أميركا على حافة العالم الثالث؟

سركيس ابو زيد

أحدث دخول الولايات المتحدة في حقبة «الفوضى البنّاءة» داخلياً، خوفاً كبيراً على مستوى عالمي وداخلي، ما حدا بالكثيرين الى الذهاب الى اعتبار أن الدولة الأقوى في العالم، ربما أصبحت على طريق الدخول في «العالم الثالث»، بعدما كثر الحديث لفترة طويلة عن «سقوط الرأسمالية» و«زوال الهيمنة الأميركية» و«انتهاء الأحادية القطبية» من العالم.

الأكيد أن ناقوس الخطر هذا يستحق الوقوف عنده، والخوف من الواقع الأميركي الجديد يبرّر العبارة الجديدة التي زخرت بها بعض الصحف الأميركية منذ فترة ليست قصيرة وكان أبرزُها مقالاً نشر في السادس عشر من آب تحت عنوان «10 إشارات الى أن أميركا ستصبح من العالم الثالث»، والذي كان متقارباً مع ما نشر منذ أيام في احدى الصحف اللبنانية «الموالية» للولايات المتحدة الأميركية تحت عنوان «هل الولايات المتحدة في طريقها الى أن تصير دولة من العالم الثالث؟». ولكن المؤكد ايضاً ان الأجوبة لا تكمن فقط في تفنيد الوضع الداخلي لهذه الدولة والمشاكل الاقتصادية والفوضى التي تعاني منها، بل ايضاً في دورها الخارجي وشروط وجودها كـ«قائد» العالم الأول والثالث، فالظروف تغيّرت، والحقبة تشهد استنزافاً ظاهراً للقوى، وعبثية التصرّف تؤكد الكثير من التساؤلات والمخاوف، فهل سنتحدث بعد قليل عن انحسار القوة ام ان الوصول الى النهاية سيكون أسرع؟

بالعودة الى سنوات قليلة مضت، حاولت الولايات المتحدة منذ 11 أيلول/سبتمبر 2001، وتحت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن وبمعية المحافظين الجدد، الإسراع في تحقيق مشروعها الاستراتيجي في تحويل العالم إلى صورة المجتمع الديموقراطي والليبرالي، الذي كان يحلم به الآباء المؤسسون الأوائل، فقد أرادت أميركا دوماً عالماً أميركياً خالصاً لها، وهو الهدف الأساس في سياستها الخارجية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى أميركا ـ عند الكثيرين ـ على أنها الواجهة المسيحية بامتياز لمسيحيي العالم، رغم الفوارق الحضارية والتاريخية والنفسية القائمة بينهما، وأن هذه الواجهة «الروحية» هي المحرك الأساس لقوة وعظمة أميركا في العالم.
غير أن الحضارات غير الغربية (الشرقية) وقفت سداً منيعاً في طريقهاً، وأثبتت أمام العالم جدارتها وقوتها وإرادتها في السيادة والنفوذ والسلطة، وشكلت روسيا على وجه الخصوص، عقبة جغرافية سياسية رئيسية في وجه واشنطن. فقد سعت للدفاع عن منطقة نفوذها، والظهور أمام العالم وكأنها القوة المحورية الضرورية لاستقرار العالم، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزها خاصة في مجال الطاقة.

من هنا لا يمكن التنبؤ بصعود الأمم وسقوطها، فمن المؤكد أن ذلك الانتصار الأميركي على الشيوعية قد أدى الى تفردها العالمي الجيوستراتيجي وتفوقها الجيوسياسي، إلا ان ذلك المنطق قد يشير كذلك، الى احتمال أن ذلك التفوق التاريخي الاستثنائي أصلاً ليس إلا نتيجة لحظية لذلك الانهيار الكبير في عتبة التاريخ، وبالرجوع الى الظروف التاريخية الحديثة التي أوجدت ذلك التفرد الأميركي الاستثنائي، وتحديداً الحقبة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي التي تفرّدت بها الامبراطورية الاميركية كقوة عالمية وحيدة على رقعة الشطرنج الدولية ـ 1990/2000 م ـ فإن ذلك التفرد ليس إلا نتيجة لسقوط العملاق الشيوعي، أو بالأحرى عدم وجود شريك دولي حقيقي يقاسمها الهيمنة العالمية كما كان ذلك في ظل وجود الاتحاد السوفياتي.

