في القومية والقطرية والشيوعية ومسائل أخرى (الحلقة السادسة والاخيرة)

حوار عن بعد مع سمير أمين

عادل سمارة ـ رام الله المحتلة

أمين:

والخلاصة واضحة: اتهامات الكيلانى ناتجة عن تخيلاته لا غير. وتخيلاته خاطئة.

12- إن المحور الأساسى الذى يدور حوله طرحى لطابع التحدى الذى تواجهه شعوب التخوم بصفة خاصة والإنسانية جمعاء بصفة عامة، هو أن الاستقطاب الذى يصاحب التوسع الرأسمالى يقتضى تجديد نظرية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، وتجاوز تعبيراتها الموروثة. فالواقع يفرض علينا اندماج الصراع من أجل تحرير الشعوب المضطهدة مع الصراع الطبقى من أجل الاشتراكية، يفرض اندماجهما فى صراع موحد.

ما هو الحامل لهذا المشروع التاريخي، ما هو التحالف الذي يجب أن يقوم ويتمكن من حمل هذا المشروع؟ ليس إلا حزب الطبقات الشعبية التي لا بد أن تكون إحدى مرتكزاتها القومية الكامنة التي هي بالشرط والقطع اشتراكية. نعم، هنا يجب أن يدور سجال جاد وعميق، وهنا يأتي موقع القومية العربية في الصراع، وبغض النظر إذا كانت هذه القومية او الأمة محصورة في الشام ومصر والعراق أم حتى في جيبوتي، ليس هذا ذا بال كبير، المهم في الأمر أن الأمم والشعوب الخاضعة للاستعمار والاستيطان والاغتصاب يمكنها بل يجب أن تتولد فيها قومية تقدمية ثورية، هذا ربما جوهر ما يفهمه أمين من باندونج. ولذا، ففي نضال القومية الكامنة العربية ضد برجوازيتها التي تشن حربا أهلية شاملة داخل الوطن، وفي نضال هذه القومية ضد الكيان الاشكنازي والامبريالية هي قومية تقدمية وثورية.

هذه المسألة يعارضها بشدة اليسار الغربي وخاصة التروتسكي يرفض مجرد السماع لما نقول، ويهرول لاتهامنا بالقومجية هم ينفرون ويستنفرون لمجرد ذكر القومية العربية دون شتمها. إن الكثير من مثقفينا الطيبين يُحرجون هناك فيجاملون هذا اليسار. وهذا يتطلب موقفا واضحا فيه تحدٍ وتماسك ذاتي.

أمين:

إن الكيلانى هرب من مواجهة هذا النوع من الأسئلة الصعبة.

أولاً يبدو أنه لا يدرك أن الغزو الخارجى ليس هو السبب الوحيد لمحنتنا، فالانحطاط الذى أصاب المجتمع العربى الإسلامى سبق هذا الغزو بقرون وجعل انتصار العدو سهلاً.

لا يحدد أمين هنا ما يقصده بالغزو الخارجي. فإذا كان المقصود الغزو الاستعماري الغربي، فإن الحكم التركي هو غزو خارجي ايضاً، وهو الذي فقد منطقة كان قد جهَّزها للتبعية والخضوع سواء من حيث افتقارها للتطور أو حتى للمقاومة، هذا إذا كان يمكن فصل مستوى او درجة التطور عن القدرة على المقاومة. بل إن ما أُسمي عصر الانحطاط كان قد مر بالوطن العربي حتى قبل العثمانية، ناهيك عن حملات الفرنجة وسقوط بغداد …الخ.

لست مع النقد الناعم للعوامل المحلية في تخلفنا سواء الطبقات الحاكمة والقوى السياسية الحزبية والمثقفين….الخ ولكن الانحطاط الذي يشير إليه أمين له علاقة بالعوامل الخارجية ايضا.

