مرحلة تفكك الامبريالية

جورج حداد*

اذا عدنا الى قواعد الاقتصاد السياسي الكلاسيكي (ماقبل الماركسي، والماركسي، ومابعد الماركسي) نجد ان الرأسمالية، ولا سيما بعد انتقالها الى مرحلتها العليا: الامبريالية، تسير بخطى ثابتة، وبدقة حسابية، نحو التمركز والمركزة الرأسمالية الشديدة: اقتصاديا (الانتاج، التجارة الداخلية والخارجية، الخدمات، والمالية)، ومن ثم ثقافيا وحضاريا وسياسيا وعسكريا. بما يعنيه ذلك من نشوء دول او كتلة دول قطبية موحدة، ونشوء ما سمي “العولمة” و”الامركة” وما اشبه، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة السوفياتية.

والانطباع الاولي، الميكانيكي، الذي يمكن ان يخرج به المبتدؤون (او المعيدون) في علم الاقتصاد السياسي (ونقصد بالمعيدين: التلامذة والطلاب الراسبين، الذين يدخلون الصف المعين، ويكررونه (يعيدونه) مرارا وتكرارا، لسنوات قد تكون طويلة، وبعضهم لا يعودون يعرفون كيفية الخروج منه)؛ ـ ذلك الانطباع يقول: ان عملية التمركز والمركزة concentration and centralization الرأسمالية (اقتصاديا) تحدث بشكل متآلف ومتراص (monolite). اي في الانتاج والتجارة والخدمات والمالية معا، بشكل مشترك ومتناسب طرديا.

ولكن بما ان “شجرة الحياة الخضراء” هي اغنى من كل نظرية، بما فيها النظرية الماركسية ـ اللينينية، التي هي وينبغي ان تبقى “مرشدا في العمل”، والا فقدت جوهرها؛ فقد اعطتنا ـ اي الحياة ـ صورة اخرى لعملية تمركز ومركزة الرأسمال، وهي التمركز والمركزة القائمين على الانفصال (والانقطاع والتضارب) بين “القطاعات” الرأسمالية: الانتاج والتجارة والخدمات والمالية. وقد تقدمت الخدمات والمالية (ومعهما كالظل: قطاع الاقتصاد الرمادي، اي اقتصاد اللااقتصاد: المخدرات والتهريب واللصوصية والتزوير والقمار والدعارة والفساد والجريمة المنظمة)، ـ تقدمت على قطاع الانتاج والتجارة المرتبطة به. وفي داخل الانتاج ذاته تقدمت صناعة الاسلحة، التقليدية وغير التقليدية، على ما عداها.

