فضيحة وكالة الطاقة الذرية: تجنب “اسرائيل” وقنبلتها الذرية

العميد الدكتور امين محمد حطيط

عندما انشئت في العام 1957 وكالة الطاقة الذرية الدولية (A.E.A. Atomic Energy Agency) كجهاز يعمل تحت اشراف الامم المتحدة من اجل منع انتشار السلاح النووي والتأكيد على استعمال الذرة في المجال السلمي فقط، والحد من المخاوف التي يأتي في أساسها السلاح الذري الموجود بيد عدد قليل من الدول (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن). آنذاك عول العالم على هذه المنظمة خاصة بعد ان اعتمدت دولياً اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي NPT – الاتفاقية التي بدأ التوقيع عليها في العام 1968 بقصد “منع انتشار الأسلحة النووية التي تهدد السلام العالمي ومستقبل البشرية”. وتضمنت ما حمل معظم دول العالم على المسارعة إلى توقيعها خاصة وانها ضمنت للدول المنضمة اليها:
ـ الحق بالتقنية النووية للاستعمال السلمي للطاقة،
ـ واجب الدول النووية بمساعدة الدول غير النووية في مسعاها إلى امتلاك التقنية للاستعمال السلمي،

ـ حظر تهديد اي دولة غير نووية او مهاجمتها بالسلاح النووي من قبل دولة نووية،

ـ حق الدولة المهددة او المعتدى عليها نوويا ان تطلب المساعدة من دولة نووية لدفع التهديد والعدوان عليها.

وبعد ان اكتمل توقيع الدول النووية الخمس للمعاهدة في العام 1992 (تاريخ توقيع الصين وفرنسا)، كان جهد عالمي لحمل باقي دول العالم على التوقيع، وكانت استجابة للسعي، الى ان وصل عدد موقّعي الاتفاقية حالياً الى 170 دولة، لكن “اسرائيل” امتنعت عن التوقيع، وما زالت. وهنا طرحت الاسئلة حول اسباب هذا الامتناع خصوصاً أن “اسرائيل” هي جهة تمتلك سلاحاً نوويا وتمارس حياله سياسة الغموض النووي، السياسة التي بمقتضاها لا تنفي امتلاكها للقنبلة الذرية – بل تلمح صراحة او ايحاء الى امتلاكها القدرات النووية كما فعل بيريز واولمرت مؤخرا – كما انها لا تكشف عما لديها من رؤوس نووية ولا تسمح بتفتيش منشآتها من قبل وكالة الطاقة، مع ان المتسرب من المعلومات يشير الى ان “اسرائيل” تملك في الحد الادنى 80 رأسا نووية جاهزة للاستعمال على ما جاء في التقرير السنوي لمعهد السلام العالمي في استوكهولم في العام 2009، وانها تملك 250 راسأ على ما تتناقل تقارير اجهزة الاستخبارات الدولية غربية او سواها.

لقد طرح امتناع “اسرائيل” عن توقيع المعاهدة الكثير من علامات الاستفهام حول نواياها في المجال الذري، فاذا كانت تخشى من تهديد نووي مثلا فإن المعاهدة تعطيها الحق بطلب المساعدة من دولة نووية للدفاع عنها، خاصة وان لها ثلاثة اصدقاء او حلفاء استراتيجين من بين الدول النووية (اميركا وبريطانيا وفرنسا) اذن لا يمكن ان نجد في الخوف من السلاح النووي مبررا لعدم التوقيع. واذا كانت تريد الاستعمال السلمي فإن المعاهدة تضمن لها ذلك، ويبقى امران يبدو ان “اسرائيل” تتوخاهما من عدم التوقيع: التهديد بالسلاح النووي من اجل الضغط السياسي، والاستعمال النووي ضد دولة لا تملك هذا السلاح وهو ما تمنعه الاتفاقية. ولأن لـ”اسرائيل” من النفوذ والحلفاء في الساحة الدولية ما يمكنها من الصمود امام الضغوط فقد استطاعت حتى الآن ومنذ اربعة عقود التفلت من التوقيع والاستمرار في سياسة الغموض.
ولكن مستجدا طرأ في الآونة الاخيرة، بعد ان اطلق باراك اوباما الرئيس الاميركي استراتيجيته النووية الجديدة، التي اتبعت عالميا بدعوة الى نزع السلاح النووي من العالم بشكل عام، وان يكون البدء بشكل خاص من الشرق الاوسط – المنطقة الاخطر والاكثر خصوصية في العالم من حيث موقعها الاستراتيجي وجغرافيتها السياسية ومدى تأثيرها في الامن والسلام العالميين – هنا وجد من يرى في امتلاك “اسرائيل” للسلاح النووي تهديدا له ولأمن المنطقة ولأمن العالم برمته، وجد هؤلاء ان الفرصة باتت مناسبة لفتح الملف النووي “الاسرائيلي”، وان يكون ذلك -اي فتح الملف – من باب دعوة “اسرائيل” الى توقيع معاهدة حظر الانتشار، لتبدأ بعد ذلك فرق التفتيش الدولي العمل في مواقع “اسرائيل” النووية للتحقق، او لحملها على التخلي عن هذا السلاح.

