قضية أكبر من أن تصفى!

عبداللطيف مهنا

عشية آخر مهلة لإنقضاء فترة ما يسمى التجميد المؤقت لما يدعى “الاستيطان”، في السادس والعشرين من الشهر المنصرم، أو عملية التهويد الاستعمارية للضفة الغربية المحتلة، هذه التي لم تتوقف للحظة واحدة منذ احتلالها في العام 1967، دشن المستعمرون اليهود عملية إطلاق حملة استعمارية تهويدية واسعة النطاق، حظيت بمشاركة وزراء ونواب كنيست وتغطية إعلامية واسعة، ومدعومة بمباركات حاخامية أُرسلت فتاواها بإجازة هذا العمل التهويدي الذي تصادف مع عيد توراتي مقدس. وبالتوازي مع هذا، أصدرت ما تدعى المحكمة العليا حكمها بطرد أربعين عائلة مقدسية من حي الشيخ جراح في بيت المقدس، إيذاناً ببدء مرحلة تهويدية ينتقل فيها الفعل التهويدي للمدينة من الجغرافيا، التي تم الفروغ منها تقريباً، إلى الديموغرافيا التي يراد البدء في التخلص منها وفق مرامي المخططات الجلية المعروفة والمعلنة.

كل هذا يترافق مع لغط تفاوضي يصم الآذان أطلقته قمة واشنطن التصفوية الأخيرة، ومع تبني الأمريكان الكامل لكافة اشتراطات نتنياهو التفاوضية أو التصفوية المعروفة، وبالمقابل، مع متوالية تنازلات سلطة رام الله عن اشتراطاتها المعلنة الواحد منها تلو الآخر، وصولاً إلى الإكتفاء بالمطالبة بتجميد التهويد مؤقتاً، وفقط لثلاثة أشهر أو أربعة، ثم رمي الكرة في ملعب الجامعة العربية اللائذة بالصمت حتى يحين اجتماعها الذي سارعت لتأجيله بناءً على رغبة أوباماوية وانتظاراً لعل وعسى الأمريكية!

في هذا الأثناء قطع أفيغدور ليبرمان وزير خارجية نتنياهو قول كل خطيب، قال من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة بلا مواربة ما لا يجب أن يبدر عن نتنياهو ونيابة عنه، ليس لدينا لمن يطالبنا بحلول، سوى “حل انتقالي طويل الأمد يستغرق عقوداً، ليس على مبدأ الأرض مقابل السلام وإنما تبادل الأراضي المأهولة”!

نتنياهو الذي لا يستطيع بحكم موقعه وضرورات لعبة توزيع الأدوار الإسرائيلية تبني ما قاله ليبرمان، سارع إلى اعتبار ما قاله وزير خارجيته رأياً شخصياً لا يعبر عن رأي الحكومة، لكنه لم يتنكر لمضمونه، وذلك حتى لا يشوش على المحاولات الأمريكية الساعية لإخراج المفاوضات من مأزق ما عرف بعدم تجديد تجميد “الاستيطان” وتحقيق هدفه في ضمان استمراره. تماماً، مثلما كان قد طالب المستعمرين حينما أحرجوه عندما بدأوا حملتهم التهويدية بالضجيج الزائد ب”ضبط النفس وروح المسؤولية” لا أكثر!

وبعيداً عن التجاذبات التجميدية، وبانتظار إطلاق دخان إنطلاق المفاوضات من أجل المفاوضات مع استمرارية العملية التهويدية، والتي لا يكتم الأمريكان أنها غدت حاجة بالنسبة لهم، في سياق ترتيباتهم الاستراتيجية المتعلقة بالورطة العراقية والمأزق الأفغاني والملف النووي الإيراني ومستقبل مصالحهم في المنطقة، نشط وزير الحرب باراك في واشنطن في حل العقدة التجميدية، بابتكار نوع ما من الحل الوسط أو التجميد المؤقت مقابل يهودية الدولة، والاستجابة لكل طلبات إسرائيل الأمنية، ودعم كافة توجهاتها الاستراتيجية في الهيمنة على المنطقة، وتلبية كافة مطالبها التسليحية المتطورة…إلخ كل ما يخطر ببال من ضمانات وبركات دعم العراب الأمريكي.