ومن الصور المضحكة ـ المبكية على هذا الصعيد ان نرى تلميذا ماركسيا راسبا ومعيدا (خط الشيب رأسه) يصرخ ملتاعا: “ان اميركا لم تعد رأسمالية” لان الانتاج (اي انتاج السلع “الشرعية”) لم يعد يشكل سوى الجزء الاصغر من اقتصادها، وبالتالي فإن “الصراع الطبقي” بمعناه الكلاسيكي البسيط لم يعد هو المحرك المنظور للحياة السياسية والاجتماعية في اميركا (راجع: فؤاد النمري في “الحوار المتمدن”). (وطبعا هذا يعني ان اميركا لم تعد بحاجة الى الثورة الاشتراكية، وهذا ما يريح “ضمير” فؤاد النمري وامثاله من الستالينيين الساقطين تاريخيا). ولا يجد فؤاد النمري من “ماركسيته” الستالينية الا ان ينصب من نفسه مستشارا لرئيسه اوباما وينصحه بأن يعيد اميركا الى “الانتاج”، بدلا من الحلول المالية للازمة الاقتصادية الراهنة. ولكن نصائح النمري لاوباما هي post factum اي بعد الفعل او بعد فوات الاوان. ذلك ان اوباما، وفور استلامه مركز الرئاسة، كان قد عجل في التعبير عن ولائه لاسياده الحقيقيين بتقديم 700 مليار دولار الى ما يسمى “المتضررين” من الازمة المالية في اميركا، اي عمليا تقديم هذا المبلغ الضخم كمكافأة الى المتسببين بالازمة: النصابين والمحتالين والمزورين والمتلاعبين ولصوص البنوك والبورصات. وبالاضافة الى ذلك كان ـ اي اوباما ـ قد قام بارسال عشرات الوف الجنود الاميركيين الاضافيين من العراق الى افغانستان. ـ ولماذا افغانستان؟ ـ لقد جعلت الحكومة الاميركية من العراق، بعد احتلاله، مركزا لتدريب “الجيش الوطني الاميركي” على التحول من جيش نظامي تقليدي الى شراذم عصابات من القتلة التابعين لمافيا، والفاقدين تماما لاي صفات اخلاقية وانسانية بما فيها الاخلاقيات العسكرية التقيليدية، القائمة على شيء من الاحساس بالفروسية و”الشرف العسكري”. فكان يتم دفع الجنود والضباط الاميركيين الى قتل النساء والشيوخ والاطفال والمرضى والضعفاء والاسرى، والى ممارسة التعذيب الجسدي والنفسي وفضح الاعراض والتعرض للمقدسات واهانة الكرامات، من اجل قتل اي حس انساني وشرفي لدى اولئك الجنود والضباط. وبايعاز من القادة انفسهم كان يتم تصوير تلك الممارسات بالصور الفوتوغرافية وبالكليبات والافلام، من اجل عرضها على “الجنود الجدد” من اجل كسر الحواجز النفسية لديهم وكـ “مادة تدريبية” او “مادة تعليمية”. وبعد اجراء هذه التدريبات الاميركية المشينة على الشعب العراقي المظلوم، يتم ارسال فرق الموت والتعذيب الاميركية “الجديدة” الى افغانستان، لاجل الامساك جيدا بقطاع زراعة وقطاف وحصاد وتخزين الخشخاش، وصناعة وتخزين الافيون والهيرويين وتوزيعه في كافة ارجاء العالم، بما في ذلك اميركا بالذات.

وهنا علينا ان نشير ان اميركا تتجه بسرعة للتحول الى دولة ـ مافيا مخدرات. وبهذا الخصوص، وطبعا بعد استئذان العبقري الستاليني فؤاد النمري، نشير على القارئ ان يراجع كتاب: “حرب الافيون الثالثة” (نظرة غير تقليدية على الجيش الاميركي في افغانستان)، بقلم الكاتب المصري مصطفى حامد، الذي “يعيش!” متشردا في باكستان وافغانستان منذ ثلاثين سنة. والكتاب غير محدد تاريخ الاصدار ومكانه. ولكنه موجود على الانترنت. وفي دراسته عن زراعة وصناعة الافيون يعتمد الكتاب بشكل خاص على احصاءات الامم المتحدة.

كما يمكن مراجعة: “حرب الافيون العالمية الاولى في القرن 21: محاولة السيطرة على العالم عبر السيطرة على سوق المخدرات”، جورج حداد، الحوار المتمدن – العدد: 1261 – 2005 / 7 / 20.

وهذا ما “يلخبط” كل المفاهيم المسطحة عن التطور الكلاسيكي للرأسمالية والامبريالية.

