من حماس يُفهم منها أنها اعتراف ضمني بإسرائيل، ويتم استقبال مسؤولون مطبّعون في فعاليات نقابية مختلفة. وكل هذا يأتي على النقيض من بدايات اللجنة التي اصطدمت دون اعتبارات براغماتية بالتطبيع فقطعت طريق المطار المؤدي إلى معرض الصناعات الاسرائيلية عام 1997، وأصدرت قائمة المطبعين 2001 التي أرسلت أعضاء اللجنة إلى سجن الجويدة).

هكذا وصلنا إلى نقطةٍ تريد فيها النقابات شراكةً في الحال “المايل”، وفي صيغة “حكومة وحدة وطنية”، لتضفي مزيداً من الشرعية “الشعبية” على آليات عمل السلطة السياسية الافقارية والتفتيتية والمصادِرة للحريات والمنخرطة في برامج وتحالفات اقليمية ودولية بعيدة عما يمكن تسميته بـ”المصالح الشعبية”.

لكن… هل ننسى أن النقابات المهنية فرّخت وزراء كثر في الحكومات المتعاقبة: اسحق مرقة (نقيب أطباء سابق) وحسني أبو غيدا (نقيب مهندسين سابق) وكمال ناصر (نقيب محامين سابق) ومحمد العوران (نقيب أطباء سابق) وممدوح العبادي (نقيب أطباء سابق) وسمير الحباشنة (ناشط سابق في نقابة المهندسين الزراعيين).

هناك نزوع في بنية النقابات المهنية يؤهلها لمثل هذا الخطاب بصفتها ممثلاً للطبقة الوسطى التي تميل إلى الركون إلى الوضع السائد والخوف من التغييرات الجذرية، وإذا أضفنا لهذا ملاحظة ثانية هي صعود أصحاب العمل إلى قيادة النقابات (أصحاب المكاتب الهندسية الكبرى أو المراكز الطبية والسنية الكبرى أو أصحاب المستشفيات أو أصحاب المستودعات الصيدلانية…الخ، أو أولئك المرتبطون بهم، بدلاً من المهنيين العاديين الصغار أو الأُجراء)، وهي فئة تجد نفسها ومصالحها أقرب إلى السلطة والكمبرادور منها إلى صغار المهنيين وأُجرائهم، وملاحظة ثالثة هي دخول الاسلاميين والنقابات مؤخراً على خط المشاريع العقارية الكبرى وامتداداتها المالية (منتجع وفندق “البحيرة” العملاق قرب البحر الميّت)، فلا غرابة إذن أن نجد النقابات المهنية تطالب بحصتها من الكعكة، وأن تصبح ضيفاً على مائدة الإفطار الملكية.

:::::

كاتب من الأردن

نشرت في القدس العربي (لندن)، 17/9/2010