حوار مع سمير أمين في القومية والقطرية والشيوعية (الحلقة الرابعة)

عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

امين

6-: ليس معنى ما سبق من انتقادى لخطاب العروبة أننى “عدو العروبة” بل إننى على عكس ذلك على طول الخط واعتبر نفسى من أصدقاء العروبة. ولكن بمعنى يختلف عن معناه عند العروبيين. فأنا من أنصار الوحدة العربية، بل اعتبر أن تحقيق هذه الوحدة لابد أن يحتل مكاناً هاماً فى العمل السياسى لجميع القوى التقدمية اجتماعياً والمعادية للاستعمار والنظم الخاضعة له.

أنت كأممي حقيقي لست مجرد صديق للعروبة أو للوحدة العربية، أنت من صلبها. أنت لست مجرد نصير للوحدة العربية، او الاتحاد…الخ بل انت ممن يعملون بالفكر على الأقل من أجل إنجازها. ليس هذا تفضًّلا مني ولا تقرُّباً إليك. هل تذكر لقاءنا في جامعة نانتير في باريس في مؤتمر : “شعوب العالم في مواجهة العولمة” وقد ترجمت لي بتواضعك الجم الذي يذكرني بالرفيق ناجي العلي حديثي الطويل والممل. يومها كنت منتشياً بأنك سوف تزور الأرض المحتلة باعتبارها ارضاً محررة، وبدعوة من أساتذة/واستاذات هناك من جامعة بير زيت. قلت لك حينها هذه محتلة ومستعمرة، وأن من دعوك مطبعين يريدون ألإيقاع بك كرمز اممي وثوري. وتقبلت الملاحظة ولم تأتِ. تصور لو أنك اتيت! هل تعرف ما هو حال أوسلو-ستان؟ هل سمعت مؤخرا عن “ترقية” المفاوضات غير المباشرة إلى مباشرة وتمنعات نتنياهو (يذكرني هذا بتفجعات يارميا- كيف تتغير الأزمان” فهو يصر على الاعتراف بدولة يهودية كالذهب الخالص! ونقول نعم! هل تعرف أن دوائر عديدة في الجامعات المحلية هي مستوطنات للغرب الراسمالي وكيف يعقد رئيس هذه الدائرة او تلك صفقة مع هذه الدولةأو الجامعة أو تلك، ويختفي عن الأنظار كالوزراء ومدراء أجهزة القمع. وهل تعرف ان القنصل الأميركي يقيم حفل إفطار على حلويات القطايف في بيت لحم ويرفض حضور الراديكاليين؟ جميل لنا ولك أنك لم تأتِ.

أمين:

بل لابد أن نكرس لهذا الهدف أهمية خاصة. وأقول بالتالى إن تحقيق العروبة (وأفضل مصطلح: تحقيق الوحدة العربية) إنما هو احتمال. وإن لهذا الاحتمال جذورًا تاريخية يمكن الاعتماد عليها لدفع المشروع إلى الأمام. وأقول إن تحقيق هذا الاحتمال من شأنه أن يعطى للشعوب العربية مكاناً أقوى وأبرز فى مواجهة تحديات العصر.

نعم وهذا التحقيق يتطلب بلا مواربة المثقف المشتبك الذي يتجاوز المثقف الثوري الذي وصف به لينين ليبنكخت وطور مفهومه غرامشي، ويتجاوز مثقف فانون، وبالطبع مثقف سعيد النقدي/المراوغ معاً. طبعاً يتطلب الحزب، وهو الحزب المختلف عن حزب لينين التقليدي. لم يعد الحزب فرقة ممن يعرفون اكثر من غيرهم ولديهم آليات الوصول للثقافة والوعي والمعلومة. فالمعلومة اليوم تغرقنا حتى الضياع. اصبحت المعلومة كحلم حي بن يقظان في الذهب حتى صار كل شيء ذهباً. الوفرة المميتة.