ولو عدنا الى اصوليات الماركسية ـ اللينينية، نذكر ان هناك فكرة للينين تقول ان الامبريالية (المرحلة الاعلى للرأسمالية) لا يمكنها تغيير واعادة تشكيل الجذر الذي انطلقت منه، اي الرأسمالية (واترك للماركسيين الحرفيين (الستالينيين واشباههم) التفضل بايجاد الصفحة والمجلد من مؤلفات لينين التي ترد فيها هذه الفكرة، او نفي وجودها والتمتع بتقريعي وشتمي كما اعتادوا ان يفعلوا بنبلهم المعهود) ولكنني انا اصر على هذه الفكرة وأصر اكثر ان قائلها هو لينين، وان كنت لا اذكر اين. واذا طبقنا هذه الفكرة على قطاع انتاج وتجارة الاسلحة، فهذا يعني ان قانون العرض والطلب والمزاحمة الحرة، الرأسمالي، يتولد عنه قانون التمركز والمركزة، الامبريالي. اي ان صناعة الاسلحة تبدأ بصناعة البندقية البسيطة “ام طلقة”، التي يمكن ان يصنعها اي “خردقجي” في اي قرية لبنانية (وغير لبنانية)، وتنتهي بصناعة الصواريخ عابرة القارات والقنابل النووية، التي لا يمكن ان تصنعها سوى الدول الكبرى، الغنية والقوية. ولكن فكرة لينين تعني ان قانون التمركز والمركزة الامبريالي (الآيل الى انتاج الاسلحة “الجبارة” غير التقليدية) لا يلغي قانون العرض والطلب والمزاحمة الحرة الرأسمالي (الآيل الى انتاج الاسلحة التقليدية من ابسطها الى ارقاها). وقد بلغ قانون التمركز والمركزة اوجه في ظهور القطبية الواحدة الاميركية، ولكن هذه القطبية بدأت الان تنحدر وتنهار، بحكم منطق التاريخ (لان التاريخ الانساني هو تاريخ رقي حضاري، والبشرية لن تقبل ان تتحول الى قطعان مدمني مخدرات على يد اميركا او غير اميركا). وبحكم منطق القوانين الرأسمالية ذاتها، ومنها قانون العرض والطلب الذي يضع حواجز “تجارية” امام الصواريخ عابرة القارات والقنابل النووية التي لا سوق لها الا على نطاق ضيق جدا، وباسعار لا تقوى عليها الا الدول والكتل المالية الكبرى، وبشروط قاسية جدا، بينما تنفتح الافاق امام الاسلحة التقليدية. واذا كان العالم قد مر بمرحلة تفوق قانون التمركز والمركزة والاحتكار على قانون العرض والطلب بمعناه الواسع، وبالتالي ظهور الامبريالية على قاعدة الرأسمالية؛ فإنالعالم يمر الان بمرحلة تقدم قانون العرض والطلب “البسيط” على قانون التمركز والمركزة والاحتكار، وبالتالي “تفوق” الرأسمالية الكلاسيكية على الامبريالية. وهذا يعني ان الامبريالية دارت 360 درجة وعادت الى نقطة البدء. واذا كانت الازمة الاقتصادية في 1913 قد ادت الى او حفزت الحرب العالمية الاولى، وازمة 1929 ـ 1933 ادت الى وحفزت اندلاع الحرب العالمية الثانية، فإن ازمة 2008 المستمرة الى الان تقود الى افاق اخرى في السياسة الدولية هي تعميم النزاعات الدولية:القومية والدينية والاتنية والمذهبية والعشائرية والمافياوية، من اجل بيع الاسلحة التقليدية.

ونكتشف ذلك في تقرير “معهد ستوكولم الدولي للدراسات للسلام”Stockholm International Peace Research Institute “(SIPRI).

وقد نشرت جريدة “دوما” (الناطقة بلسان “الحزب الاشتراكي البلغاري” ـ الشيوعي سابقا)، في 13 ايلول الجاري، عرضا ملخصا لتقرير SIPRI عن التسلح وتجارة الاسلحة في السنوات القليلة الماضية، بعنوان “الازمة ـ مقدمة نحو النزاعات الاقليمية؟”، بقلم الباحث بيتر غيراسيموف. وفيما يلي ملخصا لهذا العرض:

يتضمن التقرير العام تقارير وتعليقات خبراء معهد SIPRI، الذين عبروا عن قلقهم حيال تصاعد التسلح على نطاق عالمي وتنامي عدم الاستقرار في عدة مناطق من العالم.

