لماذا يجب أن ندفن أنكيدو (الحلقة الاولى)

(مؤتمر التمويل الدولي، التنمية وتشكيل الحيز الفلسطيني)

(مركز دراسات التنمية/جامعة بير زيت، 27-28 أيلول 2010)

عادل سمارة

ملاحظة: ليس غرضي من هذا الجدل الساخن تصحيح مسار ولا ترميم نفسية أيٍ ممن تمول من الأجنبي، سلطة، حزب، مؤسسة، فرد. كل ما أتمناه ان يقرأ الجيل الجديد النظيف هذا ليعرف أنه عليه أن يبدأ من جديد.

يلفتك تماماً اسم المؤتمر حيث يجمع بين دور وسياسات الراسمالية بمفاهيم اللبرالية الجديدة في حقبة العولمة الحالية، من حيث دور المركز في تمويل بلد يخضع لاستعمار استيطاني، وبين التنمية. اي تسمية هذا التخريب التمويلي للبنية تنميةً، وكل هذا على ضوء تشكيل وإعادة تشكيل متواصلة للحيِّز. وهذا لا يفتح وحسب بل يرتكز على الجغرافيا من منظور مركَّب هذه المرة: الجغرافيا بمفهوم الفضاء المكاني من مدخل ماركسي، الاقتصاد السياسي والمستوى الثقافي.

في مساهمته النظرية تمكن ديفيد هارفي من الحفر عن مساهمات هنري ليفيفر في إعادة إنتاج الحيز في ظل الراسمالية، هذا بعد أن اهالت التحريفية السوفييتية على ليفيفر أطنان تراب. وصلت مساهمة هارفي في الحيز في ظل الراسمالية إلى حفز وحث وتطويع الحيز لمفهوم الاشتراكية، وبهذا رفع هارفي الجغرافيا من نطاق السيطرة والهيمنة الراسمالية مجسدة في الجغراسيا ) الجيوبولتيتك ل ماكندر وغيره)، إلى المستوى الاجتماعي الاقتصادي بمنظور الاقتصاد السياسي.

في هذا المستوى. وبدوره قام مفيد قسوم الذي عمل في مركز دراسات التنمية قبل بضع سنوات، في أطروحته [1]الموجودة في مركز دراسات التنمية الذي بادر بالمؤتمر، قام بتطبيق مفاهيم غرامشي[2] لفهم إنتاج الحيز الفلسطيني تحت أو في ظل حقب مختلفة من العولمة مع تركيز على الفترة الحالية في ظل اللبرالية الجديدة. فهو يجادل بأنه في هذه الفترة من توسع راس المال في الفضاء الفلسطيني كان لا بد من تحكم شديد في مختلف الأبعاد عبر أدوات مختلفة منها التمويل/المساعدة الأجنبية بما هو إحدى أدوات الإهلاك/التذويب/الشطب (الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي) للفضاء الفلسطيني. وهذا برأي قسوم اشترط إعادة هندسة من أعلى (السلطة السياسية للحكم الذاتي) ومن الأسفل (المجتمع المدني منظمات الأنجزة والمثقفين) هذا إلى جانب دور الكيان الصهيوني في إعادة هندسة الحيز بقضم الأرض مرتبط بكون التمويل الأجنبي قد خفف عنها عبء إدارة الأرض المحتلة. وقد عالجت إعادة الهندسة في مقالة في كنعان الإلكترونية مؤخرا (العدد 2345 في 15 ايلول 2010). بيت القصيد هنا أن التمويل كإحدى آليات أو زيت محرك إعادة الهندسة يفتح بالضرورة على التطبيع بمستوياته السياسية والمدنية والطبقية والأسرية والفردية وصولا بالبلد إلى حالة الفلتان فيصح ارتباط كل فرد بمفرده بالأجنبي كمرجعية بل كآمر في التفاوض والتوظُّف وتمويل مشاريع الخدمات والمناطق الصناعية والكليات الجامعية والبعثات التعليمية…الخ.

