التقسيم الامبريالي لاوروبا

جورج حداد*

منذ حوالى 21 سنة، في اوائل تشرين الثاني 1989، تم هدم جدار برلين بطريقة كرنفالية هوليودية، وفي الاشهر اللاحقة تم الضم القسري لالمانيا الدمقراطية السابقة الى المانيا الفيدرالية (الغربية) الوريثة التاريخية “الدمقراطية” لالمانيا الهتلرية، وتم هذا التوحيد بدون اي برنامج مسبق، وبدون الاخذ بالاعتبار ارادة ومصالح الجماهير الشعبية الكادحة في جمهورية المانيا الدمقراطية السابقة. ومع تخلي القيادة الغورباتشوفية الخائنة عن التزامات الاتحاد السوفياتي السابق، فإن آلة القتل الاطلسية والجيش الالماني الغربي (الهتلري بلباس اميركي) كانا جاهزين لارتكاب المجازر، ضد اي حركة معارضة في المانيا الشرقية السابقة، تحت قرع طبول “الدمقراطية” الغربية.

واعتبر هدم جدار برلين رمزا لنهاية “الحرب الباردة” ولاعادة توحيد المانيا، ومن ثم لاعادة توحيد اوروبا. وتم ضم اوروبا الشرقية بالقبضة الحديدية للاطلسي، المغلفة بقفاز مخملي. وهناك حيث ظهرت بعض الممانعة، في رومانيا مثلا، تم سحقها بالقوة فورا ومعاقبة شاوشيسكو بالاعدام الفوري له ولزوجته بدون محاكمة حقيقية، او الاصح بمهزلة محاكمة ميدانية صورية، تكشف زيف “الدمقراطية” الغربية، كما تكشف خوف الزمرة الرومانية الخائنة ومن يقف وراءها. اما يوغوسلافيا ذات التقاليد العريقة في “الحياد الايجابي” بين “الشرق” “الستاليني” و”الغرب” “الدمقراطي”، فلم يكن بالامكان ابتلاعها بواسطة “الانتخابات” او “الاستفتاءات” الدمقراطية الصورية، فجرى التآمر عليها وزرع الفتن القومية والاتنية والدينية فيها، وتفكيكها من الداخل، ثم تدميرها بالطيران الاطلسي من الخارج، وتقسيمها الى عدة دول متناحرة تمهيدا لابتلاعها واحدة بعد اخرى. وبعد تفكيك الاتحاد السوفياتي جرت، ولا تزال سارية المفعول، مؤامرة تفكيك وتقسيم روسيا ذاتها لضم اقسامها المفترضة الى الاطلسي والاتحاد الاوروبي. ولكن هذه المؤامرة لا تزال تصطدم بارادة الشعب الروسي الذي، نظرا لتاريخه النضالي العريق، من الصعب جدا، بل المستحيل ان تنتصر عليه القوى الامبريالية الغربية، لا باسم الفاشية المكشوفة ولا باسم الفاشية ـ الصهيونية المتسترة بـ”الدمقراطية” المزيفة.

ولا تزال صربيا تنتظر دورها للانضمام الى “الاتحاد الاوروبي” و”حلف الاطلسي”. الا ان هذا الانضمام، او الضم، لا يزال غير مضمون، نظرا لتجذر الوعي القومي والحركة الشيوعية المستقلة في صربيا. وربما تحمل منطقة يوغوسلافيا السابقة، ومنطقة البلقان بأسرها، مفاجاءات كثيرة، لم تكن او لن تكون في حسبان الاطلسي والاتحاد الاوروبي وجهابذة البنتاغون والسي آي ايه والموساد.

اما روسيا، وبالرغم من نزع فتيل “الحرب الباردة” بينها وبين الغرب وتوقيع “اتفاق براغ” لتخفيض الاسلحة النووية والصاروخية عابرة القارات بينها وبين اميركا، ومفاوضات التعاون بينها وبين الاطلسي، فإنها ـ اي روسيا ـ تتجه نحو تجديد وتحديث جيشها بالكامل وانهاض مجمعها الصناعي الحربي وصناعتها واقتصادها بمجملهما والسير، بخطى وئيدة ومتذبذبة ولكن ثابتة، نحو التحول من جديد الى القطب الرئيسي المعادي للغرب الامبريالي ـ الصهيوني على المسرح الدولي. وهذا اكبر فشل ستراتيجي حاق بالامبريالية الاميركية ـ الصهيونية وحلفائها الاوروبيين، بعد هدم جدار برلين و”توحيد” المانيا واوروبا. وهو فشل سيكون له نتائج تتابعية على الساحة الاوروبية والدولية برمتها.

ومع ذلك ينبغي الاعتراف ان الامبريالية الاميركية والغربية وحليفتها الصهيونية، ممثلة بالاطلسي والاتحاد الاوروبي، نجحت مرحليا في ضم بلدان اوروبا الشرقية (“الاشتراكية” السابقة)، وهو ما يسمى “توحيد اوروبا”. وهو ما شجعها على افتعال احداث 11 ايلول 2001 في اميركا، وشن الحرب الاميركية الظالمة ضد العراق وافغانستان والحرب الاسرائيلية على لبنان في 2006، واستخدام القبضة الحديدية الاسرائيلية في فلسطين المحتلة خصوصا ضد قطاع غزة التي لا يزال الحصار الكامل مفروضا على شعبها المظلوم حتى الان.

