نسويات فلسطين يصححن التوراة

· ولا ينتصرن للمغتصبات في العراق

· الخيانة الرسمية مفهومة…أما المثقفون!

بادية ربيع

لا غرابة أن الولايات المنحدة منذ ما أُسمي الثورة الأميركية كانت تُعد نفسها لحكم العالم، ناهيك أنها تمارس ذلك اليوم وحتى تُعلنه. ولذا ليس غريباً على هذا الأساس تحديداً أنها تصر على التفوق التسليحي لتوظيفه الدائم للعدوان من أجل السيطرة واالنهب في التحليل الأخير.

ما هو الاستنتاج الأساس من وراء كل هذا؟ يكمن هذا في الجدل المثير والدائم بله الاشتباك بين من يحاولون استبدال أولوية وحسم المصالح المادية بمستويات أخرى، هي موجودة ولكنها ليست مقرِّرة. هي تتخذ في حالات استقلالا نسبيا عن العامل الأساس فيجري نفخا لدواع إيديولوجية لتمويه العامل المادي وإخفائه، ولكنها محفوزة بالعامل المادي لمن ينفخ هذه العوامل المساعدة.

قد تبدو هذه الفقرة مربكة ومرتبكة معا، لكنها محاولة لتكثيف الاشتباك الطبقي على صعيد عالمي والذي يتخذ شكلاً إيديولوجيا اي زائفاً وتزييفياً معاً. لذا يكتب مشوهو التاريح أن حرب الفرنجة دينية، وأن “إسرائيل” وليدة التوراة، وأن دور الولايات المتحدة في تدمير العراق من أجل توزيع نِعَم الدمقرطة.

أما ما يثير دهشة وحُنقٌا أكبر فهو تمثُّل المثقفين والساسة المتخارجين لإملاءات ومزاعم ونفاق وأكاذيب القاتل. فلنر ماذا فعل القاتل في حالة محددة بل في جزء من حالة محددة ـ العراق.

” في دراسة حديثة لمنظمة الاوكسفام وجد ان 30 بالمئة من النساء لم يستلمن المساعدات الانسانية منذ سنة 2003 و 76 من الارامل لم يحصلن على المعاش اضافة الى 52 بالمئة منهن عاطلات عن العمل و 55 من المهجرات من مناطقهن الاصلية منذ 2003 و 55 كن عرضة للعنف – 25.4 منهن كن عرضة للعنف العشوائي في الشوارع, 22 منهن كن عرضة للعنف المنزلي, 14 منهن كن عرضة للعنف الذي تمارسه الميليشيات, و 10 منهم كان عرضة الاعتداء او الاختطاف, 9 منهن كن عرضة للاعتداءات الجنسية و8 منهن كن عرضة للعنف من قبل القوات المتعددة الجنسيات4.”

هذه لوحة دامية باكتمال موثق ومن مؤسسة ليست راديكالية ولا شرقية واشتراكية. مؤسسة من صلب توليدات هيمنة الراسمالية بإهابها اللبرالي. وهذا يثير السؤال: اين العرب من هذه الفاجعة؟

يمكننا، شئنا أم ابينا، فهم لماذا تختفي السياسة الرسمية العربية عن المشهد العراقي، ولماذا وقفت أنظمة الحكم العربية وراء هذه المذبحة الراسمالية البيضاء في العراق، ويمكننا حتى فهم كيف يجرؤ النظام العميل في العراق على دعوة الأنظمة العربية لعقد قمة في بغداد تحت حرب الاحتلال والعملاء!. لكن لا يمكن فهم هذا الغياب الرهيب لفضح وحتى التصدي لهذه المذبحة من قبل قوى وقطاعات ومؤسسات عربية يُفترض أنها ضمن تلك الإقطاعية الوهمية المسماة “منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان”.