ما كان يجب أن يغيب دور الكيان الصهيوني الإشكنازي عن العنوان، ربما من أجل الحصر وعدم التوسع، لأن كل ما أحاط بفلسطين كحيِّز منذ أن طرح مارتن لوثر إقامة دولة يهودية في فلسطين في القرن السادس عشر وحتى غدٍ (وإن غداً لناظره…بعيد)، فهذا الكيان بدوره الوظيفي لراس المال هو العامل الأساس وراء ما حل بفلسطين من خراب ومن ضمنه التمويل الدولي. أليس هذا المؤتمر وجبة مشهية للقَلِق على الوضع الفلسطيني!

أولاً: ملاحظة في إسم المؤتمر

جغرافيا التمويل المقصودة لا يمكن تسميتها فلسطين وإنما الأرض المحتلة 1967 (سأسميها الاحتلال الثاني أو اوسلو- ستان[3]). فطالما يتحدث المؤتمر عن الحيِّز لا بد من الدقة حيِّزياً إن لم نقل سياسياً /قومياً. والسؤال هنا: لماذا تمويل أوسلو ستان. فما أكثر فقراء العالم وما أكثر من هم أفقر من أوسلوستان. ولماذا التمويل الأجنبي لأوسلو-ستان، وهناك الثراء العربي الذي لا يُحوج اوسلو ستان للتمويل الأجنبي بما هو تمويل من دول خلقت وما تزال منحازة للصهيونية وعدوة للأمة العربية بوضوح (نحترمه عليه لا على غيره)؟

الغرض والمغزى من هذا التمويل هو توفير رافعة تمويلية لأهالي أوسلو-ستان تساعد على الأشكال المتعددة والمتواصلة لإعادة هندسة هذا المجتمع بحيث:

· يعتمد على ريع/سيولة مالية من الخارج تتجلى في أجهزة بيروقراطية هائلة بما يُبعد قوة العمل عن كل من:

ـ الإنتاج (العمل الزراعي خاصة في الأرض بما هي بؤرة الصراع)

ـ والمقاومة، بما هي قوة الصراع.

· يؤدي توفير السيولة (التي لم تنتج عن عمل إنتاجي) إلى تعميق الاستهلاكية لدى المتلقين حسب درجاتم/مراتبهم في التلقي، ويصبح هؤلاء “نموذجاً” يحاول الأقل تلَقِياً اللحاق بهم فتسود ظاهرة الاستهلاكية دون إنتاج، مما يجعل كل مواطن حالة رخوة هشة تبحث هي عن من يشتريها. والشراء هنا هو شراء دورها في الإنتاج ليصبح دورها في الوظيفة المغطاة تمويلياً من الأجنبي/العدو، وشراء دورها في المقاومة[4].

· يتم خراب الأرض بالإهمال ناهيك عن المصادرة، وهذا الخراب يقود إلى

ـ تراجع الدافعية النضالية عن أرض مهملة حيث لم تعد مصدر رزق

ـ تقل مساهمة الإنتاج الأهلي الإجمالي في تغطية الاستهلاك الأهلي الإجمالي مما يزيد التبعية للموِّلين ويزيد المعروض البشري للشراء.

ثانياً: التنمية

يُعيدنا استخدام مصطلح التنمية في الحالة المعطاة إلى تفحُّص السياسات الاقتصادية لدى الفلسطينيين سواء تلك التي لمنظمة التحرير (المنظمة) أو للحكم الذاتي. والحقيقة أن المؤسستين لا علاقة لهما من قريب او بعيد لا بالتنمية ولا بالتخطيط الاقتصادي حتى لأهداف سياسية، هذا رغم أن مصطلح التنمية دارج في الأرض المحتلة مثل الكثير من المصطلحات التي راجت دون قراءة نظرية حقيقية ودون أن نرى لها تجسيداً على الأرض.