وبالرغم من الازمة المالية والاقتصادية العالمية، فإن المعطيات التي تقدمها SIPRI تدل على وجود اتجاهات دائمة لتزايد تجارة مختلف انواع الاسلحة التقليدية. وبين الدول ـ الشارية تبرز بالاخص البلدان الاغنى بالموارد الطبيعية والبشرية. ومن اكبر الزبائن في سوق الاسلحة تظهر الصين والهند، تتبعهما دول اخرى في جنوبي شرق اسيا، اميركا اللاتينية، الشرق الادنى وافريقيا.

والمعطيات التي يقدمها معهد SIPRI هي في بعض جوانبها مذهلة ـ خصوصا على خلفية الازمة الدولية: وكأمثلة على ذلك انه في فترة 2000 ـ 2004، وفترة 2005 ـ 2009، فإن استيراد الاسلحة في اندونيسيا، سنغافورة وماليزيا قد تضاعف بالتتالي: 84%، 146%، و(صدق او لا تصدق!) 722%، لصالح المجمع الصناعي ـ العسكري الماليزي.

ومن المفارقات المثيرة التي يتضمنها تقرير SIPRI ، ارقام الاستيراد العسكري لليونان. فبالرغم من العجز الكبير للدولة، الذي ظهر الى العلن مؤخرا ودفع العالم للتعليق بأن “الدولة اليونانية هي على وشك الافلاس”، فإن اثينا الرسمية تبقى من ضمن الخمس الدول الاكبر المستوردة للاسلحة التقليدية في فترة 2005 ـ 2009.

وخلال هذه الفترة اشترت اليونان 26 طائرة اميركية من طراز”F-16 С” ، و25 طائرة مطاردة ـ قاذفة فرنسية من طراز “ميراج ـ 2000 ـ 9”. وهو ما يشكل 38% من اجمالي الاستيراد العسكري اليوناني في تلك الفترة.

وعلى غرار سنغافورة، فإن الجزائر ايضا ـ حسب معطيات معهد SIPRI ـ قد دخلت في عداد العشر الدول ذات الاستيراد الاكبر للسلاح كمحصلة للمشتريات الكبيرة من الاسلحة في فترة 2005 ـ 2009.

ويدق معهد SIPRI ناقوس الخطر بالنسبة لاقليم آخر في جنوبي شرق اسيا وهو: فيتنام. فبحسب ما اورده سيمون فيزيمان، الخبير في معهد SIPRI ، فإن الفيتنام (المعروفة حتى الان بسياستها الداعمة للسلام) قد انضمت الى لائحة مشتري الطائرات الحربية ذات المدى البعيد والغواصات. وحسب رأي فيزيمان فإن ذلك يضاعف اكثر زيادة التسلح الراهنة في جنوبي شرق اسيا ويمكن ان يزعزع الاستقرار في الاقليم، ويحول الى هباء عشرات السنين من التطور السلمي…

وخلال فترة 2005 ـ 2009، فإن المناطق التي استوردت اكثر ما يكون من الاسلحة تبقى اسيا واوقيانوسيا (41%)، تتبعهما اوروبا (24%)، الشرق الادنى (17%)، وافريقيا (7%). وخلال الخمس السنوات الماضية فإن استيراد الاسلحة في اميركا اللاتينية قد ازداد 150% بالمقارنة مع مطلع الالفية الثالثة: وقد عبرت عن ذلك القفزة الكبيرة في النفقات العسكرية، وكذلك في الارتفاع الكبير للطلبيات العسكرية. (واسمح لنفسي ان ادخل ملاحظة هنا وهي: ان تدني النسبة المئوية لافريقيا (7%) والشرق الادنى (17%) عن اوروبا (24%) لا يعني اوتوماتيكيا ان النزاعات الاقليمية ستكون في اوروبا اكبر منها في افريقيا. بالعكس. ان الفوراق في نسبة التسلح تعكس نوعية التسلح وليس نوعية النزاعات. فإن ثمن طائرة حربية تشتريها اليونان استعدادا للحرب مع تركيا، يكفي لشراء كمية من البنادق والرشاشات والار بي جيهات تشعل حربا ضروسا يذهب صحيتها ملايين في افريقيا ـ ج.ح.).

