ويل للعرب إذا هُزمت طهران

د. ثائر دوري

هزيمة طهران أمام واشنطن، إن حدثت، لن تكون بدخول جنود أمريكان إلى شوارع طهران، كما يحلل البعض، مقارناً بما حدث في بغداد. و لن تكون باستبدال النظام، كما يتوهم البعض متوغلاً في منهج القياس على الحالة العراقية.

في هذه السطور نجادل أن للهزيمة في طهران مشعرات أخرى غير التي كانت في بغداد، فعلى الأغلب لن نشاهد جنوداً في شوارع طهران، و ربما لن تغير طهران شيئاً من شعاراتها الدينية، و سيبقى أشهر وجوه النظام في الواجهة، لكن مسار السياسة الإيرانية سيتبدل، فالهزيمة ستؤدي إلى انكفائه داخلاً، فيبرز شعار “ايران أولاً”، و هوشعار يستجيب لشروط الغرب بوجوب انفكاك طهران عن القضية الفلسطينية. كما سيتصاعد في طهران أمران : نبرة مذهبية أقلوية شيعية متعصبة ضيقة ضد الأكثرية السنية المحيطة، و هي في أغلبيتها عربية، ممتزجة بخطاب قومي فارسي متعصب هو الآخر ضد العرب أيضاً، وكلا النزعتين المتعصبتين لن تعدمان مادة للتحشيد سواء من الماضي البعيد، أم من تراث الحرب العراقية الايرانية، و أيضاً من مواقف بعض الزعماء العرب الحاليين و تحالفهم مع واشنطن ضد طهران. و في هذه الحالة سيكون العرب ضحية هذين الضيقين و التعصببين : القومي و المذهبي. و سيعمل الغرب على اشعال فتنة مذهبية قومية في أهم حلقة من حلقات الحضارة العربية – الاسلامية.

هزم الغرب محمد علي عام 1840م فانتكس مشروعه من الفكرة العثمانية الجامعة إلى الفكرة المصرية الضيقة، و تحول من محاولة النهوض المستقل إلى التقاسم الوظيفي مع بريطانيا من موقع التابع، كما رأينا في احتلال بريطانيا للسودان و ادارته تحت اسم حكم مشترك مصري – بريطاني، و هُزم مشروع عبد الناصر العروبي عام 1967 فأنتشت الحالة الساداتية بشعارها المعروف ” مصر أولاً “، فتحولت مصر من قاعدة و حصن للعروبة إلى وكيل لتسويق السياسات الأمريكية. و لن تشذ طهران عن هذه القاعدة – إن هُزمت – فالبيارق الساداتية جاهزة هناك، و قد رأيناها ترتفع في الانتخابات الأخيرة بشعار ” طهران أولاً”.

يقوم مشروع المركزية الغربية على تسعير الخلافات و تشجيع الاحتراب داخل الدائرة الاسلامية، التي يُشكل العرب نواتها. و يُرتب الغربيون الأخطار التي يمكن أن تأتيهم من داخل هذه الدائرة حسب أهميتها، فبما أن العرب هم مركز الدائرة الحضارية الاسلامية، و هم أكبر أمة اسلامية، و يسكنون قلب العالم القديم، و تشكل لغتهم العربية اللغة الأساسية لهذه الحضارة، و هم قلب العالم الطاقي، لذلك تركز الجهد الغربي عليهم، فهم أعداء من الدرجة الأولى، وبعدها يأتي بقية المسلمين من غير العرب. و من زاوية براغماتية بحتة يمكن للغرب محاباة أطراف العالم العربي على حساب العرب، دون أن يعني هذا اسقاط الدائرة المحيطة بالوطن العربي من فرس و ترك و أكراد من دائرة الأعداء المحتملين، لكنهم أعداء من الدرجة الثانية. أعداء أقل خطورة على الغرب من العرب الذين يعني نهوضهم قيام حضارة جديدة و نظام عالمي جديد يعيد للأمم أحجامها الطبيعية.

ترتب على الحرب العالمية الأولى تقسيم ما تبقى سليماً من الدولة العثمانية، الوريثة التاريخية للحضارة العربية – الإسلامية، فكانت النتيجة دولة قومية تركية تابعة للغرب، و دولة فارسية، تابعة أيضاً، أُنشأت بترتيبات أخرى. أما العرب فلم يسمح لهم الغرب بثلث دولة قومية موحدة، كما وعدوا الشريف حسين، بل قسموهم بواسطة اتفاقية سايكس- بيكو منكرين حقيقة شيء اسمه العرب، فاستقرت المنطقة المسماة الشرق الأدنى، أو غرب آسيا على تقسيمات غير متجانسة : قومية، قطرية. و أي متأمل سيجد أن هذا هو جوهر ما اتبعه الأمريكان في العراق، إذ قسموا العراق إلى قومية كردية، و قسموا العرب إلى سنة و شيعة لمحو الوجود العربي، فجاء التقسيم : قومياً، طائفياً !