لقد أُتخمت المنظمة بالتمويل الكمبرادوري العربي الناجم عن الريع النفطي منذ 1967 وربما قبل ذلك، ولم يتم التفكير قطعياً بأي عمل إنتاجي في الأرض المحتلة، وفي افضل الحالات جرى الاستثمار في أماكن مختلفة من العالم في مشاريع لا يعرف أحداً عن شفافيتها ولا مآلها، وذلك طبعاً تحت غطاء السرية لأنها لمنظمات مسلحة. وحين تحول بعض التمويل من المنظمة إلى الأرض المحتلة اتخذ أشكالاً غير تنموية. اي تحويلات لأفراد لينفقوا على تنظيماتهم أو رِشى لقيادات. وحتى التمويل عبر جبهة الصمود والتصدي فكان بنفس الطرق السرية حفاظاً على الأمن ولكنه فتح مجالاً هائلا للسرقات. مما جعله تدريباً على تلقي الأموال واعتبارها حظوة خاصة بهم مهما كان مصدرها.

لقد كرست هذه الظاهرة لدى كوادر المنظمة قناعات بأنهم موظفينن وبأن للنضال مكافآت وتقاعدات سواء آل النضال إلى النصر أو الهزيمة[5]! وربما يكمن في هذا الوصف الحقيقي للمشروع السياسي للمنظمة، وهو المشروع الكسيح الذي حين تأكدت قيادته ومثقفيه أن تحرير فلسطين ليس بوسعهم لجأوا للتحول إلى قيادة بديلة كما طالبت “إسرائيل” وإلى الحكم الذاتي دون وخزة ضمير[6].

وحين تم إرجاع قيادات المنظمة بنوعيهم (القابلون بأوسلو علناً والرافضون لأوسلو شكلاً) تم ذلك على يخت ضخم من الأموال الهائلة لتأصيل ثقافة الاستهلاك والرشى والفساد وعدم الإنتاج وهو ما قاد إلى خلق أجهزة بيروقراطية مدنية ومخابراتية وشرطية اضخم من حاجة البلد. وعليه، سادت القاعدة غير المعلنة: طالما السيولة متوفرة فلا حاجة لأية سياسة تنموية، ويكفي إقامة اقتصاد الانفتاح والفساد المنفلت. الانفتاح طبقاً لوصفات البنك الدولي المميتة والفساد المنفلت الناجم عن شعور قيادة الحكم الذاتي أن الأموال المتدفقة هي:

· ريع مالي نقدي مقابل سياستها في الاعتراف بالكيان والاكتفاء بأوسلو-ستان.

لذلك وجدت نفسها داخلياً/محلياً في غنىً عن تبني اية سياسة تنموية وحتى في غنى عن وضع سياسة اقتصادية لإدارة الاقتصاد المحلي. وقد تكون في هذا السياق معذورة لأن أموال المانحين كانت ولا تزال موجهة استعمارياً/ كولونيالياً، بمعنى أن توزيعها على بنود الميزانية كان دائما بإشراف المانحين أو بإيحاء منهم وفي أحيان معينة قام ويقوم المانحون بإنفاق المنحة على مجال إنفاق يتحكمون هم به : مثلا ألمناطق الصناعية أو منظمات الأنجزة التي تتمول منهم. ويمكن لمن أراد قراءة هذه المسألة العودة إلى ميزانيات سلطة الحكم الذاتي ليجد بند التطوير وحتى حصص قطاعات الإنتاج تافهة مقارنة مع الأمن والأجهزة البيروقراطية. والأمن ليس بمعنى جيش لمقاومة الاحتلال والبيروقراطية هي أجهزة متضخمة بأكثر من حاجة البلد.

من هنا، كان سؤالنا في المؤتمر المذكور : على ماذا بنت سارة روي، الباحثة في جامعة هارفرد الاميركية، مصطلحها De-Development (اللاتنمية) وهو اصطلاح يفترض وجود سياسة او استراتيجية تنموية ولكنها لم تنجح أو لم يتم تطبيقها.

وهكذا، عاشت أوسلو-ستان، دون خطة اقتصادية ناهيك عن سياسة تنموية اصلاً. ولكي لا نقع في الخلط، فهذا الأمر من صنع ايدي القوى السياسية، وليس القطاع الخاص، وإن كان دور هذا القطاع إما:

· سالبا بمعنى أنه لم يكن معنيا بالاستثمار الإنتاجي تحديداً.