وكل ذلك يحدث على خلفية المعطيات التشاؤمية حول تفاقم الازمة المالية والاقتصادية العالمية، التي لم تفوت عمليا اي دولة، باستثناء الصين.

ان تاريخ الثلاثينات من القرن الماضي، المرتبط بالكساد الكبير، يدل على ان الازمة الاكبر، التي بدأت حينذاك في الولايات المتحدة الاميركية وانتقلت بسرعة الى اوروبا وباقي انحاء العالم، انتهت عمليا في نهاية الثلاثينات باندلاع الحرب العالمية الثانية ـ التراجيديا التي انتزعت حياة 50 مليون شخص وتسببت بخسائر مادية كبيرة ومعاناة انسانية تفوق التصور.

ولهذا فإن معطيات معهد SIPRI ينبغي النظر فيها بمنتهى الجدية والاهتمام، لان التكديس المفرط للاسلحة لم يؤد ابدا الى نهايات جيدة…

وعلى خلفية ما يلاحظ من تصاعد التسلح في مختلف مناطق العالم، تلفت النظر المجهودات التي تقوم بها الولايات المتحدة الاميركية وروسيا في اتجاه تخفيض التوتر على النطاق العالمي، وهو ما انعكس في مطلع نيسان في توقيع ما يسمى “اتفاق براغ” للحد من الترسانة النووية لكل من القوتين الكبيرتين. وعمليا فإن الاتفاق الاميركي ـ الروسي الجديد يحل محل اتفاق I START لسنة 1991، الذي انتهت مدته في كانون الاول السنة الماضية. ويتناول الاتفاق الجديد التخفيض اللاحق للصواريخ الستراتيجية عابرة القارات، وصواريخ الغواصات، والقنابل التي تحملها ما يسمى الصواريخ المجنحة وغيرها. ووضع توقيعي باراك اوباما ودميتريي ميدفيدييف على وثيقة مشابهة يدل على رغبة واشنطن وموسكو في وقف “لعبة البوكر السياسية” في اخطر قطاع للتسلح ـ اي قطاع الترسانة النووية.

وبالطبع ان هذا الاتفاق يتناول بالدرجة الاولى الشحنات النووية القتالية، المسماة الاسلحة غير التقليدية. اما فيما يتعلق بالاسلحة الاخرى، التقليدية، اي البنادق، البنادق الاوتوماتيكية، الرشاشات، المدافع، السيارات المصفحة، الدبابات، الطائرات وغيرها، فإن الولايات المتحدة الاميركية وروسيا الفيدرالية تبقيان ضمن الثلاث الدول الاولى ـ المصدرة للاسلحة.

وقد شهد سوق الاسلحة نموا مقداره 22% في الفترة 2004 ـ 2009. واحتفظت الولايات المتحدة الاميركية بمركزها كمصدر رقم 1 للاسلحة (حوالى 30% من اجمالي الكمية). تتبعها روسيا (23%) ثم فرنسا (8%). (وهنا ايضا نقدم الملاحظة التالية: ان حجم النسبة المئوية لاسعار الاسلحة المصدرة لا يعكس حجم العلاقات الدولة لكل دولة في “سوق الاسلحة”، بل يعكس اولا نوعية الاسلحة المصدرة، لانه كلما “ارتقت” نوعية الاسلحة المصدرة كلما كان سعرها اعلى ـ ج.ح.).

ويلاحظ التقرير ذاته ان “واشنطن قد وقعت خلال سنة 2008 اتفاقات لتوريد الاسلحة الى بلدان اخرى بقيمة 37،8 مليار دولار، وهو ما يشكل 68،4% من حجم السوق العالمي للاسلحة”.

