ألليبرالية الحديثة: ألنخبة الإمبريالية وخرافة المنهج

أحمد حسين

يمكن تناول الليبرالية الحديثة من زاويتين.

أنها مجرد مشروع سياسي فريد للنخبة، في المركز الإمبريالي المعاصر، يسعى إجرائيا، لاستباق زمن التطور الموضوعي، والقفز فوق تاريخية الوعي، ليحول المستقبل إلى ملكية تاريخانية وزمانية خاصة بالإمبريالية، حيث يمكن أن تقفز منها النخب إلى منصة الآلهة. أي أنها سياق مبسط للمؤامرة الكونية، داخل سياق من سياقات الجنون المركب، لفائض القوة الذاتية.

أو…

من زاوية أنها تعبير سياقي، عن أزمة واقع تطوري تاريخي، انعكس على الوعي الخاص للإمبريالية، تحاول التعاطي معه، بإعادة قراءة حركة التاريخ على ضوء ادعائها بفشل كل الروايات التاريخية السابقة، والحيلولة دون فشل روايتها هي.

في الحالة الأولى نحن أمام يأس مصيري مطبق، يدفع إلى مغامرة نوعية منفلتة من الواقع، تسير فيها النخبة بموازاة عالم نقد التجربة، نحو عالم القضاء على التجربة بالقوة الفائضة.

أما في الحالة الثانية فنحن أمام خوف مصيري، يدفع نحو متابعة نقد التاريخ بالحداثة، من منطلق إمبريالي ملتزم، يحاول الخروج من أزمة التوريث التي ألقيت على عاتقه، بمشروع عولمة مستقو بالظروف، يجند له التبريرات النظرية من واقع الحال. يريد أن يغير التاريخ بوصفه سيد العالم، ولكنه لا يريد أن يظهر علنا كعدو اجتماعي له، بل على العكس، يحاول أن يقول أنه يملك مشروعا متماسكا للإنقاذ العالمي.

والحقيقة، كما يبدو من الأصوات القادمة من الغرب، والممارسات الدموية المنفلتة واللامبالية للجريمة الغربية، في أكثر من مكان من جسد العالم، هي أن كلا المشروعين متقاطعان سلفا في الجوهر بحيث يمكن الحديث عن أمزجة سياسية مختلفة لمشروع واحد حاصل على الإجماع القومي في المركز ( أمريكا والصهيونية ) وفي الأطراف الإمبريالية ( الدول الأوروبية )، وأن الأصوات المتحفظة من تسيبات العنف، لا تملك أي وزن حقيقي سواء من حيث القدرة على التأثير، أو من حيث الولاء غير المتحفظ للإجماع القومي. لذلك تظل عضوية الإلتزام المشترك للمحافظين الجدد والصهيونية، تملك السيطرة شبه الكاملة على السياق، من خلال الهيمنه على حركة المال، وأسواق العمل، وأمزجةالمصالح، والتحكم بالمراكز الأكاديمية المصاحبة للمشروع، والتي تشكل سيكيولوجيا كل النشاطات المرتبطة بالتنفيذ محليا، وميدانيا على ساحات الإستهداف. هذه المراكز هي الجهاز العصبي لبنية المشروع المبتكر، الذي أخذ يجوس العالم ويتحكم في أهواء البشر بدقة وفظاظة مثيرة للهلع. إنه يشبه روبوت خرافي قادم من خارج التاريخ لتدمير البشر.