· انتهازيا بمعنى أنه تحالف مع السلطة والمانحين وحصل على دعمهم وحظوة الأولوية دون ان يلعب دوراً إنتاجياً.

· متعاونا اي تعاون مع الاحتلال، على سبيل المثال إقامة مجلس اقتصادي مشترك (مجلس الأعمال الإسرائيلي الفلسطيني) مع البرجوازية الصهيونية.

وسياسة الانفتاح والفساد المنفلت هي من صنع القوى السياسية التي شكَّلت المنظمة وجيىء بها للأرض المحتلة بثقافة تلقي المساعدات دون تسجيل او محاسبة باسم او بمبررات العمل السري والمسلح، وواصلت العمل في أوسلو-ستان بنفس المنهج. وقد توزع تمويل هذه القوى على مستويين أو مصدرين:

· السلطة حركة فتح بشكل خاص: وهي متمولة من المانحين بشكل رسمي. وقد ضمت في أجهزتها أعدادا من القوى الأخرى وخاصة قيادات هذه القوى.

· اليسار وتم ولا يزال تمويله من منظمات الأنجزة.

ثالثاً: الحيِّز

يقصد عنوان المؤتمر بالحيز الفلسطيني، الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا ليس دقيقاً، إنما هو تساوق مع إعادة هندسة الوعي والذاكرة السياسية/الوطنية الفلسطينية والقومية العربية لتصبح فلسطين إسرائيل وبقاياها فلسطين! يعود تفكيك ومن ثم تدمير الحيز الفلسطيني إلى ستينات القرن التاسع عشر، اي مع موجات الاستيطان اليهودي في فلسطين، ومن ثم الموجات الخمس الممأسسة للاستيطان (أولاها بدأت عام 1882 وأُخراها انتهت عام 1939[7]) وهو الاستيطان الذي وصل قمته الأولى 1948 والثانية 1967، وانحدر مؤشره مع الانتصار المغدور عليه في حرب 1973 والهزيمة الفعلية عام 2006 على يد حزب الله والمقاومة اللبنانية وأخيراً العجز عن اقتحام غزة 2008-09).

وتدمير الحيز بالمعنى الجغرافي المحدود في الحالة الفلسطينية تدمير لا يتوقف لأنه راكب على المشروع الاستيطاني الذي لا ينتهي. وهو ما نلاحظه حتى اليوم في تفشي الاستيطان في الضفة الغربية سواء بالمصادرة المباشرة أو بالقضم التدريجي. وهذا نتاج تجربة طويلة اتخذت اشكالا متقلبة طبقا للمرحلة، اي من احتلال 1948 والطرد المفتوح إلى احتلال 1967 الذي ترتب عليه خروج مئات الآلاف مخافة الطرد وصولا إلى الطرد الناعم اي الإزاحة فالانزياح الذاتي[8].

في هذا المستوى تجدر الإشارة إلى أن الإحتلال بعد هزيمته 2006 بدا بالاقتناع باهمية الاستيطان لالتهام كامل الحيز الفلسطيني طالما تبدَّت له محدودية فرص توسع المشروع الصهيوني خارج فلسطين. وهذا ما يتضح في تركيز الجهد لإزاحتنا وانزياحنا من جهة والإصرار على الاستيطان ويهودية الدولة من جهة ثانية.

لكن لتدمير الحيز الفلسطيني تمظهرات أخرى لا تقل أهمية وهي تدمير الحيز النضالي عبر إعادة الهندسة بالتمويل الذي يُشغِل عن العمل والإنتاج. لذلك نرى كيف تراخت شعارات ومن ثم ممارسات قوى المنظمة إلى الحديث عن المقاومة الشعبية (بمعنى سلمي) بدل حرب الشعب طويلة الأمد. وتبلورت قوات مسلحة لتصفية بؤر الكفاح المسلح، واصبح التطبيع هو نمط الحياة اليومية للناس[9].