لم تذهب جهود باراك سدى، بدا هذا في الحديث عن رسالة تعهدات و”التزامات نادرة”، وفق توصيف صحيفة معاريف، من قبل أوباما لنتنياهو، فقط مقابل تجميد “الاستيطان” لمدة ستين يوماً، ولمرة واحدة لا غير!

ضمانات أوباما الواسعة، التي اتسعت عملية تسريبها لاحقاً، شملت إلى جانب ما ذكرته معاريف، تشكيل منظومة أمن إقليمي إسرائيلية عربية، تحدد وجهة المنطقة مستقبلاً، بحيث تثبت إسرائيل مركزاً مقرراً فيها… وفي التفاصيل، منحها حق النقض في مجلس الأمن حيال أي قرار متعلق بالسياسات العدوانية الإسرائيلية، وتأييد ما دعي ب”مشروعية احتياجات إسرائيل الأمنية، كما تحددها هي”، ومن هذا، ضمان بقاء تواجدها العسكري في غور الأردن، ودعم تسليحي أمني متطور… والأهم، الضغط على العرب لحشدهم ضد ما يسمى الخطر الإيراني، أو ما سبقت الإشارة إليه، من فرض اتفاق أمني إقليمي إسرائيلي عربي، تحت مسمى ما دعي بلورة “عمارة الأمن الإقليمي”… حتى الآن، رفض نتنياهو هذه الضمانات الأمريكية، ورحب بمضمونها!

وعود على بدء، أن سعار الحملة الاستعمارية التهويدية المشار إليها بدايةً لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة موضوعية تنسجم مع مسيرة المرحلة التصفوية الجارية وتستمد منها زخمها. هذه المسيرة الرامية إلى دفن المشروع الوطني الفلسطيني برمته، وإنهاء القضية، التي لم تعد رسمياً لا شعبياً القضية المركزية للأمة العربية… وبعد أن حظي المستعمرون بدعم جائهم من عديد الجهات دفعة واحدة حكومي مباشر، ودولي، أو أمريكي وبالتالي أوروبي، بلغ مداه فيما أشرنا إليه آنفاً… وعربي وفلسطيني! نقول عربي، بعد أن حوّل العجز العربي الرسمي إلى درجة التواطؤ، قضية قضايا الأمة إلى قضية “استيطان”، تضاءلت في بازار واشنطن إلى مسألة تمديد تجميده من عدمها بعد أن تخلى المتخلين عن المطالبة بإيقافه، وحيث أجلت لجنة مبادرة الجامعة اجتماعها المرصود لمواصلة تغطية المفاوضات من عدمه، وذلك لإتاحة الفرصة أمام الجهود الخيرية الأمريكية! فكاد، موضوعياً، أن يصبح لسان حال الجامعة العربية يقول: بعد الأمريكان، 99%من أوراق الحل بيد “المستوطنين”!!!

ونقول: فلسطيني، ويأتي موضوعياً، وللمفارقة من طرفين نقيضين… التيار الذي يطلق عليه مصطلح المساوم، ومقابله المعارض الرافض لنهجه التسووي…

كيف؟!

الأول، الأوسلوي، الذي لم يصدق أوسلويوه بعد أن أوسلو قد سقطت أو أسقطها شريكهم الإسرائيلي منذ أمد، وسائر نسلها من مراحل وتفاصيل المدعوة باطلاً ب”المسيرة السلمية”، والتي ديست كل متوالية اتفاقاتها ومبادراتها وخرائطها، ومعها سائر مقولاتها وأوهامها ورموزها، بجنازير الدبابات المستظلة بأكذوبة “حل الدولتين”… ومعها أيضاً ما دعي بالمبادرة العربية.