لم تكن الليبرالية عند نشأتها، في الوسط الإجتماعي للبرجوازية الأوروبية، أكثر من مزاج أدبي صالوني ممتزج بالرومانسية، يروج للحرية الفردية ( حرية البرجوازي )، كانشغال بوهيمي سببته الوفرة المالية التي كانت ما تزال تتعثر خارج زيها الطبقي. كانت لونا من التظاهر يمثل نزعة محدودي الثقافة من الأغنياء،الذين يريدون من الحرية أن توفر لهم شخصيا، نمط حياة يتناسب مع مؤهلاتهم الإنفاقية، ومراكزهم المالية المكتسبة بالجهد المميز. وقد تمخض ذلك عن رجل يشبه الديك المنتصب، يحمل في يده عصا فاخرة لا حاجة لها، وكتابا لأحد الفلاسفة المعاصرين، في جيب ” رودنغوته ” المضحك لم يقرأه، ويتأبط ذراع زوجة مدينه الإقطاعي المفلس او ذراع ابنته أو كلتاهما معا، ويحيي معارفه في الشارع حسب أقدارهم المصرفية. كل ما كان يعرفه عن نفسه كليبرالي هو نخبوية النجاح، الذي يجب أن يجني ثماره. وبينما كان يعتقد أن الفيلسوف الذي يضع كتابه في جيبه، كان مثله هائما في عشق التحرر من التقاليد والدين، كان ذلك الزنديق غارقا في انسياقه العفوي مع شيطان الإقطاعات المالية الكبيرة التي أخذت تبلور عصرا من الإمبراطوريات القومية المعسكرة، تعمل في خدمة رأسالمال المتحرك. كان الزنديق الفيلسوف مجرد شاعر قومي للإستشراق العنصري، ومقولة الإنسان المتفوق، الذي يستطيع حمل راية العقل الأوروبي، لحماية سفن الغزو ” الحضاري ” للعالم. هذه هي الليبرالية الغربية الأم، التي أنتجت النازية الأوروبية التي توجت بالمحافظين الجدد والصهيونية. لا مضمون محدد لها سوى تعريف الحرية والإنسانية بأنها صراع الغرب مع الشرق، من أجل رسالة التنوير. سواء في ذلك برجوازيو الميناء الصغار، الذين كانوا يعرفون أن استمرار ملذاتهم الجسدية ونمط حياتهم مرتبط بالسيطرة على الشرق، أو فلاسفة الإقطاع المالي الجديد الذين كانوا وما زالوا يعتقدون بإخلاص فلسفي وعقلاني مريض أن مصلحة الشرق وخلاصه النسبي لا تكون إلا باعترافه بالسيادة الحضارية وبالتفوق العرقي للأوروبي، وعقد صفقة حتمية من التبعية مع التنور والعقل والثقافة الغربية. كانوا يقدمون لمواطنيهم ولأنفسهم رسائل عقلية متميزة ولكنها خالية من السمو الموضوعي. لم يستطيعوا تصور عالم بدون استبداد ونخبوية ودولة قومية فاخرة، ولكنهم لم يتصوروا أن دولة كهذه يمكن أن تقوم في موقع غير أوروبي. فهم حينما تكلموا عن الإستبداد العادل، والدولة القوية العاقلة، والمواطن الفيلسوف، كانوا يتكلمون عن مزايا أوروبية خالصة. ولم يكن هذا مستهجنا، فأرشيف العقل الفلسفي هو أرشيف التجربة. وما دام الهندي أو الصيني أو العربي معروف لهم تماما، عن طريق كتب المستشرقين الذين كانوا يرافقون الرحلات التجارية – وهم يثقون بهم فلسفيا – فلا مجال إذن لتناول أولئك المعاقين خارج العناية الأوروبية المباشرة. وهنا تظهر ميزة البرجوازي الصغير المحدود الثقافة على الفيلسوف. فقد كان الأول يعرف أن مصيره المالي متعلق بنهب ثروات الآخر، بينما كان الفيلسوف يتحدث عن العدالة في توزيع الثروات المنهوبة كأرباح تجارية، ويؤكد في نفس الوقت على رسالة التنوير الأوروبي. حتى الماركسية كأطروحة علمية أوروبية اعترفت للإستعمار الغربي للشرق، بميزة تنويرية كما صرح ماركس بوضوح. لقد اعتقد أن المسحة الشهريارية للإستبداد الشرقي، هي أمر يختلف جوهريا عن مسحة الإجتهاد الفلسفي للإستبداد الغربي. ولو كان ماركس حيا، ورأى كيف يعود الغرب الليبرالي الحديث، لتلافي تأثير “حسناته” الإستعمارية على الشرق، بالإبادة العمرانية والثقافية والإنسانية، وتهميج الحياة البشرية بالطائفية واستثارة الغريزة والذبح المجاني، وتسميم البشر والتربة بالإشعاع، فلعله كان يعترف بميزة ما لشهريار على بوش. ولعله كان سيعترف أيضا أن بنية الأوروبي الأمريكانية الصهيونية، هي بنية العميل المثيولوجي للشر والجريمة، وأنه يمثل فشل الإنسانية الأوروبية أمام العلم والتكنولوجيا الشريرة، وضغط الغريزة. وليس ذلك صدفة غير متوقعة. بل هو نتاج كونه برمجة دوغمائية للإستشراق القديم، لم تجد تعارضا مع أية جريمة مادية أو معنوية ترتكب ضد المتمسكين بهمجيتهم، الذين يهددون الالحضارة الغربية، ويهددون مستوى معيشته، بما يثيرونه من إشكالات ترتبط برفض الآخر. لقد كانت الدوغما التدنيئية للشرق في عقله أقوى حجة من حيادية العلم والفلسفة، لذلك كان يتفهم بعفوية، على سبيل المثال، أن تحطيم الذرة هو صناعة القنبلة الذرية، قبل تصنيع النظائر المشعة، ومحطات الطاقة النووية، وأن مهمة الفلسفة هي الرقي الإنساني المرتبط بالنخبوية العرقية للون، والمزايا الفردية للقلة. حمار متمدن كهذا، يرفض إنسانية الأخر لمجرد أنها تتعارض مع أفكاره عن نفسه، وليس مع أفعال الأخر الذاتية، هو أكثر همجية من أي آخر يرفض العدوانية وتحكم الآخر به لأي سبب كان. هذا يحس بإنسانيته حتى داخل همجيته، بينما لا يحس الأول إلا بهمجيته التي استحقها بكونه ” إنسانا متفوقا “.

على هذا الأساس من النفي الذاتي الغربي للآخر، فإن على الشرقي أن يفهم أن الغربي ليس فقط آخره الشري المتحضر. إنه آخره الإنساني، الذي يستغل قوته وعدوانيته لتكريس إنسانيته التي يؤمن بها، بتفنيد إنسانية الآخرين التي يحاولون التعايش على أساسها. على الشرقي إذا أراد المحافظة على تطلعاته الأنسانية أن يكون موضوعيا في وعيه للغربي. هذا الغربي هو كائن متفوق في كل شيء، ولكنه همجي وأحمق ومفلس استراتيجيا على مستوى المستقبل. إنه كائن غير معنوي على الإطلاق، ويجب الإستعداد لقهره بكل الوسائل المعنوية التي يفتقر إليها. لديه الكثيرمما يخسر لأن بيته من زجاج. وليس لدى شعوب العالم الثالث خسارة أكبر من خسارة مستقبلها المادي والإنساني، الذي يصر الغرب على إلغائه. المنحنى الحقيقي للتاريخ في أيامنا الصعبة، ليس ثورة التكنولوجيا والحداثة، بل هو في تجنيد التكنولوجيا مع الإنسان أو ضده، كما كانت الأيديولوجيا ذات يوم. وهي ضده الأن على طول الخط. لم يعد رأسالمال بفضلها في الواقع الغربي مبحثا اقتصاديا، فقد تجاوز معناه التقليدي وأصبح خرافة معنوية، لا يمكن الإحاطة بها. مليارات البشر، ياكلون ويشربون ويلبسون وتتحدد أفكارهم ومستوى أعمارهم وقيمتهم الوجودية، حسب رغبات حركة خفية اسمها رأسالمال. والقلة الرأسمالية المسماة عالميا، لم تعد تحت وضع الإمتثال الملزم لحركة الدواليب، تملك عقلا تاريخيا. أصبحت في قبضة الإمتثال الغريزي لاستبداد الحركة الخفية الجارفة، أسيرة لوجدانات إمبريالية مريضة، تضعها في منطقة الشفق الذاتي للمعرفة. وهو ما يسمى جنون العظمة.