وقد امتد هذا للساحة الثقافية حيث انبرى كثير من المثقفين للدفاع عن التطبيع واحتضان المطبعين، وتراوحت المواقف بين مدافع عن التطبيع علناً وآخر سراً، وبين من ينقد الترويج للتطبيع ولكنه يرفض توقيع عريضة تقف بحسم ضد التطبيع[10]. وتحول مثقفو المنظمة/التسوية أي التطبيع إلى فريقين: فريق يدعم التفاوض المباشر وفريق يدعم التفاوض غير المباشر، وانقسم كل فريق من داخله، فريق يدعم رئيس السلطة محمود عباس وفريق يهاجمه بشراسة ويمتدح رئيس الوزراء سلام فياض، وربما كان الانقسام الأخير هذا طبقا لأين يتوفر مصدر التمويل.

وهناك تدمير الحيِّز الذاكراتي الفلسطيني بدءاً بالاعتراف بالكيان الصهيوني الإشكنازي مما يعني أن فلسطين لم تعد سوى أجزاء من الضفة والقطاع، وأن النضال من أجل حق العودة قد انتهى للنضال من اجل إعادة توحيد ما يسمى (شطري الوطن، اي غزة ورام الله) والإجهاز على البعد القومي انتماء وثقافة وضرورة نضالية لصالح كيانية قطرية في الضفة والقطاع…الخ.

ولعل اللافت أن المؤتمر لم يحتو أوراقاً جدية تناقش تدمير و/أو احتلال الحيّز. الأكاديمي في الضفة والقطاع، فهناك كليات باكملها تابعة لدول عدوة مثل فرنسا والنرويج وبريطانيا، وهناك سلسلة معاهد تحيط بالجامعات كحزام ناسف للمستوى الأكاديمي وكل معهد تحتضنة دولة غربية لها أجندتها حتى المعلنة، وكل ذلك التفريط في المستوى والتوجه الأكاديمي من أجل الحصول على التمويل. هذا ناهيك عن الاحتواء الأكاديمي بالمنح والبعثات [11] التي يجري تنسيقها من الجامعة الأميركية في القاهرة لإرسال مبعوثين مبعوثات إلى جامعات كثيرة في الغرب المعادي كراسمالي، ناهيك عن بعثات أميركية مباشرة من خلال فورد فاونديشن[12]. قد تكون خطورة اختراق الحيز الثقافي/الفكري/الأكاديمي هو الأخطر لأنها استثمار في مستقبل الإنسان الذي سيلعب دوراً ثقافيا لعقود مقبلة. كان هذا ما عملت عليه بريطانيا في خمسينات القرن الماضي لاحتواء المتعلمين فيها من الأفارقة الذين كانت تتوقع ان يكونوا قادة وقد حصل!


[1] Global Dialectics in the Production and Reproduction of Palestinian Space Under the various Phases of Globalization. PhD Dissertation, University of Chicago Illinois, 2004 غير مطبوعة

[2] تضمنت ورقة السيد جميل هلال في اليوم الأول حديثاً تعميمياً عن المجتمع المدني ابتعد جداً عن جوهر مفاهيم غرامشي وهو الابتعاد الدارج في الأرض المحتلة حيث يعرض نظرية غرامشي في المجتمع المدني كنظرية إصلاحية توسطية بين السلطة والمجتمع مع أن جوهر نظرية غرامشي هي هدم قلعة السلطة وصولا إلى سلطة الطبقات الشعبية.

[3] بدأ التمويل الأجنبي في الاحتلال الثاني منذ 1975 أي بعد أن بدأت منظمة (نوفيب) الصهيونية الهولندية بتمويل الملتقى الفكري العربي بالقدس، وكانت هذه فاتحة رقص الشياطين التي ليس آخرها صفقات بين أفراد ودول ومؤسسات مانحة!