قد يقول قائل: إن تلك الأحادية القطبية التي تعيشها الولايات المتحدة الاميركية اليوم تؤكد استمرارية بقائها كقوة عظمى متفردة خلال السنوات المتبقية من القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن القوى الكبرى المؤهلة لاحتواء ذلك التفرد، والموجودة اليوم على رقعة الشطرنج الدولية كروسيا والصين واليابان على سبيل المثال، لا تملك بعد القوة والإمكانيات اللازمة للإمساك بزمام قاعدة التوازن الجغرافي والبديل الجيوسياسي والجيوستراتيجي للولايات المتحدة الاميركية، وان هذه الأخيرة ما زالت بالرغم من الظروف التي تمرّ بها قوية وقادرة على الاستمرارية.

ربما كان ذلك صحيحاً الى حد ما، ولكن إذا كانت تلك القوى العالمية الكبرى لا تملك الإمكانيات السالفة الذكر الى الآن، فذلك لا يستدعي بقاءها على تلك الحال الى ما لا نهاية، وليس بالضرورة أن الإمكانيات التي تملكها الولايات المتحدة الاميركية اليوم، تؤهلها للإمساك بزمام المبادرة والقيادة في القرن الحادي والعشرين، فقواعد القيادة وآليات التفوق الدولي تختلف من قرن الى قرن. هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن طبيعة اختلاق الولايات المتحدة الاميركية نفسها وولادتها وحياتها الامبريالية التوسعية، ومن الناحيتين الجيوسياسية والجيوستراتيجية، تؤكد أنها إمبراطورية لا تعرف البقاء دون وجود محرك يثير قوتها ويدفعها للتوسع والحياة، فهي إمبراطورية تموت وتتلاشى إذا لم تتمكن من التوسع والحصول على مصادر جديدة للحياة والبقاء.

فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها وحيدة متفردة، ما استدعى محاولة اختلاق عدو جديد يكون لها بمثابة المحرك والدافع الجيوسياسي للتوسع الجغرافي، وكان لذلك التفرد ثمن باهظ، حيث تناست أنها بثت الروح في وحش أرادت من خلاله إسقاط العملاق الشيوعي الأحمر، ولكنها لم تدرك أنه قد يتحوّل عليها بعد ذلك. وهكذا وجدت الولايات المتحدة الاميركية نفسها أمام عدو جديد صنعته وغذّته بنفسها، ومفاهيم جيوسياسية جديدة لم تكن تتوقعها قبل ذلك، أو ربما توقعتها ولكن لم تكن تتصور أنها ستحدث بتلك السرعة أو بتلك الطريقة الدرامية التي ارتدّت عليها، وذلك العدو لم يكن هو العدو المناسب لتوجيه الدوافع الأميركية نحو إعادة إحياء قاعدة خلايا النحل الى الوجود التاريخي الاميركي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة الأميركية قد فشلت في اختيار عدوها الجديد الذي ستستغله عالمياً كقفاز لهيمنتها ومساعيها الامبريالية العالمية.

وقد منحت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، فرصة للأميركيين بالتعجيل في برنامجهم للأحادية القطبية، وباسم الصراع ضد الشر الذي كان صنيعتهم الخالصة، استطاعوا الحصول على:
ـ تضامن لا لبس فيه من الأوروبيين (وبالتالي السيطرة أكثر من خلال الحلف الأطلسي على حساب القوة الأوروبية المتراجعة).
ـ تقارب ظرفي مع موسكو (لسحق المقاومة الشيشانية ـ الإسلامية).
ـ تراجع صيني في آسيا الوسطى في مواجهة التوافق الروسي ـ الأميركي في الجمهوريات الإسلامية السوفياتية السابقة.
ـ ترسيخ الوجود في أفغانستان، وبالتالي الاقتراب من حدود غرب الصين إلى الحدود الجنوبية من روسيا.

الابتهاج الأميركي في آسيا الوسطى لم يستمر سوى أربع سنوات فقط. إذ إن الخوف من حدوث ثورة ملوّنة في أوزبكستان، دفع بالسلطة الأوزبكية ـ التي حاولت أن تصبح، في يوم ما، قوة رئيسة في آسيا الوسطى من خلال فرض توازن استراتيجي مع الأخ الأكبر الروسي ـ إلى إطاحة الأميركيين والابتعاد عن نفوذهم والاقتراب من موسكو.