لكنه يتفق مع حزب لينين في التمسك بالموقف والقناعة والتماسك أمام الشدائد والإغراءات اي التقشف الثوري. الحزب الذي لا يقول كادره حين يقرر الخنوع والمساومة والتطبيع…أنا حر/ة. الحزب الذي ترفعه الطبقات الشعبية كي يمثلها لا يأتها من فوق بيروقراطيا أو نخبويا. الحزب الذي يكدح ويجوع ولا يساوم، وليس الحزب الذي يفتح بطنه لأي تمويل ليرشي أعضائه كي يبقوا فيه، وحتى ليرشي من ليسوا من اعضائه. الحزب الذي ينازل اليمين في مواقع اليسار وليس الحزب الذي يتمول من الأنجزة ومن السفارات لينازل اليمين في رشوة الكوادر.

هو المثقف والحزب والحركة والطبقة، هل هذا ما يمكن بنائه في هذا العصر؟ صعب، ولكن لا خيار ولا محايدة.

أمين:

ولكن الهدف لن يتحقق طالما أنكرت القوى السياسية والأيديولوجية التى تسعى إليه واقع تنوع الانتماءات والخصائص “القطرية” وغير القطرية.

هذا هو بالتحديد اختلافى مع الكيلانى والقوميين. فالقوميون شاركوا مع تيارات أخرى فى تغذية وهم خطير مفاده أن الوعى العروبى يسود من تلقاء نفسه فى صفوف الجماهير العربية. هكذا تصورت النظم الوطنية الشعبوية التى حكمت أهم البلدان العربية خلال الستينيات والسبعينيات أن تحقيق “الوحدة” أمر بسيط ويسير، إذ يعتمد على مطلب موجود وفاعل فى الجماهير. وضُربت المقارنة فى هذا المضمار- أكثر من مرة وعند معظم مفكرى المشروع الوحدوى- بما حدث فى ألمانيا وإيطاليا فى القرن التاسع عشر، وذلك دون عمل حساب لاختلاف الأوضاع، ليس من حيث فعل العامل الخارجى بالأساس، بل من حيث تباين التكوينات المجتمعية المعنية ودور البورجوازية فيها.

الوعي العروبي موجود، ظاهر أحياناً وكامن أحياناً أخرى. والسؤال هو من هي القوة الثورية التي تخلق مناخ تمظهره بما هو حضور كامن، وبأي إتجاه، فكونه عروبياً لا يعني أنه يمينيا وقوميا بحتاً، وكونه عروبياً لا يحق له تجاهل من ليسوا عربا كشركاء في كل شيء. يفتح هذا الحديث على التوليد العفوي للوعي لدى الطبقات الشعبية و/أو دور الحزب في التوعية. أنت محق، إن كنت فهمتك، لا يأتي التغيير في الوعي بفعل الطبيعة، الوعي عمل إنساني اساساً، ولكن، حينما يكون هناك تخريب للوعي تصبح التوعية واجبا حتمياً. فلكسر هيمنة الطبقة البرجوازية وبالطبع سيطرتها هناك هيمنة الطبقات الشعبية التي عليها المواجهة معها. ربما كان أخطر ظلم لغرامشي أن الحديث لم يدر حوله أو أن شراحه تحدثوا عن الهيمنة الأولى فبهتت النظرية وبدا الرجل كما لو كان تصالحياً!

فالقوميون الذين تتحدث عنهم لم تكن مشكلتهم في عدم رؤية تباين الظروف والأوضاع ولا في الإيمان بالتلقائية وكليهما حقيقي. المشكلة أنهم لم يكونوا قوميين طبقيين اي شيوعيين؟ لا بل إن كثيرا من الشيوعيين هنا لم يكونوا شيوعيين. هل كان ل ماو أن ينكر القومية الصينية ويعترف بإسرائيل لو “زُرعت في الصين”؟ أو يستثني الصين الشعبية لصالح “الصين الوطنية”!. لم يكونوا حتى تنمويين لم يأخذو الصراع الطبقي كهدف ومشروع، فليس مشروعهم. ألم يكن ناصر يبني مجتمع الطبقة الوسطى بينما تحمله في كل مشروعه الطبقات الشعبية؟ ليس الأمر اختلاف الذاتيات بل الأمر اختلال الطبقات وانتماء القوميين المذكورين لغير الطبقات الشعبية. وهذا ما يوجب التدقيق والفصل بين إخلاص ناصر وتقشفه وبين رؤيته للحياة والمجتمع، فالرهبانمتقشفين ولكنهم ليسوا اشتراكيين.