على الإغلب أن مباشرة الواقع بالكلام المباشر، لا يرضي ” المفكرين ” السياسيين والإقتصاديين. إن ذلك يسلبهم مظهر التخصص، ويفضلون الإحالات المعقدة والحفر المضني، ليبدو الواقع الميداني أكثر غموضا مما هو عليه، فنحتاج إلى تدخلهم التفكيكي. ولا مانع من ذلك بالطبع إذا كان لديهم مواهب قادرة على الإحاطة فقط بالأرقام الكاذبة للمعلومات المعالجة بالكومبيوتر. هناك من يدمر ويقتل وينهب ويصفي المواقع الإجتماعية والتنموية وآلياتها في العالم الثالث، بهمجية وإباحية غير مسبوقة، يُسمى الحيوان المفترس عند مستواها مسعورا، وتطلق عليه النار بدون جلسات تفكيكية. نعرف أن ذلك من أجل راسالمال الذي أصبح فكرة بالنسبة لهم. فماذا تفيدنا هذه المعرفة؟ لا يوجد ما يمكن مناقشته مع الغرب، فهو واضح أكثر مما تجيزه الجريمة المتمدنة. جشع المصالح الإقتصادية والنهب المنظم وراء كل أشكال العدوان والحرب، ولكن هذه الأشكال أصبحت تمتزج كلها في ذهن النخب الإقتصادية والسياسية والعسكرية الغربية، التي تجاوزت خطوط القوة المألوفة، على شكل مشاريع للسيطرة الخرافية والعظمة النخبوية. التفكير في أسعار السلع، وتقلبات الأسواق، وسرقة قوة العمل هي أمور لأكاديميا المكاتب. أما النخبة فهي رموز لحقيقة العصر وفلسفته. مجموعة من كهنة الإمتلاك والسيطرة، غائبة عن الوعي العام، وغارقة في سيكيلوجيتها الذاتية. لذلك ما يلزم هو مواجهة واقع الحال بدون الحاجة لتفكيكه، ما دامت المواجهة ستكون في كل الأحوال، مع عدو يقتل الأطفال، ويترافع ضدهم بواسطة امرأة سوداء خلفها حادثة اختطاف قديمة لطفلة أفريقية هي إحدى جداتها، ويبيد الفوائض الديموغرافية للبشر بالحروب الأهلية والأوبئة المخبرية والجريمة المباشرة. ألجشع الإقتصادي وحده لا يكفي لارتكاب هذا بدون مساندة من عقل نخبوي ملتاث. القضية إذن قضية مشروع دموي لا يمكن أن يضعه سوى وجدان رمزي بامتياز. وإذا كان هناك حاجة إلى قضية التفكيك، فيجب أن يقوم بها غربي عاقل، يدرك بها أن السمكة لا يمكن أن تكون أكبر من البحر.

والليبرالية الحديثة ” كفلسفة ” استقواء مرضي بالتكنولوجيا المتفوقة، لا تستطيع أن تعلن إفلاسها بدون أن تنهزم في ساحة المعركة مع العالم. أي بدون أن يعلن الغرب الأمريكي الصهيوني إفلاسه، وفشل مشروعه” القومي ” الليبرالي في العولمة. والمقصود بالقومي، هنا ليس العوالق المعنوية التي تتشكل حول التاريخ المشترك لجماعة عرقية في جغرافيا المنشأ. وإنما العوالق الوجدانية والنفسية للمصلحة في واقع من التفوق الإجتماعي المصحوب بالإنجاز والقوة، يسعى إلى تحقيق الهيمنة العالمية الشاملة، كاستحقاق نخبوي وعنصري، له مشروعه الخاص، وبالتالي منطقه الخاص. أي أن القومية بشكلها الغربي الصهيوني ” الحداثي ” لا تمثل تطورا سياقيا لمضمون تاريخي، وإنما هي خلق فكرة حول موقع اجتماعي في فضاء ثقافي متجانس بالمصلحة والتميز العملي، يملك من وجهة نظره -أحقية عالمية، في فضاء بشري مفلس ومتأزم تاريخانيا يجب ” إنقاذه “. وبما أن مشروعا كهذا لا يمكن تقديمه إلى الرعايا العالميين على شكل استقواء إمبريالي نخبوي مفرد، يسعى إلى تأبيد النظام الطبقي، وخلق أوليمبوس تتواجد فيه النخبة المؤهلة “منطقيا ” للسيادة العالمية. فلا بد إذن من ثقافة أوليمبوسية مساندة في الفضاء الرعوي لبني البشر عموما. ولكن هذا قد يعتبر عودة إلى الإيديولوجيا والغيبية من النافذة، ويدمر الحيادية التاريخانية لمشروع العولمة ما بعد الإمبريالي، كما يقدم فلسفيا.

يبدو أن التاريخ ” الجديد ” بوصفه مشروعا خاصا مخلصا لأهدافه، كان مقتنعا أنه لن يستطيع استيراد أفكار وتجارب من خارج التاريخ ” القديم “. وفرصة فكفكة سياق الوعي التاريخي بالقوة، قد لا تسنح مرة أخرى، على الساحة العالمية، كما هي سانحة الأن. لذلك يبدو أن القوة المرحلية هي السبيل الوحيد أمام مشروع الإنقاذ النخبوي. فلا أحد يستطيع أن يكبح جماح الوعي التاريخي سوى القوة، التي يجب أن تكون ممتدة وحاسمة وإملائية وعنيفة، خلال كل المراحل التنفيذية للمشروع، لتعميق حالة اليأس من جدوى المقاومة، وانفضاض وعي الإلتزم الإجتماعي، والتمسك بالخلاص الذاتي. يجب على الناس أن يعرفوا أنه لا مناص من تبني ” سفر التكوين ” الجديد، الذي يقوم على منهج حداثي ملزم، لبناء عالم ” القيمة ” النظامية، بعد سقوط دعاة القيمة الإجتماعية. ولعل العقل الليبرالي الحديث، يحاول تقديم مشروعه تبريريا على الوجه التالي:

ثبت ويثبت كل يوم أن القانون الأنثروبولوجي والطبيعي يحتمان الطبقات، لأنهما يحتمان الإختلاف وتوزيع العمل. والمفروض أن ذلك هو الذي يحتم الصراع، وأهمية القوة الطرفية فيه. ولا يوجد ما يمكن فعله بشأن هذا المضمون الحتمي، سوى امتصاص تأثيراته بتكنولوجيا المنهج وتحويلها إلى ديناميات صراع بناءة، بين وحدات الإختلاف الطبيعي (ألأفرد )، داخل مجتمع توافق اقتصادي ممنهج يقوم على حتمية ” اختلاف ” الأفراد ضمن حركة تشابه الوعي الموحد للنظام. كل الحتميات التي تثير التناقضات المدمرة، هي بالذات التي ستصبح ديناميات تكامل داخل فوضى الحرية الفردية البناءة، التي لن تلغي الطبقة، ولكنها ستحولها إلى شبح وفكرة وصراع مزايا متنافسة سلميا ( ديموقراطيا ). لن يكون هناك أي ثبات طبقي في فوضى تكافؤ الفرص، سيكون مجتمع هرمي من حبات “الحمص” المتحركة صعودا حتى القمة، وهبوطا حتى القاعدة المكتفية ذاتيا. وسينتج المجتمع – المنهج تدرجاته النخبوية بحيادية كاملة بفعل الشيفرة التاريخانية لكل فرد. أما النخبة الأوليمبوسية فستصبح أيضا فكرة مشخصة أكاديميا فقط، في قمة هرم السلطة، الذي ستكون قمته الفعلية – ديموقراطيا – هي القاعدة.

إذن نحن أمام معالجة جديدة لكل الآليات والأفكار الأكثر قدما في النشوء الإجتماعي التاريخي وحتى اليوم. يؤمم سفر التكوين كل المفاهيم ” القديمة ” ويقوم بتفكيكها على ضوء منهج الحداثة الليبرالي، أي النهج الخاص، ليمكن تحويلها إلى آليات استبناء في عولمة استبداد الإمبريالية الغربية الصهيونية، التي هي المشروع التكويني لعالم جديد خال من الأزمات غير البناءة. كل المفاهيم القديمة التي خدمت أنظمة الإستغلال الطبقي في التجارب السابقة، من الدين والعنصرية والجريمة السياسية وأشكال الفوضى الغيبية أو الدستورية، جندت لخدمة مشروع ” الإنقاذ ” بعد أن أصبح بالإمكان وضع كلمة البناءة خلف كل واحدة منها. وقد حظيت الماركسية باهتمام خاص، في المنهج ( الدين ) العلماني الجديد، لأن تجاوزها في مرقعة الأفكار التي تتكون منها الليبرالية الحديثة، ليس سيكون فاشلا فقط، بل غير ممكن، بوصفها الفلسفة العلمية والعملية الأرقي والأحدث والأكثر تماسكا، والتي يجب التخلص منها ليصبح مشروع العولمة الغربي (ألأممية الطبقية ) ممكنا في مواجهة إممية إلغاء الطبقات. وبوصفها أيضا، مشروع إنقاذ أممي مفحم علميا، تمت تصفية كوادره البشرية البيروقراطية، أخيرا، بما يشبه دسائس القصور. وكان الأهم للمشروع البديل، في رؤوس كادر النخبة العالمية، الذي استغل تفكيكات البنيويين انمتمركسين للماركسية، بحنين ليبرالي واضح للفلسفة الألمانية تحديدا، إعطاء الفرصة للمسائلة التكتيكية لأهم اكتشافات الفكر الماركسي مساءلة منهجية، من المفروض أن تؤدي إلى إلغائها تصالحيا في المشروع الليبراالي. جرى هذا التمهيد – غير المقصود – على يدي فلاسفة الشبق الفلسفي الجدد من أركيولوجيي الفلسفات البيانية التي لفظتها الإيديولوجيا. لقد سحرتهم “المثيولوجيا الماركسية ” فعبروا عن ولائهم لها بالتفكيكات والفكفكات الفوقية، إلى أن أثبتوا أن الماركسية هي تجاوز ليبرالي في الأصل، وأنها لا تختلف عن الليبرالية الحديثة عدا في قضية استقلالية المنهج عن المضمون. فالقرابة بين المادية العلمية ونتائج العلوم من ناحية، وبين “فلسفة ” ماركس الإجتماعية وتلك، تلزم، حسب رأي الفلسفات الليبرالية الحديثة المتمركسة، بالتفكيك العلموي لحركة التاريخ، وليس بالتفكيك العلمي الماركسي المتزمت. أي بالتفكيك المنهجي لعلم الممكن الفلسفي والبنيوي للأحفور البشري المعقد أكثر من الماركسية. لقد أختزل أولئك الأفاضل الكاهن الملحد كيرجهارد ونيتشة وهيغل وماركس ووجودية سارتر اليائسة، في مشروعهم البريء لإعادة بعض الإعتبار للإنسان الذي هو هم. فألهموا المحافظين الجدد، كل الأفكار اللازمة لمشروعهم السياسي غير المسبوق، بوجوب سيطرة السوبرمان الغربي الصهيوني.

وقد بدأ ذلك – بعديا – بمصطلح العلمانية، أي الإكتفاء في السياسة، بالنظر من ثقب التجربة العلمية فقط، لأن الإنسان فوق العلم، ولكنه ليس فوق التكنولوجيا ( المنهج ) حسب فلاسفة الحرب الباردة، الذين أفرزتهم تكنولوجيا الحداثة الأكاديمية المدبرة، لمشروع “لتكوين ” الجديد، الذي سيستأنف على مفهوم القيمة الإجتماعي بالتفوق النخبوي. ولهذا فإن رسامي الكاريكتير هؤلآء تحدثوا بولاء ماركسي مفخخ عن ” علمانية الماركسية ” وعن “حركتها التحررية “، ليصبح بإمكان من يريد أن يكون ليبراليا وماركسيا في ذات الوقت. ف” حبات الحمص ” في الحركة الإجتماعية، بحاجة إلى الكم والكيف العملي وليس إلى حرفية القوانين العلمية، لبناء عالم الخلاص من توترات التاريخ المهمل. لذلك فإن الليبرالية الحديثة تتضمن الماركسية التي قضت ضحية خطأ المنهج. لقد فشلت الماركسية الكلاسيكية، حسب رؤى التحالف المنهجي، لأنها أرادت إلغاء أزمة ( الواقع )الطبقي للحتم الطبيعي، وليس إدارتها. لذلك بدأت معظم الأفكار الفلسفية الليبرالية الحديثة، من تحديث أفكار ماركس “العظيمة “، وتصحيح المنهج الماركسي على اعتبار أن الليبرالية الحديثة هي وريثة الماركسية والليبرالية معا. وفي النهاية يمكن القول أن مشروع الليبرالية الحديثة يساوي أن العالم ليس هيجليا، ولا ماركسيا، وإنما هو عالما مقلوب على بطنه، كما يدعي المحافظون الجدد ( النازيون الجدد ).