لقد وضع أصحاب هذا النهج المدمر أنفسهم في قفص الاحتلال، وبالتالي غدا التفاوض بالنسبة لهم حياة والتنازل استمرارية، وبعد أن فعل بهم شعار القرار الوطني المستقل ما فعل، هاهم يلجؤون بعد خراب البصرة إلى الغطاء العربي، لكن ومن أسف، بعد أن تهلهل هذا الغطاء نتيجة الواقع العربي المزري الذي بات يتقاسم أوراق الحل عنده الأمريكان والمستوطنون… في حفل
عشاء أقامه رجل الأعمال اليهودي الأمريكي داني إيرامز، تم اللقاء فيه مع أربعين منظمة يهودية أمريكية، يقول أبو مازن، وفق ما نقلته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية: “لن أترك المفاوضات حتى ولو لم يجمد الاستيطان”، وكان قبلها بيومين فقط قد أعلن أنه لن يفاوض “يوماً واحداً” في حالة مواصلته، بل زاد فعرض ترسيم الحدود منذ الآن، وخلال فترة قصيرة،” حتى يعرف الإسرائيليون أين يبنون”. لكن الأخطر، الذي يصب في سياق ما يؤدي إلى الإعتراف بيهودية الدولة، والذي يعني شطب حق العودة، جوهر القضية الفلسطينية، والتمهيد إلى “الترانسفير”، نقلت الصحيفة عنه قوله لمضيفيه: أن “التواجد اليهودي في
المنطقة قبل آلاف السنين حقيقة. وأن اليهود وجودهم مذكور في ثلث القرآن”!!!

الطرف الفلسطيني الثاني، هو كل من اكتفى بترف المعارضة من فصائل المقاومة واستراح، وهؤلاء أصناف. صنف يعارض مبدئياً المسيرة التصفوية من الأساس، ويتمسك بالثوابت الفلسطينية، هذه التي ومن أسف غدا كل طرف يفسرها وفق ما يشاء، لكنه يعجز، ربما لظروفه، عن قرن قوله بعمله. وصنف يعارض قولاً ويشارك السلطة الأسيرة قفصها الأوسلوي عملاً ويفيد من فيئها، ويتباكى على الوحدة الوطنية في غياب برنامج حد أدنى وطني يبررها، ويبرر حاله هذه بالحرص على هذه الوحدة. وصنف ثالث يقاوم التصفية ويدفع ثمن مقاومته يومياً، لكنما أوقع نفسه في متحارجة التوفيق بين المقاومة والمشاركة في السلطة تحت الاحتلال، ويكتوي بنار هذه الخطيئة الاستراتيجية. له مشروعه المقاوم الخاص به، وبالتالي لم يطرح مشروعاً وطنياً يقود من خلاله، بما يمثله من وزن فعلي على الساحة، نضالاً وطنياً كما يفترض أو يؤمل منه.

هذه المعارضة، بكامل تصانيفها، إن لم تخطو باتجاه التنازع على الشرعية مع الفريق الآخر، وتطرح مسألة تشكيل مرجعية وطنية مقاومة مستحقه اليوم قبل غداً، ليست بديلاً عن منظمة التحرير المنجز النضالي التاريخي وإنما كخطوة باتجاه استعادتها إلى خطها الوطني، تقود النضال الوطني وتخرجه من أزمته المستفحلة، وتحافظ على القضية من التصفية، وتعيد الاعتبار لبعدها القومي… إن لم تفعل فهي موضوعياً وشاءت أم أبت ترد التحية بمثلها للقائل: المفاوضات حياة، بالقول: والمعارضة حياة!!!

يبقى السؤال، وفي ظل الجاري، ما العمل… القضية إلى أين؟

الجواب: نعم، إن الجاري هو الأخطر. القضية تصفى وشعبها في وطنه المحتل هو بكامله في المعتقل ويرسف في قيوده أسيراً في ظل الاحتلال، ويستفرد وظهره للحائط، وفي الشتات لا حول له ولا قوة، وكتلة الأمة بكاملها مغيبة وممنوعة من الفعل… لكن شعباً قارع المحتلين الغزاة لقرن كامل ولا يزال وسيظل جاهزاً لتقديم آياته التي تترى من التضحيات الاسطورية لاستعادة وطنه، وأمة من مثل أمة ثقافة الاستشهاد التي لها مالها من مخزون نضالي متراكم عبر تاريخها المديد، ولا يعرف عنها أنها يوماً عرفت العقم، حتام سوف يبتكران أشكال نضالهما الجديدة الضرورة وأدواته المناسبة الأنجع، ذلك بعد أن فشل قديمه وقديمها وراهنه وراهنها و اوصلاهما إلى راهن حالهما…

هذه القضية أكبر من أن تصفى.