بعد الحرب العالمية الثانية اتبع الغرب سياسة شد الأطراف، و الضرب على قلب الوطن العربي، فأنشأوا الكيان الصهيوني في القلب تماماً، و منعوا بالقوة العسكرية أية محاولة نهوض حول القلب. و في الأطراف قاموا باحتواء أمم الجوار العربي سواء كانت مسلمة أم غير مسلمة، و قدموا لها هدايا على حساب جغرافية العرب، كما في المثال الإيراني، و التركي، و الاثيوبي في سبيل أن تبقى معادية للعرب و جاهزة للإنقضاض عليهم، و لعزل العرب عن عمقهم الحضاري، الاسلامي في الحالتين التركية، و الفارسية، و الأفريقي في الحالة الأثيوبية. فبدل أن يكون هذا العمق مصدر اسناد سياسي و حضاري للعرب تحول إلى مصدر انهاك سياسي لهم، و افقار لتكوينهم الحضاري.

تلقت هذه الإستراتيجية – شد الأطراف – ضربة قوية عقب انتصار الثورة الاسلامية في ايران، و هي اليوم تتلقى ضربة ثانية بالصعود التركي الراهن، و قد تكون هذه الضربة هي القاضية للاستراتيجية الغربية إذا أحسن العرب استثمارها. فخلال ثلاثة عقود انتقلت الأمتان التركية والايرانية من موقع شد و قضم الأطراف العربية إلى موقعهما الطبيعي، موقع الحليف السياسي – الحضاري – التاريخي.

لكن هذا لا يعني أن كل القوى الاجتماعية في الدولتين موافقة على هذا الخيار، و لا يعني أنه صار نهائياً، فتحت السطح و خاصة في ايران هناك قوى غير راضية عن هذا الانتقال إما لأسباب فكرية، او لأسباب طائفية، أو لأسباب عنصرية، أو لدى فئات كمبردورية لا تتخيل طريقة للعيش إلا بالتبعية الإقتصادية و الحضارية للغرب. و كل هذه القوى تتغذى بشكل أو بآخر من نظريات المركزية الغربية، التي تصور العرب كبداة أجلاف دمروا الحضارات في القرن السابع الميلادي و منها الحضارة الساسانية الفارسية، فأغرقوا البشرية و منها الأمة الفارسية في ظلام امتد قروناً طويلة و انتهى على يد الغرب في العصور الحديثة. هذه القوى كامنة و ظاهرة في المجتمع و حجمها متغير حسب الظروف السياسية و العسكرية السائدة في المنطقة و هي تمد برأسها كل حين، و قد رأينا بروفة أولى لما يمكن أن يحدث إذا أُتيح لها أن تستلم زمام الأمور في طهران فيما يسمى بالثورة الخضراء التي رفع رموزها شعار ” ايران اولاً ” و هو يعني الانفكاك عن القضية الفلسطينية تحديداً، و يكفي أن نذكر أن رموز الثورة الخضراء ” كروبي، رفسنجاني، موسوي ” هم المسؤولون عن استمرار مأساة الحرب العراقية – الايرانية ستة أعوام منذ عام 1982 و حتى عام 1988.

يوجد في طهران، و كذلك في استنبول، اليوم من يحن إلى الارتماء في أحضان الغرب، و ينام على احلام العودة إلى لعب دور شرطي الخليج، لكنه حتى الآن لا يستطيع أن يترجم أحلامه وحنينه بسبب تماسك مؤسسة الثورة، و نجاح مشروع البناء الداخلي الذي تقوم به، و نجاح دبلوماسيته الخارجية.لكن تخيلوا السيناريو الآخر فيما لو تمكن الغرب من توجيه ضربة عسكرية إلى هذا المشروع، و هي ضربة لن تستطيع إزالته تماماً كما فعلت مع المشروع العراقي بسبب اختلاف الزمان و المكان و الجغرافيا و الأهداف، لكنها في نفس الوقت كانت كافية لهزيمته. عندها سيخرج من أحشاء الهزيمة كل فكر التبعية للغرب و العداء للعرب و هو معشعش في أذهان النخب الأكاديمية بحكم تكوينها الغربي، و يجد صداه في فئات طفيلية كمبردورية اقتصادياً، و يتغذى من فكر معاد للعرب رسخه الشاه في أذهان أجيال و أجيال (تذكروا أن عمر الثورة فقط ثلاثين عاماً ).

إن أسوأ سيناريو يمكن أن يتعرض له العرب اليوم هو هزيمة عسكرية تلحق بطهران، و أيضاً انتكاسة نهج أردوغان، عندها سيتعزز في طهران كل السلبيات التي يشكو منها عرب اليوم ويستغلها الغرب لتسعير العداء العربي- الايراني. عندها سيخرج من طهران فكر يمتزج فيه الأقلوي الطائفي الضيق بالعنصري القومي المتطرف المعادي للعرب.

على عقلاء العرب أن يصلوا كي لا يحدث هذا الأمر، وكل من يستطيع أن يفعل أكثر من الصلاة فليفعل. فمن مصلحة العرب الاستراتيجية أن لا تُهزم طهران، ولا أن تنتكس استنبول. لأن ذلك يعني زوال كل ايجابي في سياسة البلدين نحو العرب، وتحديداً نحو القضية الفلسطينية، و انتفاخ للسياسات الطائفية الضيقة و القومية العنصرية في كلا البلدين.