لقد اختار المعنيون منصة وكالة الطاقة الدولية لاتخاذ قرار يدعو “اسرائيل” إلى توقيع الاتفاقية، وقدموا مشروع قرار بذلك، وهنا كانت الفضيحة في الموقف الذي اتخذ في اجتماع وكالة الطاقة النووية الدولية الاخير حيث كان تصويت بالاكثرية ضد هذا الطلب، اي ان الوكالة رفضت دعوة “اسرائيل” الى توقيع المعاهدة، ورفضت اخضاع “اسرائيل” للنظام العالمي الذي يحظر انتشار السلاح النووي، وقد كان لاميركا وللدول الاوربية الدور الاساس في اجهاض المحاولة ومنع اتخاذ الوكالة مثل هذا القرار. وهنا تطرح اسئلة عدة حول صدقية ما يسمى “المجتمع الدولي” في تحركه لتطبيق اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي، خصوصاً اننا نرى ونتابع حالتين متناقضتين في موضوع واحد: ايران و”اسرائيل”، حيث ان “اسرائيل” ترفض الضغط عليها لتوقيع المعاهدة ولا تحرك الوكالة الدولية ساكنا تجاه ملفها النووي وهو عسكري حربي، اما ايران التي وقعت المعاهدة بشكل طوعي، ووقعت البروتوكول الملحق بها، وفتحت منشآتها النووية للتفتيش الدولي الذي تنفذه وكالة الطاقة الذرية، تفتيشاً لم يسجل فيه ان ايران خرجت على قواعد الاتفاقية، فانها رغم كل ذلك تبتز وتلاحق في مجلس الامن وتفرض بحقها العقوبات الدولية للمرة الرابعة على التوالي وتهدد بالمزيد، كل ذلك من اجل ظن ما، ومن غير دليل، ظن بأن لإيران نوايا في امتلاك السلاح النووي.

مع هذا المشهد حيث التناقض الفاضح في السلوك، وعطفا على اسئلة كثيرة تطرح نرى ان سقوط مشروع قرار دعوة “اسرائيل” إلى توقيع معاهدة حظر السلاح النووي يؤكد ما يلي:

1) ان وكالة الطاقة النووية ليست هيئة دولية نزيهة وعادلة، وليست صادقة في ما تعلنه من اهداف لجهة منع انتشار السلاح النووي في العالم بغية حفظ الأمن والسلام، انما هي جهاز دولي تسيره منظومة ما يسمى “المجتمع الدولي” بقيادة أميركية، وغايتها الحقيقية ابقاء السلاح النووي حكرا على الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ومنها الى حلفائها او من ترضى عنه ويلتحق بها، كما هو حال باكستان والهند و”اسرائيل”. اما من لا يسير في فلكها، فيمنع من السلاح وكذلك من الطاقة والتقنية النووية حتى ولو كانت للاستعمال السلمي. ان امنتاع الوكالة عن دعوة “اسرائيل” إلى توقيع اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي، لم يسقط مشروع القرار فحسب، بل اسقط صدقية الوكالة ذاتها وعراها امام الراي العالم الواعي والمتجرد.

2) ان سقوط مشروع القرار الذي قدمته الدول العربية، فضح علاقة هذه الدول بأميركا، خصوصاً ما يتعارف غربيا على تسميته بـ”الدول المعتدلة” وهي في الحقيقة “الدول المرتهنة لأميركا”، واظهر هذا الدول مجرد كيانات هشة لا وزن سياسياً او استراتيجياً لها في الميزان الاميركي عندما تكون “اسرائيل” في الكفة الاخرى من الميزان، فحليف أميركا هنا هو “اسرائيل” اما العرب المرتمون في الحضن الاميركي، فهم أدوات.

3) ان سقوط مشروع القرار المنوه عنه يعني ان اوباما غير جاد في استراتيجيته، كما ان ما اطلق من وعود بشان نزع السلاح النووي من العالم هو سلوك كاذب يقصد منه فقط الخداع وان ما يقصد بالضبط هو نزع سلاح الخصم او منع الخصم من امتلاكه اما الحلفاء فلا يسري عليهم الامر.

4) ان تبرير الموقف الاميركي بخدمة المفاوضات بين السلطة الفلسطنينة و”اسرائيل” والحرص على السلام في المنطقة امر فيه من الخطورة ما لا يستهان به، حيث انه يفسر وببساطة ان لاسرائيل الحق بالضغط بالسلاح النووي والتهويل به على الاقل حتى يسلم لها على طاولة التفاوض ما تريد من مصالح حتى ولو كانت هذه المطالب حقوقا ثابتة للغير، فالمهم غربيا واميركيا مصلحة “اسرائيل”. وهنا نتذكر ما جاء في مؤتمر هرتزيليا التاسع الذي اوصى “اسرائيل” برفض اي تقييد لها في المجال النووي والاستعداد لاستعمال القنبلة النووية التي تمكلكها عندما تعجز الاسلحة التقليدية عن دفع الخطر المهدد بزوال الدولة، او عندما يكون العدو قد شارف او امتلك قنبلة نووية او سلاح دمار شامل.

5) ان في رفض الوكالة الدولية فتح الملف النووي “الاسرائيلي”، واقدامها على منح حصانة دولية مضمرة له، دعوة واضحة للقوى والهيئات التي لا تنضوي تحت الراية الاميركية تحالفا او تبعية إلى عدم الاتكال على المنظمات الدولية لرعاية مصالحها وملاحقة خصومها وان المبادرة المستندة الى القوة هي وحدها التي يعول عليها في الدفاع عن المصالح الوطنية والقومية والانسانية لتلك الجهات. وهذه رسالة موجهة تحديداً، وخصوصاً، الى ايران التي عليها ألا تنتظر عدلا او نزاهة من وكالة الطاقة او من مجلس الامن لحماية ملفها النووي السلمي، بل ان الحماية هذه لا تحققها الا قوتها الذاتية وقوة تحالفاتها الصادقة.

:::::

نشر المقال في جريدة البناء اللبنانية، 29افتتاحية العدد 29/9/2010

الرابط:

http://www.al-binaa.com/newversion/article.php?articleId=12820