كل شيء سيصبح منطقيا الأن، بعد تخليص العالم من الأممية والطوباوية الثورية، والمادية العلمية، واستبدالها بالعلمانية النظامية. سيتم تحويل مفهوم العدالة الإجتماعية، من الملكية العامة، إلى تنظيم الإقتصاد التكاملي. أي إلغاء الملكية بمنهج التداول الطبقي. وإذا أردنا تعريب هذا الكلام فيمكن أن نتذكر ما كان يفعله النّوَر في بلادنا بالحمير المسروقة. كان يقطعون أذني الحمار لكي لا يمكن لصاحبه معرفته إذا رآه. وقد كان على ماركس أن يلغي الملكية الخاصة على طريقة قطع آذان الحمير، أي بالمنهج التبادلي، لحل الإشكال الإجتماعي، وليس بالإيديولوجيا والثورة. ولكنه أراد إلغاء عالم الواقع ففشل “مشروعه “. لقد كان طوباويا، فاعتقد أن بإمكانه إحداث انقلاب في عادات الطعام عن طريق مخاطبة الرأس، بدلا من مخاطبة الجهاز الهضمي. لذلك بدل أن يدعو إلى توفير الخبز للجميع، وترك الباقي للمنافسة الديموقراطية الحرة الخالية من التوترات، دعا إلى الثورة.

لا يمكن تصور أي شيئ يمكن أن يؤدي إليه هذا المنهج العصامي سوى الأوليمبوسية، أي جنون النخبة. وهو الذي قاد في النهاية إلى تقديم فكرة ” العولمة النظامية ” كمنهاج خاص للنخبة الطبقية العالمية ( الإمبريالية في حالة نشوة ). هذه الفكرة، بناء على سفر التكوين الجديد، هي مشروع استباحي بنّاء للإنقاذ من التاريخ، تقوده شراكات النخبة الإمبريالية العالمية الثلاث ( أمريكا، أوروبا، الصهيونية )، حيث أن بناء الإمبراطورية الكونية من هذه القوى الثلاث، قد أصبح إلزاما تاريخانيا عفويا على مستوى الحاجة والواقع النخبوي لحركة الإنسان على الطبيعة. وبما أنه يمكن تفكيك هذه الفكرة بسهولة، نستطيع وضعها هكذا: سيكون الخلاص النخبوي للعالم بروتستنتيا يهوديا أبيض. لذلك علينا – يقول حكماء المشروع – إخراج التاريخ أولا من اللعبة، وتحييد كل المفاهيم والقيم غير النظامية للإيديولوجيا ( ألأخلاق العلمية ) لصالح الفوضى البناءة للنخبوية. وهذا ممكن، فقط، بخلط كل أوراق التجربة البشرية، في فكرة مركزية واحدة، تخلط بين النفي والتبني والإختلاف والتشابه داخل بنيتها المنهجية، بحيث لا يبقى للمضمون أية هيمنة على الإجراء. فالحقيقة – يقولون – هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن معرفته. لذلك يجب الإكتفاء بالجزء المعطى من الحقيقة وهو ما نسميه الواقع. هذا الواقع هو الحتم الحقيقي الذي تتحرك في إطاره كل بيانات التجربة الإجتماعية التي فرضتها الوقائع على بُنى الأفراد العالميين. كل مواريث التجربة التاريخانية والعلموية متضمنة اجتماعيا، بالتلقائية والحتم الموضوعي، في التحريك المنهجي للواقع. لذلك فالمتطور اجتماعيا هو المنهج فقط. وهذا يفسر لماذا على المنهج احترام كل مصادر البنية التطورية للواقع الفردي التاريخاني النخبوي، عبر كل مراحل تطور المنهج. يجب الإستفادة من تاريخانية المنهج في كل المراحل، من منهج السحرة والكهان وحتى منهج العولمة الليبرالي الحديث. لقد أثبتت الحفريات، التي جرت تحت سطح المحايثة، أنه لا يمكن العثور على أفراد غير مختلفين في وعيهم البنيوي أركيولوجيا. وعلى المنهج أن يشخص ليجو التضاد ( التطابق ) بين الإختلاف ( التاريخانية ) والتشابه ( استطراد التطابق بالتضاد ) لتحقيق حركة استبناء تكاملي للتناقضات، على أساس تكنولوجيا الحركة المنهجية، وليس على أساس مضمونها الحيادي. وإذا كانت تاريخانية البشر الأفراد هي مصدر الواقعية الإجتماعية، فإن الواقعية قد تستدعي تكنولوجيا، حركة ذات مبنى مثيولوجي محبب غربيا ومسيحيا بناء على الحسم النخبوي، الذي سيكون عبارة عن موسيقى اجتماعية سيمفونية، تلهب مشاعر الفقراء والأغنياء على حد سواء، بتلاواتها التكوينية. يجب واقعيا، وبناء على تفاصيل البنية التاريخانية للبشر، مخاطبة عالم خلاص مسيحي تكون الصهيونية فيه قاسما مشتركا قوميا (نخبويا ) لكل الغربيين. يجب توحيد البروتتسنتية واليهودية، ثم تهويد العالم بروتستنتينا بعد ذلك، والبدء بانتظار هار مجيدون، ليكون هناك أفق غامض للترويح عن النفس لمن يحتاج ذلك، ويهيء لاستدخال أية جريمة أو كارثة منهجية يستدعيها خلاص العالم.