وفقدت واشنطن بعد ذلك، في الفترة من العام 2005، مواقع عدة لها في آسيا الوسطى، بينما في أفغانستان، استنزفت أميركا الدول الأوروبية المشاركة في الحرب القائمة هناك وخسرت الأرض وتقلص نفوذها في مواجهة التحالف الطالباني ـ الباكستاني، المؤيّدين والمدعومين ـ بهدوء ـ ومن وراء الكواليس من الصينيين، الذين يرغبون في رؤية أميركا تنهزم وتنحسر إلى ما وراء حدود آسيا الوسطى.

ويُمكن الصين، أن تأخذ نصيبها وحصتها من النفط الكازاخي والغاز التركماني، وبناء الطرق ووسائل النقل إلى تركستان الصينية (شينجيانغ). في حين، توجّهت آمال بكين في الطاقة باتجاه روسيا، التي سوف تحقق مستقبلاً التوازن الاستراتيجي في إمدادات الطاقة باتجاه أوروبا عن طريق آسيا (وليس فقط الصين، ولكن أيضاً اليابان، وكوريا الجنوبية، والهند).

ففي عالم اليوم يتفاوت توزيع القوة باختلاف السياق. فالقوة تتوزع وفقاً لنمط أشبه بلعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد، حيث القوة العسكرية على الرقعة العلوية أحادية القطبية إلى حد كبير، ومن المرجح أن تظل الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة لبعض الوقت. ولكن على الرقعة الوسطى أصبحت القوة الاقتصادية متعددة القطبية بالفعل، منذ عقد من الزمان تقريباً، حيث تمثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين اللاعبين الرئيسيين في حين تكتسب بلدان أخرى المزيد من الأهمية.

أما الرقعة السفلية فهي ساحة المعاملات العابرة للحدود والتي تقع خارج نطاق سيطرة الحكومات. وهي تشتمل على لاعبين مختلفين لا ينتمون إلى دولة بعينها، مثل المصرفيين الذين ينقلون إلكترونياً مبالغ أضخم من أغلب الميزانيات الوطنية على مستوى العالم، أو الإرهابيين الذين ينقلون الأسلحة، أو القراصنة الذين يهدّدون الأمن السيبراني الإلكتروني. وهي تشتمل أيضاً على تحديات جديدة مثل الأوبئة العالمية وتغير المناخ.

على هذه الرقعة السفلية تتوزع القوة على نطاق واسع، ويصبح من غير المنطقي أن نتحدث عن القطبية الأحادية أو التعددية أو الهيمنة أو أي قوالب أو كليشيهات جاهزة أخرى. فحتى في أعقاب الأزمة المالية بات من المرجح أن يستمر السلام المتعثر المصاحب للتغير التكنولوجي في دفع العولمة والتحديات المتخطية للحدود القومية.

إن مشكلة القوة الأميركية في القرن الحادي والعشرين تتلخص في أن المزيد من التحديات أصبح خارج نطاق القوة الأعظم على مستوى العالم، اذ أصبحت تعيش حالة من الاعتلال تنتج منها فراغات في القوة الأميركية.

وفراغات القوة لا تنتج فقط من حالة أفول الامبراطوريات، بل أيضاً عن حالة اعتلالها. تحصل الحالة الأخيرة الآن عند الإمبراطورية الأميركية، التي عاشت حالة مدٍ استغرقت من نهاية الحرب الباردة العام 1989 إلى منتصف العام 2006، عندما بدأ الاعتلال في القوة الأميركية بالظهور في منطقة الشرق الأوسط مع نهاية حرب تموز 2006 ونتائجها التي انعكست على مجمل المنطقة. في هذا الإطار، يمكن القول إن حالة الاعتلال في القوة الأميركية، خلال السنوات الثلاث الفائتة، قد أدّت إلى انزياحات وتعديلات وتغييرات في توازن القوى، على الأصعدة الإقليمية، في هذه المنطقة أو تلك، ما أدّى إلى فرض لوحات إقليمية مختلفة، إلا أن ذلك لم يتجاوز حدود الأطر الإقليمية لكي يصل إلى مستوى التوازن العالمي.

:::::

المصدر: السفير، قضايا وأراء، 22/09/2010، العدد 11698