أمين:

لقد قام الكيلانى على مدى صفحات طويلة بمدح التجربة الناصرية دون تحفظ بالنسبة إلى ما أنجزتها فى مصر، وليس بالنسبة إلى مواقفها فيما يخص الوحدة مع سوريا والصراع مع النظام العراقى وغيره. بل يمتنع عن إثارة تلك الأسئلة التى قد توحى بالشك فى صدقية القناعة القومية لناصر، مثل مساندته لإعلان استقلال الكويت على يد بريطانيا فى مواجهة بغداد.

هذا من تبعات الدولة القطرية رغم الحديث القومي للنظام، وهذا كذلك على علاقة قوية بصراع المحاور وهو دليل قصور ناصري في الفهم الاستراتيجي للتنمية والتطور والوحدة. وها قد دفعنا ثمنه لاحقاً. هناك نقد كبير على أن صدام حاول بالقوة إنجاز مشروع أو استعادة حق في زمن لا يسمح بذلك أي استعادة الكويت، ولست ضد تلك الاستعادة وحبذا لو توسعت. وفي هذا لغط كثير. لقد حصد الرئيس صدام حسين نتائج الخلل القومي عند ناصر كذلك. لو كانت الكويت صحراء بلا نفط لما فصلها الاستعمار البريطاني عن العراق اصلاً. ولو كان الأمر متعلقا بنفط الكويت لاكتفت الولايات المتحدة بعدوانها على العراق 1991، كان الهدف دور ونفط العراق، وخدمة الكيان الصهيوني. ولذا استخدمت مسألة الكويت والنووي كغطاء ليس أكثر مما يؤكد أن التدمير تحصيل حاصل. أما الحديث بأن العراق أعطى الأعداء المبرر، فليس إلا تشكي الضعفاء.

أمين:

وتصورت فى تلك الظروف أن الأمل آت من آفاق مختلفة، من حركة الطلبة فى مصر، من ثورة جنوب اليمن، من دخول الحركة الفلسطينية فى مرحلة جديدة بعد أن استقلت عن تبعيتها لإدارة خاضعة للنظم العربية.

يتعاطي أمين مع المقاومة الفلسطينية تعاطٍ عاطفي. فالمقاومة التي زعمت “الاستقلال” عن الأنظمة العربية مثلت حالة او رغبة قطرية رغم الافتقار إلى وطن للقطر ، وبالتالي تحالفت مع أنظمة قطرية كانت قد غادرت اي نضال ضد الاحتلال وقررت الاعتراف بالكيان. لقد عزلت المقاومة نفسها عن حليفها القومي من القوى العربية التقدمية وكان مآلها بالضرورة الاستسلام …وهكذا كان أوسلو. لا بد من التفريق بين تحرر الفلسطنيين من الأنظمة وبين وقوعهم في شرك الكفر بالواقع القومي بالبعد القومي.

أمين:

ففى هذه المرحلة الباكرة كرست انتقاداتى لمواقف الاتحاد السوفيتى التى انحازت تماماً مع صف الناصرية، ففرضت على الشيوعيين المصريين حل حزبهم وتسليمهم لمقولة الطريق غير الرأسمالى”. وأدرك أنصار الاشتراكية السوفيتية من السوفييت والعرب خطورة موقفى. فأدانوه بتعبيرات شرسة اقتربت من السباب.

نعم، كانت العلاقة بالسوفييت في مستوى التبعية والإملاء. لكن هذه ليست خطيئة السوفييت وحدهم. فإذا كانت الطليعة الشيوعية أعجز من أخذ قرارها عن وضعها الحزبي والقومي فبأي معنى هي طليعة وشيوعية؟ هذا لا يقلل من الهيمنة السوفييتية التي دفعت الشيوعيين الفلسطينيين للاعتراف حتى اليوم بعدو استيطاني اقتلاعي القى بشعبهم في أربعة ارجاء الأرض. وحقيقة أن أمين كان من أوائل من فتح باب نقد السوفييت سواء في السياسة أو البناء الاشتراكي الداخلي. لم أؤمن قط بأن الاتحاد السوفييتي كان حليفا كما هو تحالف الولايات المتحدة مع الكيان الصهيوني . لقد دعم حل الحزب الشيوعي المصري، ورفض المشروع القومي في إزالة الكيان الصهيوني وهذه تعليمات سيد لا حليف وحسابات دولة لا ثورة. كان نمط العلاقة بالسوفييت وعدم الاعتقاد بان النظام السوفييتي اشتراكيا من اسباب خروجي من يسار المقاومة 1976.

