قراءة في ديوان حكمة شافي الأسعد

ديوان “جمع تكسير الأصابع”

.. قصيدة كلاسيكية وحشوة حداثية

مراجعة نادين باخص

يخشى دارس مجموعة (جمع تكسير الأصابع) _الحائزة على جائزة الشارقة 2009 بالمركز الثاني في مجال الشعر، للشاعر حكمة شافي الأسعد الذي يُصنَّف في شعراء العقد الأوّل من الألفية الثالثة السوريين_ من السقوط في دوامة الإنشاء، إذ من الصعب مقاربتها والكلام عن لغتها وانزياحاتها بعيداً عن ما يُسمّى (نصّاً على نصّ)، أو بتعبير جان كوهين (غنائية على غنائية)، فكمُّ الشعر فيها يُغري بكتابة نصوص من وحي نصوصها، في محاولة الغوص في أعماق لغتها. لكنّ هذه القراءة ستحرص على تناول المجموعة بدراسةٍ أقرب إلى العلمية، متجنّبة _قدر المستطاع_ لغة الإنشاء التي كثيراً ما تغري دارس الشّعر، وتدفعه ليذهب في التهويم والشطط.

لقد أثّرت فكرة ما سُمّي بالقطيعة مع التراث في كتابات كثير من شعراء العقد الأول من الألفية الثالثة، وطغت قصيدة النثر على الشكل الشعري للمجموعات الصادرة، وبات من المتوقّع أن تكون المجموعة الصادرة حديثاً لأحد الشعراء الشباب خالية من الوزن، ولا يعني هذا أنّه في حال صدرت مجموعة موزونة يكون الوزن بحدّ ذاته هو السمة المميزة لها، أما والحال مع (جمع تكسير الأصابع)، فسمتها المميّزة هي الوزن الخليلي الذي كُتبت بعض قصائدها عليه، إنما التميّز لا يُقرأ إلا بالنظر إلى اللغة الحداثية التي صيغت هذه القصائد بها. فالشاعر شافي الأسعد ينهل من بئر الموروث محقّقاً صورة الحداثة التي تحدّث عنها عبدالله الغذّامي موصّفاً إيّاها بأنّها “معادلة إبداعية بين الثابت والمتغيّر، أي بين الزماني والوقتي”، إذ يرى أنّها “تسعى دوماً إلى صقل الموروث، لتُفرزَ الجوهري منه فترفعه إلى الزماني”، وذلك عبر كتابته قصيدة الشطرين، إنما بحشوة حداثية بعيدة كل البعد عن الصنعة والاستهلاك، يقول في قصيدة القيود:

أنا أسرى، تعدّد السجنُ بي
لو واحدٌ ينجو، غافَلَتْه القيودُ

غايتي أقصى من عبوركِ حبري
ربما قد لا ينتهي ما أريدُ

كلما أرسلتُ الحمامَ بريداً
أسقطوه!
فللنسورِ البريدُ

والملاحظ أنه لم يكتب الشطرين في سطر واحد، وإنما كل شطر في سطر، وهذا شائع عند الشعراء المحدثين حين يكتبون قصيدة الشطرين.
وما يتمّم معادلة تميّز المجموعة، هو قصائد التفعيلة التي لا تقلّ عن المستوى الفنيّ لقصائد الشطرين.

يلاحظ القارئ أنّ شافي الأسعد يرخي حبل المجاز في المجموعة بحيث تتراوح بدهية قابلية الفهم التي طرحها كوهين بين تحقّق وعدمه. فمثلاً يلعب المجاز في قصيدة (حديثي) دوراً موظّفاً يسمو بلغتها إلى درجة راقية من الشعرية:

هكذا جاء وقتُ الطفولةِ بي
زغباً “أبيضاً”، تركوه على عتباتِ الكتاتيبِ صبحاً
يرتّلُ خلف عصا الشيخ:
“طه”..
“الضحى”..
“الشعراء”.. (يقولون ما لا يصير فكيف سنتبعهم!)

صرتُ أمرّن حلمي على القفز بين حبال البلاغة
حتى أرى زغبي عالياً..
عالياً..
فوق سور البداية.

فالواضح من هذه المقتطفات أنّ الشعر _كما يعيشه شافي الأسعد_ هو كيف يصهر الشاعر تجربته الحياتية محوّلاً إيّاها إلى لغة تنتمي إلى الفنّ الشعري، ليس فقط بالمجيء بابتكارات لفظية وإحداث انزياحات على مستوى الصورة واللغة والأسلوب، بل بإقامة موازنة بين كلّ ما سبق بحيث تظلّ اللغة محافظة على سمتها الأهمّ وهي السمة التواصلية.