وفي سنة 2007 بلغ الحجم العام لمبيعات الاسلحة الروسية 10،8 مليارات دولار؛ ولكن في سنة 2008 انخفض حجم المبيعات الروسية الى 3،5 مليارات دولار. ولهذا تراجعت روسيا الى المركز المركز الثالث وحلت مكانها ايطاليا في المركز الثاني، اذ صدرت بما قيمته 3،7 مليارات دولار، حسبما اعلنت الـ بي بي سي. ولكن في المعلومات المنشورة من قبل مصادر روسية، تلاحظ فروقات كبيرة بالمقارنة مع الارقام المذكورة آنفا. فبحسب وكالة “روسأوبورونإكسبورت” الروسية، المتخصصة بتصدير الاسلحة، فإن تصدير الاسلحة التقليدية من روسيا بلغت قيمته 6،7 مليارات دولار سنة 2008. وفي الوقت نفسه تشير بعض المصادر الروسية انه خلال سنة 2009 الماضية فإن تصدير الاسلحة الروسية بلغ ما يقارب 8 مليارات دولار.

من الواضح ان السباق في سوق الاسلحة التقليدية يستمر بكل قوته، دون ان يتأثر ابدا بوقوع الازمة الاقتصادية. واكثر من ذلك ـ اذ يخرج الى هذا السوق لاعبون جدد، كانوا معروفين حتى الامس القريب انهم من اكبر مستوردي الاسلحة. ومن هؤلاء الصين. فمنذ فترة وجيزة علم ان بكين الرسمية باعت الى باكستان 300 طائرة حربية. وكم من صفقات الاسلحة الاخرى تختفي خلف ستار عدم الشفافية في سوق الاسلحة الاسيوي؟

ان الازمة الاقتصادية العالمية وتنامي العرض والطلب في سوق الاسلحة خلال السنوات الخمس الماضية هما ظاهرتان بارزتان في اللوحة الجيوبوليتيكية المعاصرة، مما يستدعي التفكير بجدية. ومن الواضح ان القسم الاكبر من هذه الاسلحة (حوالى 80%) تذهب الى البلدان التي تنتمي الى ما يوصف بالعالم الثالث. والبعض من هذه البلدان، الذي يمتلك موارد طبيعية كبيرة، يشارك في تنامي اعادة التسلح مع رغبة مكشوفة في توطيد امنه القومي. وهنا نشير الى الدول الغنية بالموارد في الشرق الادنى واميركا اللاتينية. وفيما عداها فإن دولا اخرى في “العالم الثالث”، تتميز عادة بأنظمتها السياسية غير المستقرة او بأنظمة توتاليتارية، لا تزال تنطبق عليها حكمة المارشال فون كلاوزفيتس التي تعود الى اكثر من مائتي سنة ـ والتي تقول “ان الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل اخرى”. وفي هذه الدول فإن “قعقعة السلاح” هي جزء من السياسة المتبعة.

ومن جهة ثانية فإن الدول الكبيرة ـ المنتجة للاسلحة ـ تتجاوب اوتوماتيكيا مع تنامي الطلب في سوق الاسلحة، وهنا، كما في الحقول الاخرى للحياة، فإن البيزنس يبقى هو البيزنيس. وبالاضافة الى ذلك فإن المداخيل من تجارة الاسلحة تمثل “علاجا” ماليا جيدا في فترة الازمة. وهنا نصل الى احدى المفارقات الجيوبوليتيكية. فارتفاع او انخفاض توريد الاسلحة التقليدية يرتبط طردا مع ارتفاع او انخفاض النزاعات الاقليمية. وهنا ايضا ـ وبموجب قوانين المنطق ـ فإن المسؤولية عن السيطرة واخماد الحرائق الحربية المحلية تقع على عاتق (او على الاقل يجري التعبير عن طموح مشابه) الدول الكبرى، التي هي في الوقت ذاته اكبر موردي الاسلحة. وبهذه الطريقة من الصعوبة القول ما هو الميزان الحقيقي بين الايجابيات والسلبيات في الحقل العسكري. ان ضرورات تجارة الاسلحة ومسؤولية المحافظة على السلام العالمي تدور في حلقة مغلقة.

هل يمكن ايجاد مخرج من هذه الحلقة؟

هذا ما سيكشفه المستقبل فقط.

:::::

كاتب لبناني مستقل