أمين:

وما تلا قد أثبت هشاشة هذا التصور إلى حد تحديه. فانهارت الوحدة المصرية/السورية لهذا السبب بالتحديد، أى بسبب إنكار اختلاف “الذاتيات”. أذهب إلى أبعد من ذلك: فإن هذه التجارب قد أثبتت أن تلك القوى (الناصرية والبعثية) التى أنكرت التباين “القطرى” وفرضت محله خطاب العروبة، قد مارست فى واقع الأمر سياسات قائمة على تكريس الذاتيات القطرية المنكورة. هكذا فرض النظام الناصرى ما أطلق عليه السوريون تسمية “الفرعونية”، وهكذا كرس حكم العبث فعل الذاتية السورية فى مواجهة الذاتية العراقية.

تفتقر هذه الفقرة للدقة العلمية. ليس هناك تعريفاً ل “الفرعونية” هناك المصلحة الطبقية للبيروقراطية الحاكمة في مصر والتي لا علاقة لها بالذاتية السورية. هل كان ضباط الانقلاب الخمسة في سوريا معبرين عن “ذاتية سورية”؟ هل كان الانفصال مداً شعبيا، حتى “ثورة برتقالية”؟ نتحدث هنا عن انقلاب دعمته الإمبريالية والقطريات التابعة لها. لا بد من التفريق بين الانقلاب والحراك الشعبي. وبين اندفاع جماهيري محلي وبين تزويد الدبابات بالقنابل من الخارج. وبشكل اساسي بين موقف الأنظمة من الوحدة وموقف الطبقات الشعبية وخاصة في القطريات التي معظم شعبها يعتبر نفسه عربياً، اي لا اقول جزر القمر مثلا، أو سكان منتجع دُبي. هل ما أعاق وحدة سوريا والعراق “الذاتية لهذا القطر أو ذاك” أم البرجوازية القطرية في كلا البلدين ودعم الرجعية العربية والإمبريالية لها؟

أمين:

فاحتمال تحقيق الهدف المطلوب- أى الوحدة العربية- منوط بالاعتراف بالتنوع والتعامل معه، الأمر الذى يقتضى بدوره ممارسات ديموقراطية صحيحة. وأطروحاتى بهذا الشأن هى أن تحقيق المشروع لن يتم إلا بالتدريج، عبر عملية طويلة الأمد، بل أقول إنه يتطلب تكوين تحالفات اجتماعية بديلة لتلك الحاكمة، تحالفات سوف تختلف من “قطر إلى آخر، ومن مرحلة إلى التالية. وتسميتى لهذه التحالفات بالنعت المشترك “الوطنى/ الشعبى/ الديموقراطى” لا يعنى أن مكوناتها سوف تكون متماثلة من بلد لأخر.

هذا أمر آخر تماماً. وهذا مدخل، ولكنه مدخل إلى باب مغلق ودون مفتاح؟ حتى العملية الطويلة تحتاج إلى الحركة السياسية الحزب الذي هو المفتاح وهو مشروع وعي وتوعية، هومشروع صراع فكري اشتباك مع أطروحات عديدة تذهب إلى تفريد كل فرد بمفرده. لذا، انت لست صديقا للوحدة، انت أكثر، كلنا منها ولها.

لعل السؤال ألخطر هو: كيف نبني هذا التحالف في ظروف تغتال حتى ديمقراطية العلاقة بين المرء وزوجه! في ظروف يتقاطب مثقفون على الأنجزة والمناصب كالذباب على غير طبق الحلوى؟ في ظروف يجند النظام الحاكم جيوشا من المثقفين أوسع من جنود الأمن وأكثر. في ظروف يتقافز فيها كبار المثقفين العروبيين (كما يحلو لك القول) بين الطرح الديمقراطي والاعتراف بالكيان الصهيوني ونِعم الملوك والشيخات والأميرات! لا تأتي يا سيدي الديمقراطية من قوى ومناخات كهذه. حتى ثقافياً، كم عربي يعرفك انت نفسك؟ وأنظر كم من الملايينن عشرات الملايين يعرفون مثقفي البلاطات!

