قراءة في كتاب الدكتور نايف سلوم: “علم الدياليكتيك والمذهب الوضعي”

مراجعة عمار ديوب

الديالكتيك كموضوع معرفة، عُومل بطريقتين: إمّا كُرِّسَ كنصوص جامدة مُعبَّر عنها بقوانين ومفاهيم، وقد انتشرت هذه المعرفة عبر الكتب السوفيتية السابقة. وإمَّا عُبّر عنه بطريقة نقدية تميّز الديالكتيك على أرضية الواقع العربي، وتتمظهر عبر دراسات وبحوثٍ للديالكتيك نفسه. وهناك شكل آخر هو دراسته عبر نصوص كتَّابه الأصليين والإضافات عليه والمتعلقة أصلاً بهيغل وماركس ولينين وماو وآخرين، ولن أتكلم هنا عن ما قبل هيغل.

الدكتور «نايف سلوم»، باحث متخصص في الفكر الماركسي، قدّم قراءة نقديّة لكتاب المفكر المرحوم «إلياس مرقص» « المذهب الجدلي والمذهب الوضعي» مركِّزاً على مجموعة مفاهيم ومعمِّقاً المنهجية الماركسية، ونصَّه مملوء بالحوار النقدي بما يغني الموضوع، ويرى أنَّ «مرقص» ابتعد في كتابه هذا عن المنهجية الماركسية لصالح وعظٍ ديني أخلاقي. ويقع «مرقص» في الخطأ لسببين كما يقول «سلوم»، وهي أسباب عامة لكلِّ ضلال معرفي: 1- أهواء المصلحة الخاصة (ضعف روافع العمل الاشتراكي) 2- القصور المعرفي أي الجهل بالموضوع.

ينطلق «سلّوم» في كتابه من فكرة انفصال المثقَّفين عن البنية الاجتماعية، وذلك بسبب « التذرر الاجتماعي الذي تولده دينامية إعادة إنتاج التخلف والتخلع بفعل الدينامية الإمبريالية وما يلحق بها من أوضاع داخلية معاضدة… في البنية المتخلِّفة»، وقد وقع «إلياس مرقص» في ذلك، وغلبَ على تفكيره في الكتاب المنقود «نزعة ثقافوية وعظية وطهرانية»، ويشبّه كاتبنا علاقة المثقف العضوي بعصره، بعلاقة الروح، وهي أمر العصر في النفس بالعقل، ويعرِّف الإنسان كعلاقة اجتماعية اقتصادية، فالإنسان لم يعد فرداً ولا نوعاً، ولأنَّه كذلك عليه-المثقف- العمل على قضيتين: إعادة قراءة التراث نقدياً ودمج ما هو نابض بالفكر الجديد، وفهم معنى العصر الرأسمالي ودور الإمبريالية فيه، وأنه عصر محكوم بالتناقض الأساسي بين قوى الإنتاج المتطورة باستمرار وبين علاقات الإنتاج الرأسمالية القائمة على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

«سلّوم» يأخذ على «مرقص» عدم بسط المفاهيم والخروج عن الواقع نحو الفكر، فيصير الجدل جدل الأفكار، وليس الواقع معكوساً فيه وهو بذلك يُضحِّي بنظرية الانعكاس وبالموضوع، ويقول «مرقص» باستباق الفكر للواقع، وبذلك يرفض الحقائق المتأتية من العلم الطبيعي والاجتماعي في حربه ضد الوضعية والاقتصادية في الفكر العربي.

ثم يركز «سلوم» في الرد على «مرقص» لتمييزه بين التقدم التقني والتنظيم الاجتماعي، وردَّ ذلك إلى البرجوازية وضرورة دراستها وفق عصر التنوير ومنظومة الليبرالية، متكلماً – سلوم- عن تصدع الكليّة العقلانية البرجوازية حيث حدث الفراق بين تقدم التنظيم التقني وبين التنظيم الاجتماعي، وانفصال الديمقراطية عن الليبرالية السياسية، ويسند رأيه بذلك بثورات أوروبا عام 1848 حيث بدت البرجوازية ضد مشروع الحداثة مع بروز الظاهرة الإمبريالية، وبالتالي هناك انحطاط للطبقة البرجوازية كطبقة عالمية، والتصدُّع المشار إليه لا يجعل من التقدم التقني سوى قوّة هدَّامة وسافرة وطاغية تمارس الإمبريالية بها حروباً وتمزيقاً للوضع الإنساني برمَّتهِ.
يشرح «سلوم» علاقة الديالكتيك بالمناهج الأخرى، فيرى أنَّه لا حاجة لمنهج معه، وإنما نحن بحاجة لمناهج بؤرية جزئية وبحاجة لعلوم تفصيلية جزئية، والديالكتيك يُقدِّم مفتاحاً لفهم الحاضر والماضي وليس مقولات تصلح لكلِّ زمان ومكان. فالكونية والكليّة مثلاً ليست في الفكر بل هي العالم المترابط، وهي متفاوتة بسبب تفاوت البنية الرأسمالية العالمية بين الأطراف.

وعن الردة الدينية الحالية، يؤكد «سلوم» أنها مؤشِّر على أزمة الإمبريالية الرأسمالية، التي لم تعد قادرة على إنتاج قوى ديمقراطية لصالح التقدم الإنساني، بل العكس تماماً، فالمذهب الوضعي، يقود إلى الليبرالية الجديدة المتوحشة في حين الديالكتيك يقود إلى الديمقراطية وإلى إعادة توجيه الاقتصادات الوطنية توجهها شعبياً.

وبرأي «سلوم»، في العلم لا مكان لعبارات: يمكن، على الأرجح، ربما، لأنَّها تنسف مقولة الجدارة والبحث العلمي والمسؤولية في القول العلمي.

وفي مكان آخر يشير «سلوم» إلى أن «مرقص» يستبدل ماركس الشاب بماركس (رأس المال) حيث هناك صلة بين ماركس الشاب وفيورباخ والحديث عن الاغتراب والانخلاع والنوع الإنساني بدلاً من علاقات الإنتاج والمصلحة الخاصة وشروط العلاقات المجتمعية.

وينهي الفصل المخصص لنقد «مرقص» بتوجيه الأنظار نحو إعادة التفكير بالإمبريالية قائلاً: السلوك الإمبريالي والغزو والعدوان وعرقلة النمو والتقدم في كلِّ العالم وضعف برجوازياتنا العربية هو ما يدفع شعوب بأكملها للعودة القطيعية إلى تراثها القومي والديني كملاذٍ أخير يحميها من الانهيار الوجودي والأخلاقي.

هناك نصان ملحقان يناقشان موضوع الحدود العلمية والإيديولوجية والنظرية، وفيها أفكار جديدة، والنص الآخر بعنوان غريب، هو «فيزيولوجيا النمل في القرآن»، وفيه يتعرض لموضوع النمل قرآنياً وأسطورياً ومسخ الكائنات، والسياسة ليس هدفها إحباط السعي لتحصيل الرزق، هذا هو درس النملة في القرآن الكريم. إضافة إلى دراسة علاقة اكتمال العلم بالتبشير والدعوة السياسية.

الكتاب هام ولا يمكن كغيره من الكتب أن يستوفى، بهذه العجالة، ولكن مقالتي تريد أن تقرأ الكتب بمنابعها ومصادرها.

:::::

المصدر: موقع “شرفات”

http://www.shorufat.com/read.php?sid=2209&id=4