ولكن النجاح الامبريالي في ما يسمى “توحيد اوروبا” لم يكن يعني قدرة النظام الامبريالي ـ الرأسمالي على اخفاء عيوبه الخلقية الملازمة له. وبدلا من الانقسام السياسي السابق لاوروبا، والذي كانت تلقى مسؤوليته على “الشيوعية”، فإن النظام الامبريالي الرأسمالي، القائم على كل اشكال التمييز، اخذ ـ وبشكل “طبيعي” ـ يشق اوروبا ويمزقها ويقسمها من جديد، وبشكل متعمق باستمرار، خصوصا في ظروف الازمة الاقتصادية الراهنة. والتقسيم المتنوع الجديد لاوروبا يقوم على المعايير الرأسمالية ذاتها؛ وهذا يعني انه اذا كان التقسيم السابق (شرق ـ غرب) يقوم على قاعدة تغيير او نفي الرأسمالية الغربية او “الشيوعية” الشرقية، فإن التقسيمات الجديدة تنطلق من النظام الرأسمالي ذاته وتقوم على قاعدة تثبيت هذا النظام وترسيخه. وابرز اشكال التقسيمات الجديدة: ـ1ـ التقسيم الى مناطق جمركية ـ تجارية. ـ2ـ التقسيم الى مناطق عملوية. ـ3ـ التقسيم الى مناطق انتاجية (زراعية، خاماتية، صناعية، خدماتية). ـ4ـ التقسيم الى دول مستقرة ودول غير مستقرة ماليا، ومن ثم دول دائنة ودول مدينة. ـ5ـ التقسيم الى دول فقيرة ودول غنية.

وعاجلا او آجلا تتداخل هذه التقسيمات مع التقسيمات والتنوعات الاتنية والدينية والقومية، وحينئذ تتخذ حكما طابعا متفجرا، وتعود اوروبا قرنين او ثلاثة الى الوراء، وتتجدد فيها الحروب الاتنية والدينية والقومية، وهذا ما تراهن عليه الامبريالية الاميركية ـ الصهيونية لاجل فرض هيمنتها المكشوفة والوقحة، من جديد، على اوروبا.

ونتوقف فيما يلي عند احد اشكال التقسيمات الاوروبية الجديدة، وهو التقسيم على اساس الاستقرار او عدم الاستقرار المالي:

كتبت المعلقة آن ايبولباوم في جريدة “واشنطن بوست” تقول ان التقسيم السابق لاوروبا الى شرق وغرب، قد اخلى مكانه لتقسيم جديد هو: شمال وجنوب.

وحسب رأي هذه المعلقة فإن الامر هذه المرة لا يرتبط بمعيار جغرافي للتقسيم، حيث ان سمة خط التقسيم الحالي للبلدان هو بين الدول التي تنتهج سياسة اكثر مسؤولية في حقل الانضباط المالي (وهي تدخل تحت تعبير “الشمال”)، والدول التي، بسبب افتقاد هذه السياسة، تقع في عجز الميزانية والمديونية (وهذه تدخل تحت تعبير “الجنوب”).

فـ”الجنوب” يشمل البلدان التي تفشل طبقتها السياسية في التوصل الى تحقيق التوازن في الميزانية الوطنية، البلدان التي لا تستطيع بيروقراطيتها تخفيض عدد افرادها، البلدان التي لم يتعلم فيها الناخبون ان يتبنوا برامج للاقتصاد. وذلك حسبما كتبت المعلقة في “واشنطن بوست” التي هي زوجة وزير الخارجية البولوني رادوسلاف شيكورسكي.

وحسب رأي هذه المعلقة تدخل في هذه الفئة: اليونان، اسبانيا، ايطاليا، البرتغال، هنغاريا، بلغاريا وايرلندا. اما انجلترا، في ظل حكم المحافظين، فهي ” ترغب في العودة الى “الشمال” “، واما فرنسا فهي تتراوح في “التوازن بين “الشمال” و”الجنوب” “.

وتدخل في المجموعة الشمالية: المانيا، بولونيا، استونيا، تشيخيا، سلوفاكيا والبلدان السكندينافية.

وتتصف هذه البلدان قبل كل شيء بانضباط ميزانيتها ـ المتمثل في الطموح الى حد ادنى من العجز والدين العام.

وتؤكد ايبولباوم ان التقسيم لا يمر في خط بلدان افقر وبلدان اغنى، لان بلدانا مثل ايطاليا او اسبانيا هي اغنى بشكل ملحوظ من بلدان كإستونيا وسلوفاكيا.