هذا الهراء ليس مهما بالطبع لأصحالبه، فهم يعنون ما يقولونه، بمدى ما يساعدهم على تمرير الهدف. فالقضية تتعلق بالسيطرة على الموقف، خلال كل مراحل تنفيذ مشروع وقف التاريخ، عند نقطة الخطر. ليس مهما أن يكون أي شيء حقيقيا بالإنضباط العلمي النظري، المهم أن يملك الطواعية التكنولوجية اللازمة لتحويله إلى إعلام للقوة،أي إلى آلية منهج، له احتياجاته التمريرية. فالتاريخ بغض النظر عن التسمية في رأيهم، هو صناعة التاريخ في المرحلة بإرادات القوة. وصناعة التاريخ هي ذاتها صناعة الإنسانوية. والإنسان ليس مضمونا متطورا للطبيعة، إنه رد فعل سلوكي لاعتداء الطبيعة على حريته الوجودية بمطلق الآخر، سواء كان الآخر وجودا أو حاجة. لذلك هو أيضا إله عملي صغير يتحرك رغبويا فى دائرة وجوده الفردية. وفي فوضى الحاجات والميول البنيوية لهؤلاء الآلهة الصغار، يكون على أي نظام عالمي أن يستغل فرادة القوة والسيطرة، بحيث يكون لديه نظام من الآليات والكوادر والتحكم في حركة الخبز، والجنس، والثقافات الفردية للآلهة الصغار. لقد تحقق للنخبة الإمبريالية الهيمنة الشاملة على أسواق الحاجات وآليات التأثير، وإنتاج الأزمات، وتسريحها في أي زمان ومكان. لم تعد بحاجة إلى شيء، سوى ذلك الجيش العرم من فصائل الأكاديميا بمختلف تخصصاتهم، لبناء وتفعيل آليات الفوضى البناءة، لفكفكة الشعوب وثقافاتها واسلوب حياتها، واختراق بناها التنموية. ألديموقراطية، ألتعددية، الطائفية والمذهبية، حرية الأقليات في تقرير مصيرها، وتحرير المرأة بدءا بالحرية الجنسية، والمخدرات، وتجارة الإرتزاق بالقتل… كونت كلها إلى جانب غيرها،أدوات المنهج الهمجي البناء، في تدمير بنية الأخر المعطِلة.

لقد نجحت الليبرالية الحديثة في نشر الكثير من الفوضى لاستبناء الفرد الممنهج والجماعة غير الأجتماعية. ونجحت في توفير آليات مشروعها على مستوى المهمة الكونية، والإنقلاب التاريخي. وقد كانت هذه هي الحماقة الشائعة للنظام الإستبدادي غير الإيديولوجي على مر التاريخ. فالنظام الطبقي لا يمكن أن يحقق أكثر من مركزية إسمية، بدون القوة. وعندما تتكاثر حوله مراكز القوى المنفذة، تتكاثر مشاريع المصلحة داخله، وينتهي دور النخبة السياسية إلى مجرد إدارة صراعات المصلحة في اتخاذ القرار بين مراكز القوى. وكثيرا ما يحدث، أن تقتضي مصلحة الديموقراطية اغتيال الرئيس بهدوء، أو يتم تصويره وهو يلوث ثياب السيدة مونيكا. وإذا كان الإجماع قائما بين الشركاء في حدود جريمة ” الأمن القومي “، أي إخضاع العالم ونهبه، فمن المنطقي أن يكون لكل موقع تنفيذي مصلحته داخل الجريمة، وحصته من المردود. لذلك فرضت المافيا الموجودة في كل مواقع المصلحة،على النظام، أن تشارك في حرب العراق مثلا، بمؤسساتها العسكرية المسماة بالشركات الأمنية، للحصول مباشرة على حصتها من غنائم الحرب، لتجنب أية مساءلات شكلية تخدش الدستور. والبنتاغون والسي آي ايه ورأس المال الموازي، وإن مثلت المشروع عضويا من خلال الإجماع، إلا أن عنكبوتية المشروع هي مصدر تعدد للمصالح والولاءات والسلوك السياسي والإقتصادي. لذلك لا بد أن تبدأ في إثارة التساؤلات في القاعدة، التي أبعدتها الوفرة النسبية عن السياسة. وحينما تتعمق الأزمة الإقتصادية الجارية، فهذا يعني أن هناك ازديادا في المال العام المسروق، وازديادا في نسبة أرباح الشركات من الحرب. ففشل المشروع إذن محقق على المستوى المحلي اجتماعيا، وعلى المستوى العالمي استدفاعيا. ولكن من يدري ماذا ستكون تكلفة هذا الفشل للإنسانية؟ إن تحالف البنتاغون مع النخبة السياسية ومع شركات صناعة الأسلحة، يقابله تحالف السي آي أيه مع المافيا. وهذه معادلة في غاية الخطر، لأن الغرب قوة خالية من المعنى، ومؤهلة بامتياز للمغامة حتى النهاية.

ألليبرالي الحديث:

ألليبرالي الحديث في نسخته الأصلية، هو غربي حصل بالقوة، على كل تنصيبات العصر. فهو بالفعل شخصية العصر الثقافية، ولكن بفضل العتاد المنهجي فقط. فهو مستحضر أكاديمي، رخيص التكلفة نسبيا، فيه الكثير من حقائق الوهم وأوهام الحقيقة المعدلة حداثيا. يصدر أحيانا إلى مستعمرات التاريخ القديم بأسعار خيالية. وهو يعمل في إعداد كوادر النخبة لصفوف المحافظين الجدد، وتنازليا مستشارا سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا لدي أنظمة ما وراء البحار، أو منسق إعلامي في إحدى الفضائيات، وحتى عشيق لإحدى سيدات المجتمع. وهو في بعض الأحيان مرتد أو مرتدة ” يعتنق ” الإسلام أو الهندوسية ويعمل في في صفوف الدعوة، أو طبيبا مسلما، يدرس الملفات الطبية للأسر المالكة في الأنظمة الصديقة.