يتم المشروع بالتدريج نعم، وبتحالفات واسعة نعم وبأخذ الخصوصيات أخذا حقيقيا بالاعتبار نعم. ولكن كل هذا منوط نجاحه بقوة دفع وعمل سرية وذكية تواجد بين الجميع وتبدو كأنها ليست هناك. أن تكون بين الجميع ووحدك لتحمي المناضلين الطيبين من إخباريات العسس. هذا هو الواقع العربي الأكثر انحطاطاً.

قد يبدو هذا القول حارقاً كحامض الكبريتيك، وهو كذلك ويجب أن يكون اكثر. كيف لا والمواطن العربي يجري مسح وعيه وحتى تفريغ راسه بالمسلسلات التي تعيدنا إلى ما قبل العثمانية ومحطات الأخبار الفضائية والأرضية والمذياعية تخبرنا بأنباء أميركا وحركات الملك والرئيس. هذا إذا لم نلتفت إلى ثقافة تقسيم المرأة بين الخباء وبين الغربنة والتخارج. رقيق في البيت ورقيق معولم. نصف المجتمع مشغول في احتلال نصفه الآخر. هل تنفع الديمقراطية والعلنية هنا؟

أمين:

وأنظر إلى هذا الموقف- وكتبت ذلك أكثر من مرة- على أنه يمثل نقطة الفصل بين الماركسية الخلاقة من جانب والماركسية (أو الماركسيات) الدارجة المبتذلة (بما فيها الماركسية السوفيتية، لا الماوية) من الجانب الآخر.

ويبدو أن الكيلانى يغفل تماماً هذه الإشكالية. وبالتالى ينتمى إلى مدرسة ماركسية دارجة، هى اقتصادوية بالأساس. وذلك بالرغم من أنه وضع بجانب هذه الماركسية: نظرية ثقافوية مثالية ميتافيزيقية للقومية. ومن ثم فالاتهام الذى يوجهه الكيلانى لى- بالاقتصادوية- إنما هو اتهام غريب فعلاً، متناقض مع كل ما كتبته فى الموضوع.

هنا تستعيد الأمور استقامتها حين تُنقل إلى النظرية ويستعيد أمين عافيته ولا سيما حين يعطي الماوية حقها وتفردها، يرتكز إلى الماوية، التي هي شيوعية قومية مناضلة ميدانيا من الريف إلى المدينة. حين نقرأ المجتمع عبر التشكيلة الراسمالية تضيق شقة الخلاف، لتبرز الطبقات ومصالحها وصراعاتها ولتبرز توليداتها الإيديولوجية لتخفي العامل المادي وتبرز التهويمات الإيديولوجية. وهنا لا يعود من ستار على الاقتصادوية، ويظل السؤال هنا: لماذا نقبل لماو إنجاز المشروع الاشتراكي على ناقلة قومية على الأقل خلال فترة التأسيس ونرفض أن نقوم به نحن. وهذا سؤالي لأمين الذي أقدر ماويته والتي استفدت منها كثيراً، لماذا أنت صديقاً للعرووبة والوحدة العربية؟ لماذا هذا البخل في العلاقة؟

أمين:

وقد اقترحت إعادة النظر فى التاريخ العربى على ضوء هذا المنهج، وبالتالى استبعاد النظر فى هذا التاريخ على أنه “موحد” و”ثابت”، وأن نحل محله نظرة تهتم بالتحولات. فالتاريخ العربى، شأنه فى ذلك شأن تاريخ المجتمعات الأخرى، يبدو لى نتاج تسلسل خطوات، بعضها دفعت نحو الأمام- أى نحو تكامل النمط الخراجى- وبعضها لها طابع ردات نحو تفكك هذا النمط.