“ولكن في الشمال فإن الاغتناء الشخصي ينمو، اكثر او اقل، في ترادف ملازم للقطاع العام، في حين ان ما يميز الجنوب هو تجمع الميسورية في ايد خاصة بالترافق مع تدهور القطاع العام”، كما كتبت ايبولباوم، التي ترجع اسباب هذا الوضع الى ارتفاع معدل الفساد في جهاز الدولة والتحصيل الاصعب للضرائب في بلدان “الجنوب”.

ومن جهة ثانية كتبت Financial Times تقول ان ازمة المديونية في منطقة اليورو قد دخلت في مرحلة حرجة. اذ ان الحكومات ستلجأ بشكل جماعي الى الاسواق المالية، لاجل تمويل النفقات في اقتصاداتها المأزومة.

وحسب تقديرات بعض المحللين فإن الحكومات الاوروبية الاضعف لن تستطيع ان تجمع الاموال الضرورية لها، اذ ان المطالبات بالتمويل خلال شهر ايلول ستكون اكبر بضعفين، مما كانته خلال شهر اب.

واذا كان مجموع سندات الدولة الصادرة في شهر اب قد بلغ 43 مليار يورو، فإن هذا المجموع سيبلغ في شهر ايلول 80 مليار يورو.

ان اسبانيا وحدها ستحاول الحصول على قرض بقيمة 7 مليارات يورو خلال شهر ايلول. في حين انها حصلت في شهر اب على 3،5 مليارات.

وتواجه اسبانيا، البرتغال وايرلندا، اي الاقتصادات الاطرافية في منطقة اليورو، اكبر خطر للتعرض للاهمال.

اما بالنسبة لليونان، فإنها لم تعد تواجه هذا الخطر، لان تمويلها في السنتين القادمتين سيتم تأمينه من القرض الاستثنائي الذي حصلت عليه بقيمة 110 مليارات يورو.

ويجري الحديث ايضا انه في نهاية العطلة الصيفية من الممكن ان نشهد عملية بيع مكثفة للسندات العائدة للبلدان الاطرافية.

ولكن حسب رأي معلقين اخرين فمن المبالغ فيه ان ننظر هكذا الى المسألة. ذلك ان ايرلندا والبرتغال قد حصلتا على القسم الاكبر من الاموال التي هما بحاجة اليها هذه السنة. كما انهما ستحصلان الان على ما تريدانه، ولو كان ذلك مقابل فوائد اعلى.

والعلاوة الخطرة التي ينبغي على ايرلندا ان تدفعها، للحصول على التمويل من الاسواق المالية، هي نسبة 3،5% اعلى بالمقارنة مع سندات الدولة الالمانية، التي تعتمد بوصفها مقياس الاستقرار في منطقة اليورو.

وفي هذا السياق فان خطر الافلاس المعلق فوق رأس اليونان، سيبقى خطرا جديا، حينما ينتهي، بعد ثلاث سنوات، اجل البرنامج الاستثنائي لمساعدتها المالية من قبل الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي. وهذا ما يقوله اندريو بوسومورت، المدير المالي لهذا الصندوق، الذي هو اكبر صندوق دولي للتوظيفات بواسطة السندات.

ان اليونان هي غير قادرة على الدفع. هذا ما يؤكده مدير مؤسسة PIMCO للخدمات المالية امام وكالة بلومبيرغ. وحسب رأيه يوجد خطر جدي كبير بأن تعمد اليونان الى وقف المدفوعات المتوجبة لدينها الخارجي او ان تقوم باعادة جدولته.

وفي افضل سيناريو محتمل لليونان، فإن دين الدولة اليوناني سينمو حتى يبلغ 150% من الدخل الوطني القائم. لان المساعدة المقدمة بقيمة 110 مليارات يورو تفترض ان الاسواق المالية سوف تؤمن الـ82 مليارا الباقية، التي تحتاج اليها الحكومة اليونانية في الفترة عينها. وبحسب رأي بوسومورت فهذا سيكون صعبا جدا.

وفي الوقت الراهن فإن اصحاب التوظيفات يتلقون علاوة خطرة تبلغ 902 نقطة اساسية (9،02% نقطة نسبية) فوق الفائدة بموجب السندات الحكومية الالمانية الموضوعة على القرض لعشر سنوات لليونان. هذا في حين ان علاوة الخطر لسندات الدولة للبرتغال هي 331 نقطة اساسية، ولاسبانيا هي 173 نقطة اساسية، ولايرلندا هي 340 نقطة.

وحسب تقدير مدير الصندوق يوجد خطر لانتشار العدوى الى بلدان اخرى، اي ان فقدان ثقة اصحاب التوظيفات بأوضاع مالية الدول يمكن ان ينتقل من البلدان الاطرافية في منطقة اليورو الى بلدان اخرى ذات اقتصادات اكثر استقرارا.

في السنة الماضية كانت العلاقة النسبية بين دين الدولة والانتاج الوطني القائم، لليونان، 115،1%. اما هذه السنة فإن هذا المؤشر، وبحسب اللجنة الاوروبية، سيبلغ 125%.

:::::

* كاتب لبناني مستقل