هل فكرت النسويات العربيات في الدعوة لمؤتمر دولي لوضع المرأة في العراق؟ هل فكرت في إحراج النسويات الأميريكية وخاصة الراديكاليات بأن ينزلن إلى الشوارع اعتراضا على جرائم نظام بلادهن؟ أم هن جوهريا مع هذه المذبحة؟ لو قام فلسطيني باغتصاب سيدة يهودية في القدس، كم مظاهرة كانت ستخرج ضد العرب والإسلام في الغرب باكمله؟ كم مظاهرة كانت ستتهمنا ب “اللاسامية الجنسية”؟ بل كم مؤسسة نسوية فلسطينية كانت ستصرخ لإنقاذ شرف السيدة اليهودية؟

قبل عامين، كتب القنصل الأميركي في القدس المحتلة (الشرقية حسب التقسيم الصهيوني) مقالة على الصفحة الأولى لصحيفة القدس المقدسية تبجح فيها أن الولايات المتحدة طورت أوضاع وحمت المرأة في العراق وأفغانستان. لم تنبس ببنت شفة اية سيدة فلسطينية من الراديكاليات وحتى من يتخيلن أنه اشتراكيات/او ماركسيات نهاية السوق أو لبراليات أو حتى مثليات. لم تُكتب كلمة واحدة لتقول إن الولايات المتحدة قد بعثت بجيش من المغتصبين والمرضى نفسياً إلى العراق، وإنها هي نفسها التي دمرت النظام الاشتراكي الوليد في أفغانستان. بينما نقرأ الكثير من أطروحاتهن واوراقهن في مؤتمرات التطبيع ولا سيما في النرويج (وكر تطبيعنا) ومقالاتهن عن :البرلمان النسوي، الكوتا، التمكين وحتى التآخي مع النسويات الصهيونيات انتصارا على الذكر العربي… الخ لا بل وصلت مؤسسة لإحداهن (وزيرة سابقة في أوسلو-ستان كما يسميها الزميل عادل سمارة) إلى ترجمة ونشر مقالة لكاتبة صهيونية تزعم أن التوراة لم تتحدث عن “الغوييم” ولم تحتقرهم وتنصح “إسرائيل” بأن تنتبه لهذه الدعاية المغرضة تجاهها. أي تقوم بإعادة كتابة التوراة! تُرى هل من الكفر إعادة كتابة التوراة؟

ينشغل الكثير من المثقفين العرب في متابعة ما يكتب غربيون عن الحداثة وما بعدها، وما ورائها…الخ لكنهم لم يشكلوا حتى اليوم جبهة ثقافية لنصرة المرأة في العراق، ولا نريد القول العراق كوطن لأنهم يخشون غضب الأنظمة؟

لماذا لا تُثار هذه القضايا في مختلف منظمات حقوق الإنسان في العالم، ولماذا لا تُحرج بحيث تضطر على الأقل لشجب متواصل لكل هذا؟

ولكن، ما قيمة هذا التحريض إن حصل؟

نزعم أن لهذا التحريض قيمة لها عدة تجليات:

· خدمة الإنسانية في التأكيد المتواصل بالاشتباك المتواصل مع راس المال بما هو حقبة تبرير ذبح الأمم سعيا وراء الربح اللامحدود.

· المساهمة في إحراج أدوات راس المال بين الأمم الخاضعة لجرائمة.

· كشف أن ما وراء سيطرة راس المال هو العامل المادي وأن وراء انتظام عملائه ورائه هو ايضا العامل المصلحي المادي وحتى الاقتصادي.

· الوصول إلى الحقيقة المرة أن المنادين (رجالا ونساء) بحقوق المرأة والمساواة يتعيشون من هذا الشعار ويوظفونه.

· ان النسويات الغربية اللائي يأتين ويُدعون إلى الوطن العربي هن جزء من مشروع الهيمنة وتكريس العبودية في الوطن العربي عبر تنظيراتهن للمرأة العربية أن تبتعد عن المقاومة والنضال الوطني وأن ينشغلن في تمكين المرأة بما هي مسألة مطلبية تبدأ من الإقرار بالنظام الراسمالي الذكوري وصولا إلى تحسين شروط حياة المرأة.

وهو تحسين فردي لا جماعي فكيف له وانَّى له أن يصل إلى ما هو خارج الحدود القُطرية لنصرة نساء العراق!