وبنيويا هو ذئب روماني متمدن، عملي ولاأخلاقي، يؤمن بالإنسانية كنوع وليس كقيمة. عدائي وعدواني، متأصل في العنف والأنانية، بسبب جذور النشأة الإرتزاقية للشعوب الأوروبية في الحياة العسكرية الرومانية. ولكن الأهم أنه بنية استشراقية بالمصلحة والتربية، يعتبر العنصرية نوعا من التعالي الذي هو من حقه، لأنه لا يشك في تفوقه العرقي والحضاري. وبالمجمل هو عينة ناجحة ومتفوقة عمليا، ولكنه يشكل خطرا على استمرار الحياة على الأرض.

ألليبرالي المهجن:

هو متدرب اكاديمي عالمثالثي يعمل ميدانيا، في خدمة مشروع العولمة النظامية لليبرالية الحديثة، في موقعه الوطني أو الإقليمي، أو في إحدى مؤسسات النظام الدولي. إنه عادة يقوم بالمهام المباشرة والرخيصة للمشروع، التي يستنكف عنها الترفع الأكاديمي الغربي، أو لا يستطيع أدائها لأهمية مؤهل الهوية في المهمة. وهو عادة مدرب مهنيا فقط. ينفذ شيفرات خليوية إعلامية مباشرة، أو يعيد كتابة التوجيهات الصادرة، على شكل دسائس فكرية، تمهد للإجراء الميداني. وأشهر هؤلاء هم الذين يعملون في تخريب المحاولات التنموية المستقلة سياسيا في الأوطان المؤهلة لذلك. وأهم أغانيهم هي الحداثة والديموقراطية اللتان تتعارضان تلقائيا مع الأصالة الإجتماعية والتقافية المحرمة حداثيا وديموقراطيا، لأنها بالذات تشكل المصدر اللوجستي الواقعي الوحيد، للإلتزام الفكري والإلتفاف الشعبوي حول مشروع التنمية المستقلة. فالقومية، مثلا، في نظرهم كفر ثقافي بالحداثة يؤدي إلى الإستبداد وديكتاتورية الفرد والعرق، وبالتالي إلى الفاشية. ولا أدري لماذا يحرمون الإستبداد محليا، ما داموا يدينون بالعولمة الغربية الصهيونية. ولا حاجة لمناقشة هؤلاء الذي يحتمون بحقوق الإنسان التي ترعاها أوكار الأمم التحدة، والتي يقودها الليبرالي المهجن ” بان كيمون “. هناك حاجة ” فقط ” لاضطهادهم بكل وسيلة ممكنة من جانب الأصالة المحلية، بوصفهم مرتزقة وأعداء ” فقط “. ومن مهامهم الوظيفية الأساسية، ان يتحرشوا عمدا بالأنظمة المحلية المارقة ” التي تعادي السياسة الأمريكية “، فتقوم بسجنهم لتتمكن قوى حقوق الإنسان من إدانة النظام، بينما قد تسند إليهم كسجناء حرية سابقين، مهمة التظاهر أمام مكتب بان كيمون والبيت الأبيض، ضد النظام في بلادهم، كما كان يفعل المهجنون العراقيون، تمهيدا لغزو العراق من أجل الديموقراطية وأمن إسرائيل وتحرير الشعب الكردي المجهول الهوية، وكما فعل الكرازيون في إفغانستان. هناك أيضا مهمة لا تقل شأنا عن الأولى، وهي تأدية رقصة تكسير الصحون، أي تحطيم قيم الثقافة المحلية، مما سيؤدي إلى إزالة الضغوطات والتوترات التي تمارسها هذه القيم على نسيج العلاقات الإجتماعية والفردية. وهم يقدمون قيما ومفاهيم شخصية بديلة، تتعلق بحرية الفرد في ممارسة ذاته، خارج أية مفاهيم وقيم مصطنعة. ففكفكة المجتمعات التاريخية، وتذرير مصطلحها البنيوي الموروث، هو الذي سيخلق الفرد النظامي، على حساب الفرد الإجتماعي والإنساني، الذي يقف عائقا في سبيل العولمة الغربية. وأهم العناوين التي يؤدون تحتها هذه المهام الميدانية هي حقوق الإنسان وحرية المرأة. وهي عقاقير سحرية يمكن شراؤها في صيدليات السي آي أيه، وشركات المتاجرة بالجنس العابر للقارات، والتي يفترض أن تؤدي إلى خلق الفضاء الثقافي الموحد للغرب والعولمة، في مجتمعات الإستهداف المحافظة، عن طريق الصدمة.

وليس هناك حدود للخدمات التي يمكن أن يؤديها الهجين الليبرالي تخصصيا. فهو على سبيل المثال في النسخة العربية، قد أعد للعمل في مجال التطبيع الجماهيري للفلسطينيين والعرب، مع كل الإجراءات التي تتخذ ضدهم في حرب المفاوضات والتسوية وإقامة دولة فلسطينية. فهو إنساني بشدة، متزوج من السلام والإعتدال بشدة، ليس حبا بأمريكا، ولكن نكاية بالتطرف من ناحية، ولآنه يساري بشدة من ناحية أخرى. كما أن هناك منهم، من يرى في مواجهة أمريكا والصهيونية عبثا لا طائل تحته، لأنهما تمثلان القوة المطلقة. هؤلاء يمثلون كثرة كافية، بين مقدمي الخدمات الأكاديمية في العالم الثالث.