[4] تعرض الشعب الفلسطيني لجولات من الشراء بالمفهومين أعلاه. شراء قوة العمل الفنية بعد تشريد عام 1948 حيث جرى التهجير الكفاءاتي والفني إلى الخليج العربي، والشراءات في أعقاب الاحتلال الثاني 1967 حيث فتح الكيان ابوابه لقوة العمل الفلسطينية لتشتغل هناك بأجور أعلى. وبعد اتفاق اوسلو يتم الشراء الثالث.

[5] كتب احد مثقفي مرحلة المنظمة والحكم الذاتي قبل بضعة أشهر يطالب بزيادة تقاعده لأنه كان مناضلاً، دون أن يتنبه إلى ان الثوريين لا يتقاعدون لا نضالياً ولا مالياً وأن النضال ليس وظيفة سوى في منظمة التحرير التي تعطي تقاعد ومكافأة خدمة! مثل هذا الاحتجاج، وكان حاداً وحاراً يدل على تأصُّل النزعة الاستهلاكية والاعتقاد بأن أوسلوـ ستان هي دولة مستقرة تمول ذاتها ولذا يجب زيادة تقاعد رعاياها حتى لو كان المال من أعداء الوطن. ولكن حين يكتب إمرىءٍ هكذا، فهو يعكس تربية وبنية المنظمة ويتفهم ما آلت إليه!

[6] في كتابي الراسمالية الفلسطينية: من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال الصادر عن مركز الزهراء 1991 ص 294، اشرت إلى قبول قيادة المنظمة بأن تكون قيادة بديلة كما يريد المحتل: لقد لاحظت باكراً هذا التحول واستبدال الدور من المقاومة إلى المساومة فكتبت : “… وبهذا فقد تحولت القيادة البرجوازية للمنظمة نفسها إلى قيادة بديلة لنفسها “السابقة”. فلم ترد إسرائيل من القيادة البديلة التي تحدثت عنها طوال فترة الاحتلال إلا الاعتراف، وقبول الشروط الإسرائيلية في التسوية وكل هذا قبلته قيادة المقاومة الفلسطينية.

[7] انظر عادل سمارة،الاقتصاد السياسي للصهيونية : المعجزة والوظيفية، فصل استجلاب “شراء” المستوطنين: مستوطنة لا تمتلى ص ص82-101078، منشورات مركز المشرق/العامل للدراسات الثقافية والتنمويةـ 2008.

[8] انظر مقالة عادل سمارة، من الطرد للإزاحة فالانزياح الذاتي، في مجلة “كنعان”، العدد 94 كانون ثاني 1999، ص ص 87-101..

[9] سيصدر قريباً كتابي: التطبيع يسري في دمكَِ: عن دار أبعاد في بيروت، كدراسة ضافية لهذه الإشكالية.

[10] جرى في مسرح القصبة في رام الله توزيع بيان على الحضور يطلب من المثقفين/ات الفلسطينيين توقيعه لإقناع المثقفين العرب للقدوم إلى الأرض المحتلة. بعض المثقفين كتب يرفض البيان، لكنه رفض توقيع عريضة ضد التطبيع بالمعنى الفعلي!

[11] من يدري إن كانت هناك صفقات بين طالب المنحة وبين من يُعطيه؟ قلما يتحدث الممنوحون عن ما يدور في تلك المقابلات، صديق قديم واحد روى لي ذلك: وهو لا شك اصدق ممن لا يقولون شيئاً! من يعرف علاقات الأنجزة يعرف ان ممثلي منظمات الأنجزة يأخذون عمولات على تسيير منح معينة، فهل ينحصر هذا فقط في الأكاديميا؟ كان محمد علي يرسل مع المبعوثين على حسابه وليس على حساب فرنسا قوميسار ثقافي سياسي ديني للحفاظ عليهم، أين نحن من هذا؟

[12] نحيل القارىء عنا على مقالة طويلة ومميزة ل تشسودوفسكي:

Michel Chossudovsky: “Manufacturing Dissent”: the Anti-globalization Movement is Funded by the Corporate Elites. Global Research, September 20, 2010

URL of this article: www.globalresearch.ca/index.php?context=va&aid=21110