الثقافة والأزمة الطائفية

د. أحمد الخميسي

ما أن تلوح بوادر أزمة طائفية في مصر أو تشتد هجمات التيار السلفي حتى يتردد بقوة شعار” التنوير هو الحل “. ولكن التنوير عند أصحاب ذلك الشعار يظل عملية متعلقة بتغيير الفكر، وليس بتغيير الواقع الذي يغذي ويخلق المفاهيم الفكرية، والتعصب، والعيش في كهوف الماضي، ونفي الطرف الآخر، والتحجر داخل ثقافة واحدة، والسير في الشوارع بالشباشب البلاستيك والجلابيب الباكستاني دون أن يمنع ذلك استخدام التلفزيون الكوري والسيارة اليابانية والكومبيوتر الصيني والموتوسيكلات الهندي!

وعند أصحاب شعار ” التنوير هو الحل ” يكفي لحل الأزمة أن ننشر الكتب! ونشر الكتب مطلوب وضروري، لكن القضاء على البطالة هو – في اعتقادي – عمل تنويري حقيقي، والتصدي للتفاوت المرعب في الدخول عمل تنويري حقيقي، وبناء المساكن للشباب بأسعار مناسبة عمل تنويري حقيقي، لأننا بكل ذلك نستأصل جزءا من جذور الأزمة التي تنتعش في ظلها كل مفاهيم التخلف، وحين نقوم بشيء من هذا ستتمكن الكتب من مساعدتنا. أما محاربة الفكر بالفكر فهي معركة تقريبا خاسرة، لأن التيار السلفي أقوى وأكثر انتشارا ويعتمد على مرتكزات فكرية أسهل في الفهم والتعامل. ومع ذلك دعونا ننظر إلي شعار ” التنوير هو الحل ” – باعتباره الأمر المتاح – وكيف يمكن تطوير تأثيره. في هذا المجال سنجد أن عمل وزارة الثقافة ومؤسساتها يقتصر على نشر الكتب، والمؤتمرات، والندوات، ويقتصر معظم ذلك النشاط على القاهرة. في رشيد مثلا لا يجد الكتاب والمثقفون الشباب كتب هيئة الكتاب ويضطرون من أجل الحصول عليها للسفر إلي الإسكندرية.

ولا تستطيع وزارة الثقافة التي تحكمها عقلية الموظفين أن تفكر في الحاجة الماسة إلي مسارح متنقلة في الشوارع حتى داخل العاصمة، مسارح صغيرة بنصوص قصيرة تتنقل من منطقة لأخرى وتقيم هياكلها في الشوارع وتقدم عروضها؟ وتعيد لأذهان الناس في تلك العروض قصصا مثل قصة الأب جرجيوس ومواقفه العظيمة من الوحدة الوطنية؟ وتعيد للناس حكاية وتاريخ وكفاح سلامة موسى؟

لا تستطيع عقلية الموظفين أن تعقد مؤتمرا مصغرا للكتاب ليكتبوا لتلك الفرق نصوصا عن العلاقات التي صهرت الشعب المصري أقباطه ومسلميه في وحدة تاريخية واحدة؟ وأن تدعو كتابا مثل بهاء طاهر والبساطي والمخزنجي والغيطاني لكتابة نصوص لتلك المسارح؟

لا تستطيع عقلية الموظفين – بدلا من إنفاق مليون جنيه على سندويتشات المؤتمرات – أن تنشيء مسارح عرائس صغيرة، وتتحرك بها في أزقة السيدة زينب، وباب اللوق، وشبرا، لا تستطيع عقلية الموظفين أن تدخر مما ينفق على سفر الضيوف ومصروفات الفنادق شيئا لتقيم لنا في كل حي كشك موسيقى؟ يعزف للناس ألحان سيد درويش ومحمد عبد الوهاب والسنباطي وكمال الطويل؟

لا تستطيع عقلية الموظفين أن تدعو بعضا من كبار نجوم السينما والتلفزيون لدينا لجولة في الأحياء الشعبية يؤكدون فيها على أن الوحدة الوطنية هي مصير مصر ومستقبلها؟ ويذكرون البسطاء بشعار ثورة 19 : ” الدين لله والوطن للجميع “؟

ولا يخطر لوزارة الثقافة أن تنشر شاشات عرض في الميادين تعرض عليها مجانا الأفلام التي رسخت مفهوم الوحدة الوطنية؟

كلا.

لا تتحرك الجهات الحكومية وفي مقدمتها وزراة الثقافة لمواجهة الثقافة التي تعيد إنتاج الأزمة الطائفية، بل إن تلك الجهات لم تعقد حتى مؤتمرا للنظر في كيفية المواجهة الثقافية للأزمة. وإذا لم يكن لوزارة الثقافة أن تقوم بدورها خلال أزمة طائفية كتلك التي نمر بها، فأي دور يرجى منها؟ ومتى؟

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

( *