ليس لدي ما أختلف عليه مع أمين سواء على وجوب البحث المتواصل في القديم وقراءاته، ولا على رفض اعتماده كسلفية طالما نقرأ التاريخ وليس الأديان. وهذا يفتح على المسألة الأهم، وهي أن لا نسحب ضبابية القطع في التشكيلات السابقة لنضفي ضبابية على المشروع الذي علينا إنجازه. قد نختلف على الإقطاع العسكري/الحربي، والمراحل الخمس والنمط الاسيوي في الإنتاج والخراجي، على أطروحات امين وستالين وليرنر…الخ إنما يبقى السؤال هل نختلف على أن التشكيلات المحيطية في الوطن العربي بما هي راسماليت تعيد توليد التبعية ضمن مشروع واع تماما لمصالحها؟

وإذا ما اتفقنا على هذا، فما المطلوب؟

هل المطلوب إعادة الدفاع عن الدولة القطرية وتعداد مبررات اختلافها عن الأخرى، أم المطلوب تفكيك مفاصل الدولة القطرية؟ هذا عنوان كتاب لي. قد يصح لي القول هنا أن عدم النضال ضد هذه الدولة والاشتباك مع مفكريها ومن ثم عساكرها هو تورط في انسجام غير مقصود مع مشروع الراسمالية في حقبة العولمة على الصعيد العالمي ومشروع التبعية على الصعيد العربي، ومشروع اوسلو-ستان على الصعيد الفلسطيني المحتل.

تفكيك المحيط وتذريره وتركيز المركز. أو خلق حكومة عالمية غربية راسمالية بالطبع ورعايا من مختلف الأمم رعايا ليس كقطريات أو قوميات بل فردا فردا على مستوى 7 مليار إنسان ليكون هناك 7 مليار هوية وثقافة وكيان!!!

أمين:

وتأتى ملاحظاتى حول السلطة والتجارة وتمفصلهما فى تمركز الفائض فى هذا الإطار. كما اقترحت كشف سر تبلور ظاهرة شبيهة بما يسمى اليوم “القومية” فى بعض المراحل السابقة على الرأسمالية، عندما يتحقق تمركز ملحوظ للفائض على صعيد فضاء يتجاوز الفضاءات المحلية الصغيرة المطلوبة لإنتاج الفائض.

فالقومية” المعنية هنا تخص الطبقات الحاكمة (السلطة والتجار) أكثر منها تخص الجماهير الشعبية التى ظلت فى كثير من الأحيان خارجة عن تأثيراتها.

هذا الانفصام القومي القديم ليس غريباً على الحقبة الحالية، الراسمالية في حقبة العولمة. بالمفهوم العام وغير الطبقي ولا الدقيق، هناك قومية عربية، قد يكون من تنقدهم انت دُعاتها أو ممثليها. ولكن واقعياً وميدانياً أرى، وهذا ما كتبت فيه كثيراُ أن هناك قوميتين:

· القومية الحاكمة، قومية الطبقات الحاكمة/التابعة/المتخارجة ومعها مثقفيها العضويين وحتى المؤسسة الدينية القطرية. هذه القومية تزعم العروبة وهي ضد اي مشترك عربي. تقوم بتعظيم اللاتكافؤ على الصعيد العربي. وبما هي قطرية، فلا يجمعها سوى مؤتمر سنوي لوزارات الداخلية كي تتشارك في “عبقريات” القمع.

· والقومية الكامنة، قومية الطبقات الشعبية التي وإن تواجدت في القطريات، فهي ممتدة ما بين القطريات وهي ممنوعة من التواصل والتحقق. هل يكفي مثالا على هذا ان كيانات النفط تفضل العمالة الاسيوية على ثلاثين مليون عربي عاطلين عن العمل، حتى لو كانت من مخاطر العمالة هذه أن تتحول ذات يوم إلى كيانات كالكيان الصهيوني مثلا، اي احتلال منطقة (نفطية بالضرورة) وتجميع من ليسوا عربا او محليين فيها، بوتقة فيها كل من ليسوا عرباً. هل سيأتي يوما تفعل الإمبريالية شيئاً كهذا. لكنني مشغول ومأخوذ بالجاري، في محاولة لسحب هذه المساهمة على الواقع المعاصر. وأعتقد انها مساهمة جادة في تأكيد أن الطبقات الشعبية، ذات قومية محتواها جوهريا اشتراكي، بما يعني إمكانية الانتقال من النضال القومي الوحدوي، وهذا الأساس للطبقات الشعبية، إلى الاشتراكية. وهذا هو الهم الأساس بل هذه قراءة عملية للواقع.