وقد تكون قصيدة (تناص فرعوني) من أكثر قصائد المجموعة مجازية، وبالرغم من أنّ القارئ قد يعدم سبراً فعلياً لعمقها بسبب المجاز المهيمن على اللغة، إلا أنّ لغتها لا تفقد السمة التواصلية، بمعنى أنّها لا تنغلق على القارئ بالكامل، بل تبثّه ومضات إيحائية وشحنات شعرية تنجح في تحقيق الهزّة الشعورية المرتقبة، من ذلك:

تكسرني فكرةُ الموتِ منتظراً أن تعودَ بقاياي يوماً
إلى مرفأ ترتديه البلادُ انتظاراً لعودتها قطعةً.. قطعة
من ثلوجِ الحكايات/
ترتيلةً/
طائراً يزعجُ الصدرَ ليلاً، ويُدخلني في الصدى/

وكذلك قصيدة (محاكمة حكمة شافي الأسعد) تحمل من المجازية والرمزية ما يجعلها عصيّة على الفهم، إلا أنّها محمّلة بما يكفي من الشاعريّة التي تنجح في تسويقها في روح المتلقّي:
أناقضُكَ الآن..
أناقضُكَ وأنتَ تديرُ الكلامَ المشاع
وتسخرُ من منفييكَ.
أناقضكَ..
وأنتَ منشغلٌ بجمع تكسير الأصابعِ والأرواح،
وأنتَ تلقّنُ الشارعَ درسَ الخريف
وتصافحُ غرَبَ الفراتِ العجوز.


ولا تخرج قصيدة المحاكمة السابقة عن دائرةِ نرجسيّةٍ تبدو جليّة لدى شافي الأسعد، تجسّدها لغته التي تعكس اعتداده بنفسه، واستعذابه ذاته، يدعم هذا الشعور ضمير المفرد المتكلّم الذي يلفّ قصائد المجموعة من أوّل قصيدة حتّى آخر قصيدة:

كنتُ يوماً أحمي الخلافةَ بالشّعر
فتاجي يدي
وعرشي الصّفاتُ.

وكذلك مفردة (المرايا) التي تتكرّر مرات عدّة في المجموعة، والتي خصص لها الشاعر غرفة كاملة، وذلك في قصيدته (غرفة المرايا):

أخشى ضياعي في صمتي فأحتجبُ
في غرفةٍ لفّها في عزلتي العجَبُ

بعثرتُ فيها المرايا كي تحاصرني عند الغيابِ
فكلّ الدهر مُغتَرِبُ

ولمّا كان لكلّ مجموعة شعريّة مفتاحها أو ربما مفاتيحها، فالبحر هو مفتاح (جمع تكسير الأصابع)، إذ يتّسع الحقل الدلالي المعنون بـ (البحر)، وتندرج تحته شواهد عديدة تزخر المجموعة بها:

_ أتناثرُ في الريح/ يبقى رمادٌ قليل/ ضباب/ جنون/ وفوضى/ ويختلط البحر.. يختلط البحر
_ أمحو الحنين الذي خطّه البحر في لغتي
_ فماذا يفعل الميلادُ عند البحر/ إنّ البحر للقتلى
_ تذكْرُ رائحةَ البحرِ بين ضلوعك/ تذكرُ أنّك تنسى كثيراً/ سوى البحر

وشواهد أخرى كثيرة تشي بأنّ للشاعر قصّة حبّ وألم مع البحر، ويكثر استحضار الشاعر للمفردات المنتمية إلى قاموس البحر مثل (المراكب، نوتي، نورسة، الشاطئ، مرافئ..)، بحيث يمكن إفراد دراسة عن البحر في المجموعة.

وبعامّة، تعدّ مجموعة (جمع تكسير الأصابع) من المجموعات التي تقدّم إضافة هامّة للرصيد الشعري العربي، عبر لغة عالية لا تفتأ تمدّ الجسور بينها وبين القارئ مهما أوغلت في مجازيتها. والمميّز أنّها تحقّق المقولة التي ترى أنّ الحداثة هي رؤية واعية لإقامة علاقات دائمة التجدّد بين الظرف الإنساني، وبين الجوهري الموروث.

:::::

جمع تكسير الأصابع، حكمة شافي الأسعد، دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة 2009.