لم يسلم الشيوعيون المصريون وحدهم بالطريق اللاراسمالي، بل معظم الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي التي طالما اجتمعت واصدرت بيانات تبني هذا الطريق.

أمين:

فلا يمكن الفصل بين مواصلة الحوار حول احتمالات وشروط ظهور هذه الموجة المطلوبة الثانية من جانب وبين تحليل حقيقة النتائج المترتبة على استمرار سيادة الرأسمالية الليبرالية “المتهالكة” كما أسميها. وهى نتائج تلغى تماماً أوهام المؤمنين بالميول الطيبة، تلغى تماماً من الآفاق احتمال إعادة مجد العرب و(غيرهم) إذ يسعى فعل منطق النظام إلى سيادة ما أسميته “الأبرتهايد على صعيد عالمى”، أى إنكار حقوق جميع شعوب الجنوب.

ربما من المفيد هنا الإشارة إلى أن الابرتهايد على صعيد عالمي ليس مشروع راسمالية المركز البيضاء خاصة ولكن هناك مثقفيه الذين يخدمون راس المال عبر صراخ يسروي ضده. ربما كان تدمير العراق 1991 أكثر ما ابان ذلك (اسميتهم اولاد السكرتيرة[1] مع الاعتذار للمرأة، حين يكون رأس المال في مأزق يهبوا لإنقاذه ودعمه. واليوم فإن المابعد حداثيين الذين يُنظِّرون ضد السرديات الكبرى: القومية والاشتراكية[2]…الخ وهم بهذا إنما يدعون المحيط ليبقى غارقا في التبعية وليقنع بما قسم الله له، هذا ما يعزز الأبرثهايد على صعيد عالمي ويخلده.

أمين:

ينهى الكيلانى كتابه بصفحات خفيفة ولكنها دالة. فيقترح أجندة للعمل تنحصر فى بندين اثنين. أولهما إنعاش جامعة الدول العربية ومؤسساتها، وتدعيم شبكة منظمات المجتمع المدنى التى تمارس أنشطة على الصعيد القومى. لا مانع، بيد أن الجامعة العربية لن تنتج ثماراً تذكر على قدر التحدى- فى رأيى- طالما ظلت نظم الدول العربية على أنماطها الراهنة.

لم اقرأ ما كتبه الكيلاني، ولكنني اعتقد أن إزاحة هذه الجامعة قد تأخر كثيراً. إن محطة فضائية واحدة تنطق بالعربية وحتى لو بها الكثير من التطبيع يمكن أن تبين المشترك العربي رغم أنفها في الفن واللغة وحتى الأخبار أكثر من هذه الجامعة. إن المطلوب جامعة للشعب العربي، والمطلوب حركة عربية واحدة حتى لو بأدوات التواصل الفكري اولا.

إن منظمات المجتمع المدني مثار نقاش، وأعتقد أن أمين هنا يُجامل صاحبنا أو يجامل الكثيرين من نشطاء هذه المنظمات التي هي في الجوهر او غالبا منظمات أنجزة وهي قواعد متقدمة للأجنبي، هي بديل انثروبولوجي محلي أو مكمن محلي للاستشراق. وأبعد من هذا، هل هناك مجتمع مدني في الواقع أو المجتمع السياسي العربي؟

أمين:

وبالتالى تظل الأجندة التى يطرحها الكيلانى مقتصرة على الفئات الوسطى، فى أفضل الفرضيات. علماً بأن إنجاز خطوات فى الاتجاه المطروح (وأنا أرحب به) لن يشجع من تلقاء نفسه صعود الميول القومية، كما يأمل الكيلانى أن يكون، بل أعتقد- على العكس من ذلك- أن من شأنه أن يدعم “القطرية” المكروهة. وذلك لسبب بسيط ألا وهو أن مثل هذه الخطوات نحو الأفضل سوف تظل متباينة من قطر إلى آخر. ويقدم مثال لبنان دليلاً على صلاحية ما أقدمه هنا. فالشعب اللبنانى يدافع بحزم عن استقلال بلده لأن نظامه يعطيه مساحة من الحرية لا وجود لها فى بلدان الجوار. واللبنانيون بالتالى على حق فى الدفاع بحزم عن استقلال بلدهم. فالمواطنة المطلوبة التى تشجع انتصارات الديموقراطية ازدهارها ستظل نظرية بالأساس.

كنت أحب لو دفع أمين تحليله قليلا إلى الأمام في هذه المسألة. أطروحتي في هذا السياق أن الدولة القطرية هي حالة استدعاء للتبعية والاستعمار وحتى الاحتلالات وأن المقاومة الشعبية، وكل مقاومة هي شعبية تزدهر وحتى تنتصر في غياب الدولة القطرية. فالدولة القطرية هي مشروع هزيمة لأنها اصلا مُسقطة على المجتمع العربي من خارجه ولذا فهي متخارجة وتشن حربا اهلية، وهذا ما أفقد المواطن العربي شعوره بالمواطنة ومن هنا فإن غيابها أفضل من حضورها طالما هي بأفق ومصالح القومية الحاكمة والكمبرادور.

إن توفر شبه دولة للفلسطينيين أوسلو-ستان، انتهى إلى التسليم بالوطن للعدو، وخلق حكم إداري ذاتي يعيش منتفخاً بالتمويل الأجنبي الرسمي والمأنجز، ومن ثم التخلي عن الوطن. ما حصل هو تدفق ريع مالي لقاء تنازل وطني قومي سياسي عن الوطن! ومع ذلك فإن من بين من يقبض هذه الأموال هي كذلك منظمات “المجتمع المدني”.

أمين:

إن إغفال الكيلانى لما أطرحه بصدد أجندة العمل الديموقراطى قد أدى به إلى طرح اقتراحات خجلة للأقصى، فالجبل القومى وضع فأراً ليبرالياً.

وفى مقابل ذلك أعطى أنا الأولوية فى العمل للصراع الطبقى. نعم. فإن محور أزمة اليسار الديموقراطى والتقدمى محور اجتماعى، وبالتالى فإن أزمة المجتمع المحصور فى مأزق لا مخرج منه، تتجلى فى غياب دخول هذا اليسار فى الصراعات التى تعنى الطبقات الشعبية: العمل، الأجور، حقوق إقامة نقابات مستقلة، الحصول على الأرض، التعليم بالمجان، الصحة، السكن.

غياب اليسار عن هذه ليس صدفة. إنه يسار يميني يسار اليمين ، هو يسار برجوازي ومتأنجز. مشكلته مع راس المال في عدم توفر فرصة له ليصبح من الطبقة الوسطى أو اعلى قليلا ، لذا كان أن انهال على طُعُم الأنجزة سواء بالمكاتب أو مشاريع التنمية الزائفة أو تذاكر السفر أو المنح المشبوهة أو اي مصدر تمويلي. مشكلة هذا اليسار أنه ليس طبقياً ولا عقيدياً، هو حالة فقر فكري وخواء محزن. اي يسار الذي يفاخر بالاعتراف بالكيان الصهيوني أو يكتم ذلك خجلا أو يدور حوله كما يدور القط حول صحن من المرق الساخن (لينين) ؟ اي يسار يحل نفسه بنصيحة من موسكو، اي يسار الذي ما ان انهارت الاشتراكية المحققة حتى هرول نحو البيت الأبيض إلى اللبرالية؟؟؟


[1] أنظر مقالتي

The New International Order, in

The Gulf War and the New World Order, Zed Books, 1991, p.p. 259-69.

[2] عالجت هذا في الفصل الأول من كتابي: التطبيع يسري في دمكَ الذي سيصدر قريبا عن دار ابعاد في بيروت.