ألليبرالي المستلب:

هم الذين استنبتتهم الظروف على مقاعد أكاديميا المشروع الغربي، وأولعوا مجانا بأفكار المشروع الحداثية، دون قصد سوى الإنبهار. والواحد من هؤلاء هو مكسب تبشيري للمشروع، يحاول تركه وشأنه ليكتسب مصداقية المبادرة العلمية النزيهة، ويصبح مبشرا مرموقا يظن أنه يفكر. علاقته بالمشروع عذرية بالكامل، ولكن علاقته بالفكر والمعرفة عذرية أيضا، لأنه يظن أن الأكاديميا الغربية هي المعرفة. وهو على حق بذلك ما دام لها مشروع شامل يصنع المعرفة ويصدرها، دون أن يكون للعالم مشروع مقابل بعد سقوط ” الحزب الشيوعي ” السوفييتي. ولكن هذا صحيح غير علمي من ناحية، وصحيح عملي ميداني على ساحة خالية من الجدل، لأنه تم إخلاء النقيض بالقوة. أي أن المعرفة أصبحت مفهوما فلسفيا خاصا، متحالفا مع الواقع العملي سياسيا. فنتائج العلوم التطبيقية يتم تحريرها معرفيا في البنتاغون، وفي السوق العالمية، وسياسيا بالتنبؤات في رؤوس المحافظين الجدد. أما العلوم الإنسانية فهي امتداد معرفي للإستشراق وفلاسفة الإنسان الجغرافي. وما دام التلاعب في مجالها قائما بصورة عفوية حتى الآن، فإنه يمكن الحفر إلى الأعلى، ومحايثة السطوح بالواقفين تحتها، وتسخير ( تاء ) الإختلاف لاستدخال العولمة الطبقية.

وميزة المفكر المستلب أنه مخلص لوعيه تماما. لذلك فهو متناقض مع الوعي دائما. إنه يحاول تخليص مواطنيه العالمثالثين من عالمثالثيتهم بنفس العقار الذي يستعمله مشروع العولمة الغربي. حتى أن بعضهم لدينا أحيانا، هو قومي عربي أصيل ومفكر أيضا. ولكنه مضطر إلى التعالي الموضوعي الفارغ، والتردد المتزمت، بشأن ( فكرة )العروبة، ليس من خلال كونها التزاما وجدانيا صامتا وبدون مشروع حقيقي، بل لأنه أمين لرواية التاريخ الإسلامي التي هي ذات رواية المستشرقين الغربيين التوراتية. إنه ينكر مثلا بكل البساطة كون أن ما يسمى اليوم الشعوب العربية هي امتداد غالب عرقيا وحضاريا، للشعوب الحضارية العربية المؤسسة في المنطقة، وأن الإسلام لم يكن سوى مخاض الهجرة الأخيرة، إلى مواقع الهجرات التي سبقته. وسنقبل منه أية نظرية ديموغرافية تنفي الحتم التاريخي في أن تكون كل شعوب سوريا وما بين النهرين، فيما عدا السومريين ( هندو أوروبيين )، شعوبا من أصل واحد هو الجزيرة العربية. وما يهم أية قضية قومية ليس النقاء العرقي، فهذا غير متوفر في المعقول التاريخي، فثقافة العرق الغالب والمسيطر خلال السياق ومركزيته الحضارية، وليس صفاته العرقية، هي التي تكون هوية الشعب ووجدانه العقلي، كما تكون الجغرافيا الطبيعية، جغرافيته الإجتماعية ومصالحه المشتركة، وإشكالاته الوجودية. والعروبة كانت مستهدفة دائما كموقع اجتماعي مقاق قد يتحول إلى مشروع تنموي منافس لأوروبا. وليس صدفة أن الدولة الأوروبية التي أقيمت في فلسطين بين يدي المشروع الغربي، جاءت مزودة بمشروع استشراقي لدعم القطرية في المنطقة العربية. لقد ركز الإستشراق الصهيوني في إسرائيل على مبحث اللهجات المحلية في الدول العربية، وأقام له مراكز بحثية متفرغة، لهدفين واضحين كل الوضوح، إعداد الكوادر الغازية المدربة، وتعميق وجدانية الإنعزال القطري بين الشعوب العربية. وأمثال هذا المفكر المستلب، يتسببون اليوم استلابا، من خلال فكرهم الإستشراقي المكتسب، في دعم هذا التوجه، بدل أن يتصدوا لمواجهته بالتفكيك الحيادي على الأقل.

وتلخيصا…..

ألمشروع الغربي واضح المعالم، لا يمكن إخطاء دلالات الوقائع السياقية له. وهو طفرة إمبريالية، سيطر فيها وجدان القوة على كل ما عداه. لم تعد أهداف الوفرة الإقتصادية هي التي تحكم السياق، بل السيطرة التامة على كل أشكال الحركة الكونية للتاريخ. ولا يهم معرفة العوامل التي أدت إلى الحريق، قبل إطفائه. هنك حركة هيمنة على العالم بوعي خاص، يتخطى كل حواجز القيمة في وعي الناس العاديين، ويهيء لعالم مختلف، يعيش فيه أناس مختلفون، تحكمه نخبة مختلفة. ويستخدم لتنفيذ المشروع، محرقة سيكيولوجية ممتدة، يفترض أن تخلق البشر المختلفين بالتفنن في العبث بدمائهم وبنيتهم الذاتية والسكيولوجية. المشروع يتعثر، ولكنه يزداد شراسة ودموية مع كل فشل يواجهه السياق ويودي أثناء ذلك بحياة عشرات ملايين البشر في العالم الثالث قتلا وتجويعا وحرمانا من وسائل العيش.

لن يتراجع المشروع، بعد انطلاق آلياته المركبة، وتورطه في الوعي الخاص للجريمة ” البناءة “، إلا بمواجهة كبرى على نطاق المقاومات الشعبية في كل مكان في العالم. لا توجد في العالم اليوم أنظمة غير تابعة إطلاقا. ومواجهة هذه الأنظمة هي جزء من مواجهة المشروع.

وقيادات الوعي الثوري لم تختف ولن تختفي من العالم. بعضها مات، وبعضها صفي، وبعضها أصابه الخرف، ولكن التجربة المرعبة للجريمة الغربية الجارية، كفيلة بأن تجدد قيادات نوعية جديدة للفكر الماركسي والقومي على اتساع العالم، تستفيد من أسوأ تجربة، تعرض لها الجنس البشري، على يدي كهنة “هارمجيدون” من مجانين الغرب.